واصطلاحا: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث كونه منعما على الحامد أو غيره، سواء كان ذلك قولا باللسان، أو اعتقادا بالجنان، أي القلب، أو عملا بالأركان التي هي الأعضاء.
والشكر لغة: هو الحمد اصطلاحا لكن بإبدال الحامد بالشاكر١.
واصطلاحا: صرف العبد جميع ما أنعم به عليه فيما خلق لأجله، والله علم على الذات الواجب الوجود المستحق بجميع المحامد، وهو الإسم الأعظم عند الجمهور، ولدلالته على اتصافه تعالى بجميع المحامد اختير في مقام الحمد على سائر الأسماء، فلم يقل الحمد للرحمن مثلا.
وقوله العظيم صفة الله، وهو مضاف إلى: المنن، إضافة لفظية، والمنن بكسر الميم وفتح النون جمع منة، والمراد بها هنا العطية، أي العظيمة عطاياه.
وقوله: ومرسل، بكسر السين معطوف على العظيم، وهو مضاف إلى: الرسل أي: وباعث الرسل، والرسل: بضم السين ويجوز تسكينها تخفيفا، كما فعل الناظم جمع رسول، بمعنى مرسل بفتح: السين.
والرسول: إنسان أوحى إليه بشرع يعمل به، وأمر بتبليغه، بخلاف النبي، فإنه إنسان أوحى إليه بشرع يعمل به، وإن لم يؤمر بتبليغه، فهو أعم من الرسول، ويمتنع شرعا إطلاق اسم النبي على غير من ذكر.
والباء في قوله بأهدى للمصاحبة، وأهدى بمعنى أدل، وهو مضاف إلى سنن إضافة الصفة إلى الموصوف، والسنن بتثليث السين، وفتح النون، وبضم السين والنون بمعنى الطريق، أي: وباعث للرسل مع طريق أدل وأرشد.
ثم قال:
ليبلغوا الدعوة للعباد ويوضحوا مهايع الإرشاد٢
_________________
(١) ١ لسان العرب، مادة: "ش. ك. ر". ٢ الطرق: لسان العرب: "هـ. ي. ع".
[ ٣٢ ]
ذكر في هذا البيت حكمة إرسال الله ﷿ للرسل عليهم الصلاة والسلام قال: ليبلغوا بضم الياء وكسر اللام من أبلغ الرباعي، أي: ليوصلوا الدعوة، أي: الرسالة للعباد، ولا معارضة بين هذا وبين ما تضمنه قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ رُسُلًا﴾ ١.
من أن حكمة الإرسال قطع الحجة؛ لأن تبليغ الدعوة يستلزم قطع الحجة.
وقوله: ويوضحوا بضم الياء وكسر الضاد من أوضح الرباعي معطوف على يبلغوا، ومعناه يبينوا، ومهايع الإرشاد بكسر الياء طرقه، والإرشاد مصدر أرشد بمعنى هدى، وفي بعض النسخ مناهج بدل مهايع، وهي كالمهايع وزنا ومعنى.
وختم الدعوة والنبوءه بخير مرسل إلى البريئه
محمد ذي الشرف الأثيل صلى عليه الله من رسول
وآله وصحبه الأعلام ما انصدع الفجر عن الاظلام
فاعل ختم ضمير مستتر عائد على الله تعالى، ما ختم معطوف بالواو على مرسل من قوله، ومرسل الرسل، وهو من عطف الفعل على الاسم الشبيه بالفعل، أي مرسل الرسل، وخاتم الدعوة، والنبوءة، وختم مشتق من الختم، والختم يطلق بمعنى الإتمام، والفراغ، تقول: ختمت القرآن، أي: أتممته، وفرغت منه، ويطلق بمعنى الطبع، تقول: ختمت الكتاب بمعنى طبعته، أي جعلت عليه الطابع لئلا يفتح ويطلع على ما فيه، ويصح إرادة كلا المعنيين هنا؛ لأنه تعالى أتم الرسالة، والنبوءة بسيدنا محمد -ﷺ- وطبع عليهما به فلا يفتح بابهما لأحد بعده، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ٢.
وقوله -ﷺ-: "إن الرسالة، والنبوءة قد انقطعت فلا رسول من بعدي ولا نبي" ٣ الحديث.
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٤/ ١٦٥. ٢ سورة الأحزاب: ٣٣/ ٤٠. ٣ أخرجه الإمام الترمذي في الصحيح تحت عدد: ٢٢٧٢، والإمام أحمد في المسند ٣/ ٢٦٧، والحاكم في المستدرك: ٤/ ٣٩١، والمتقى الهندي في كنز العمال: ٤١٤٠٧، والسيوطي في جمع الجوامع ٥٥٦٦، وابن حجر في فتح الباري: ١٢/ ٣٧٥، وابن كثير في تفسيره: ٦/ ٤٢٣، والألباني في إرواء الغليل: ٨/ ١٢٨، والسيوطي في الدر المنثور: ٣/ ٣١٢.
[ ٣٣ ]
وانعقد الإجماع على ذلك، وأل في قوله: الدعوة للعهد، المعهود، الدعوة المتقدمة، والنبوءة بالهمزة من النبأ، وهو لخبر، ويترك الهمزة مع تشديد الواو، أما من النبأ أيضا فأبدلت همزتها واوا، وأدغمت الواو في الواو، أو من النبوة بفتح النون، وهي الرفعة، والنبوءة: شرعا خصيصية من الله تعالى غير مكتسبة بإجماع المسلمين، هي اختصاص العبد، بسماع وحي من الله تعالى بحكم شرعي تكليفي سواء أمر بتبليغه أم لا، وهكذا الرسالة لكن بشرط أن يؤمر بالتبليغ على ما يفهم من تعريفي الرسول، والنبي المتقدمين.
وقوله بخير متعلق بختم، والمرسل المبعوث، والبريئة بالهمز من برأ الله الخلق أوجدهم، فهي فعليه بمعنى مفعوله، ويترك الهمز مع تشديد الياء، أما من برأ أيضا فأبدلت الهمزة ياء، وأدغمت الياء في الياء أو من بريت القلم إذا سوته على صورة لم يكن عليها قبل.
وقوله محمد بدل من خير، وهو علم منقول من اسم مفعول حمد المضعف العين. أي: المكرر العين فيفيد المبالغة في المحمودية، وهو أشرف أسمائه -ﷺ- والذي سماه به جده عبد المطلب على الصحيح بإلهام من الله تعالى رجاء أن يحمد في السماء والأرض، وقد حقق الله رجاءه.
وقوله ذي الشرف صفة لمحمد والشرف الرفعة، والأثيل بالثاء المثلثة صفة للشرف، ومعناه الأصيل الثابت.
وقوله صلى الله عليه لفظه لفظ لخبر، ومعناه الدعاء، أي: صل يا رب عليه. ومعنى صلاته١ تعالى عليه -ﷺ- رحمته المقرونة بالتعظيم، ومن في قوله من رسول بيانية، والمبين الضمير في قوله عليه، ومجرورها تمييز له في الأصل.
_________________
(١) ١ الصلاة لغة لها عدة إطلاقات:
(٢) إذا أطلقت من الله فهى: رحمة.
(٣) إذا أطلقت من الملائكة فهي: استغفار.
(٤) إذا أطلقت من العبد فهي: دعاء.
[ ٣٤ ]
وقوله وآله معطوف على ضمير عليه، ولم يعد الجار في المعطوف بناء على مذهب الكوفيين المجوزين لذلك، وأصل آل: أول كالجمل لتصغيره على أويل، وقيل: أهل لتصغيره على أهيل والمراد به هنا كل مؤمن، ولو عاصيا؛ لأن المقام مقام دعاء، والعاصي أشد احتياجا إلى الدعاء من غيره، والصحب اسم جمع على الصحيح لصاحب، وهو لغة: من طالت عشرتك به، والمراد به هنا الصحابي، وهو من اجتمع بنبينا -ﷺ. مؤمنا به بعد البعثة في محل التعارف، بأن يكون على وجه الأرض، وإن لم يره أو لم يرو عنه شيئا، أو لم يميز على الصحيح، وخص الصحب بالذكر مع دخولهم في الآل بالمعنى المذكور لمزيد الاهتمام بهم.
وقوله: الإعلام صفة للصحب، وهو جمع علم، معناه لغة الجيل استعار الإعلام هنا للصحب لشبههم بها في الشهرة، وما من قوله ما انصدع مصدرية ظرفية، ومعني انصدع: انشق، والفجر، ضوء الصباح، والإظلام: مصدر أظلم الليل، ذهب نوره، والمراد به هنا الظلام، أي: اللهم صلى على محمد وآله وصحبه مدة انشقاق الفجر عن الظلام، وهذا المعنى مستمر البقاء إلى انقضاء الدنيا. وفي عبارة الناظم قلب؛ لأن الظلام هو الذي ينشق عن الفجر لا العكس، والقلب من أنواع البديع، ويتعين قراءة النبوءة، والبريئة في النظم بالهمز؛ لأن تشديد الواو والياء من غير همز يؤدي إلى اختلاف القافية بالواو والياء، وإن كان يجوز في النبوة، والبرية في حد ذاتها الهمز وتركه كما قدمناه.
حكم الرسم القرآني:
ثم قال:
وبعد فاعلم أن أصل الرسم ثبت عن ذوي النهى والعلم١
_________________
(١) ١ ومن هؤلاء:
(٢) مقرئ المدينة المنورة السيد زيد بن ثابت.
(٣) مقرئ مكة السيد عبد الله بن السائب.
(٤) مقرئ الشام السيد المغيرة بن شهاب.
(٥) مقرئ الكوفة السيد أبو عبد الرحمن السلمي.
(٦) مقرئ البصرة السيد عامر بن قيس.. وهناك مقرئون آخرون بعثوا إلى اليمن والبحرين، وما إلى ذلك وبهؤلاء وغيرهم تواترات القراءات القرآنية، وانتشرت في كل بقاع الدنيا، ومنها الغرب الإسلامي.
[ ٣٥ ]
الأكثر في: بعد أن تستعمل ظرف زمان، وقد تستعمل ظرف مكان، وهي هنا إما مبنية على الضم، على نية معنى المضاف إليه، وهو الجاري على الألسنة، أو بالنصب من غير تنوين على نية لفظه، وكلمة: وبعد يؤتي بها للانتقال من أسلوب إلى آخر، أي: من نوع الكلام إلى نوع آخر، والنوع المنتقل منه هنا البسملة وما بعدها، والمنتقل إليه هو ما ولي كلمة وبعد، والواو فيها نائبة عن: أما. وأما قائمة مقام مهما يكن من شيء بدليل لزوم الفاء بعدها، والمذكور بعد الفاء جزاء الشرط، وبعد من متعلقاته على الأصح.
ثم إن بعضهم يقول: أما بعد، وهو السنة، وقد صح أنه -ﷺ- خطب. فقال: "أما بعد"، وكان يأتي بها في مراسلاته، وبعضهم يأتي بالواو بدل أما اختصارا، كما فعل الناظم.
وقوله فاعلم، أي اجزم وتيقن أن أصل الرسم. إلخ.
والرسم لغة: الأثر، والمراد به هنا مرسوم القرآن، أعني حروفه المرسومة، ومراده بأصل الرسم ما يعتمد في كيفياته عليه، ويرجع عند اختلاف المقارئ إليه، ومعنى ثبت: صح، والنهي، جمع نهية بضم النون وهي العقل، سمي بذلك؛ لأنه ينهى عن القبيح، والمراد بذوي النهى والعلم الثابت عنهم أصل رسم القرآن، الصحابة ﵃.
جمع القرآن الكريم وكيفية كتابته:
ثم قال:
جمعه في الصحف الصديق١ كما أشار عمر الفاروق٢
لما ذكر أن أصل الرسم ثبت عن ذوي النهي والعلم، وهم الصحابة، وكان في ذلك إجمال، بين هذا البيت من جمعه أولًا، ومن أشار بجمعه، فأخبر أن أبا بكر الصديق -﵁- جمعه أولًا يعنى أمر بجمعه بإشارة عمر بن الخطاب -﵁-
_________________
(١) ١ أبو بكر الصديق -﵁، خليفة رسول الله -ﷺ، ومؤنسه في الغار عبد الله بن أبي قحافة، ترجمته في أسد الغابة: ٣/ ٣٠٩، وتاريخ الخلفاء وتذكرة الحفاظ: ١/ ٢، وشذرات الذهب: ١/ ٢٧، وطبقات ابن سعد ٣/ ١١٩، والعبر: ١/ ١٦، ومروج الذهب: ٢/ ٣٠٥. ٢ أبو حفص عمر بن الخطاب القرشي العدوي أمير المؤمنين، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، ت/ ٢٣ هـ، طبقات: ١/ ٥٩١.
[ ٣٦ ]
بذلك عليه، والمأمور بجمعه والمباشر له: زيد بن ثابت١ -﵁- والصحف بضمتين جمع صحيفة، وهي ما يكتب فيه، والصديق لقب أبي بكر، لقبه به النبي -ﷺ- لكثرة تصديقه له وأبو بكر كنيته، واسمه عبد الله، وقيل: عتيق، والكاف في قول الناظم كما أشار للتعليل، وما مصدرية، أي لإشارة عمر، والفاروق لقب سيدنا عمر، لقب به لكثرة فرقه بين الحق والباطل، وكنيته: أبو حفص، وهو أول من دعي أمير المؤمنين في الإسلام.
ثم قال:
وذاك حين قتلوا مسيلمه٢ وانقلبت جيوشه منهزمه
ذكر في هذا البيت الوقت الذي كان فيه جمع القرآن في الصحف مشيرًا إلى القصة المتضمنة سبب جمعه فيها.
فقوله: وذاك إشارة إلى الجمع المفهوم من قوله: قبل جمعه، أي: وذلك الجمع كان حين قتل الصحابة -﵃- مسليمة الكذاب، وانقلبت، أي: رجعت جيوشه منهزمة، والجيوش جمع جيش، وهو الجمع الكثير السائرون لحرب أو غيرها، ومعنى منهزمة منكسرة، ومسيلمة لقب هارون بن حبيب، وكنيته أبو تمامة، وهو من قبيلة تسمي بني حنيفة، وبلده مدينة باليمن تسمى اليمامة، وهو أحد الكذابين اللذين ادعيا النبوءة في زمان النبي -ﷺ، وهو كذاب اليمامة والكذاب الآخر: هو الأسود٣ بن كعب العنسي، وهو كذاب صنعاء، وكان يزعم أن جبريل يأتيه، وكان يبعث إلى مكة من يخبره بأحوال رسول الله -ﷺ- وينقل إليه ما سمعه من القرآن ليقرأه على جماعته، ويقول
_________________
(١) ١ زيد بن ثابت -﵁، ت/ ٤٥ هـ هو زيد بن ثابت الأنصاري شيخ المقرئين وإمام الفرضيين، ومن الصحابة الذين أتموا حفظ القرآن ترجمته في: طبقات ابن سعد: ٢/ ٣٥٨، وتاريخ خليفة: ٢٠٧، وطبقات خليفة: ٢٠٣، وتاريخ البخاري: ٣/ ٣٨٠، والاستيعاب: ١/ ٥٥١، وتذكرة الحفاظ: ١/ ٣٠، وأسد الغابة: ٤/ ١٤٥، والإصابة: ٢/ ٥١١، وتاريخ الخلفاء: ١٠٨ ٢ مسيلمة الكذاب: هو أبو تمامة ويلقب بهارون بن حبيب، وهو من قبيلة بني حنيفة، وينتسب إلى اليمامة باليمن، وهو أحد الذين ادعوا النبوة في زمان النبي -ﷺ. ٣ الأسود بن كعب العنسي وهو كذاب صنعاء، وكان يزعم أن ملكين يكلمانه من السماء أحدهما اسمه: سحيق، والثاني اسمه: شريق.
[ ٣٧ ]
فلما رأى عمر بن الخطاب -﵁- ما وقع بقراء القرآن خشي على من بقي منهم، وأشار على أبي بكر -﵁- بجمع القرآن.
أسند: أبو عمرو١ الداني في المحكم إلى زيد٢ بن ثابت أن عمر٣ بن الخطاب -﵁- جاء إلى أبي بكر، فقال: إن القتل قد أسرع في قراء القرآن أيام اليمامة، وقد خشيت أن يهلك القرآن فاكتبه، فقال أبو بكر٤.
فكيف نصنع شيئا لم يأمرنا فيه رسول الله -ﷺ- ولم يعهد إلينا فيه بعهد؟ فقال عمر: افعل فهو والله خير، فلم يزل عمر بأبي بكر حتى أرى الله أبا بكر مثل رأي عمر، قال زيد: فدعاني أبو بكر، فقال: إنك رجل شاب قد كنت تكتب الوحي لرسول الله -ﷺ، فاجمع القرآن واكتبه، قال زيد: كيف تصنعون شيئا لم يأمركم فيه رسول الله -ﷺ- بأمر ولم يعهد إليكم فيه بعهد؟ قال: فلم يزل أبو بكر حتى أراني الله الذي رأى أبو بكر، وعمر، والله لو كلفوني نقل الجبال لكان أيسر من الذي كلفوني، قال: "فجعلت أتتبع القرآن من صدور الرجال، ومن الرقاع، ومن الأضلاع، ومن العسب، قال: ففقدت آيه كنت أسمعها من رسول الله -ﷺ، لم أجدها عند أحد، فوجدتها عند رجل من الأنصار: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ٥ فألحقتها في سورتها، فكانت تلك الصحف عند أبي بكر حتى مات، ثم كانت عند حفصة حتى ماتت "انتهى".
وفي بعض الروايات عن زيد بن ثابت: فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع، والعسب، واللخاف، وصدور الرجال "انتهى".
والرقاع: جمع رقعة بضم، وهي القطعة من الجلد، والعسب: جمع عسيب وهو جريدة من النخل مستقيمة دقيقة مزال خوصها، واللخاف: ككتاب حجارة بيض رقاق
_________________
(١) ١ راجع ص: ٢٥. ٢ راجع ص: ٢٥. ٣ راجع ص: ٤٥. ٤ راجع ص: ٥. ٥ سورة الأحزاب: ٣٣/ ٢٣.
[ ٣٨ ]
فلما رأى عمر بن الخطاب -﵁- ما وقع بقراء القرآن خشي على من بقي منهم، وأشار على أبي بكر -﵁- بجمع القرآن.
أسند: أبو عمرو١ الداني في المحكم إلى زيد٢ بن ثابت أن عمر٣ بن الخطاب -﵁- جاء إلى أبي بكر، فقال: إن القتل قد أسرع في قراء القرآن أيام اليمامة، وقد خشيت أن يهلك القرآن فاكتبه، فقال أبو بكر٤.
فكيف نصنع شيئا لم يأمرنا فيه رسول الله -ﷺ- ولم يعهد إلينا فيه بعهد؟ فقال عمر: افعل فهو والله خير، فلم يزل عمر بأبي بكر حتى أرى الله أبا بكر مثل رأي عمر، قال زيد: فدعاني أبو بكر، فقال: إنك رجل شاب قد كنت تكتب الوحي لرسول الله -ﷺ، فاجمع القرآن واكتبه، قال زيد: كيف تصنعون شيئا لم يأمركم فيه رسول الله -ﷺ- بأمر ولم يعهد إليكم فيه بعهد؟ قال: فلم يزل أبو بكر حتى أراني الله الذي رأى أبو بكر، وعمر، والله لو كلفوني نقل الجبال لكان أيسر من الذي كلفوني، قال: "فجعلت أتتبع القرآن من صدور الرجال، ومن الرقاع، ومن الأضلاع، ومن العسب، قال: ففقدت آيه كنت أسمعها من رسول الله -ﷺ، لم أجدها عند أحد، فوجدتها عند رجل من الأنصار: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ٥ فألحقتها في سورتها، فكانت تلك الصحف عند أبي بكر حتى مات، ثم كانت عند حفصة حتى ماتت "انتهى".
وفي بعض الروايات عن زيد بن ثابت: فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع، والعسب، واللخاف، وصدور الرجال "انتهى".
والرقاع: جمع رقعة بضم، وهي القطعة من الجلد، والعسب: جمع عسيب وهو جريدة من النخل مستقيمة دقيقة مزال خوصها، واللخاف: ككتاب حجارة بيض رقاق
_________________
(١) ١ راجع ص: ٢٥. ٢ راجع ص: ٢٥. ٣ راجع ص: ٤٥. ٤ راجع ص: ٥. ٥ سورة الأحزاب: ٣٣/ ٢٣.
[ ٣٩ ]
وأحدها: لخفة بفتح اللام، وقد كانوا يكتبون في هاته الأشياء لقلة الورق "أي: الكاغد".
ثم قال:
وبعده جرده الإمام في مصحف ليقتدي الأنام
ولا يكون بعده اضطراب وكان فيما قد رأى صواب
فقصة اختلافهم شهيره كقصة اليمامة العسيره
أخبر أن الإمام يعني سيدنا عثمان بن عفان١ -﵁- جرد أصل الرسم في مصحف، أي: نسخه من الصحف، وجمعه جمعا ثانيا في مصحف بعد جمع أبي بكر المتقدم، ليقتدى به الأنام، أي: الخلق، ولا يكون بعد ذلك التجريد اضطراب، أي: اختلاف بينهم، وأنه أصاب -﵁- فيما قد رآه من ذلك.
قال ابن حجر: الفرق بين الصحف والمصحف، أن الصحف الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر، وكان صورا مفرقة، كل سورة مرتبة بآياتها على حدة لكن لم يرتب بعضها إثر بعض، فلما نسخت ورتب بعضها إثر بعض صارت مصحفًا "انتهى".
والمصحف مثلث الميم اسم أعجمي معناه جامع الصحف، وأشار الناظم بالبيتين الأولين، والشطر الأول من البيت الثالث إلى ما ذكره الحافظ الداني في المقنع بسنده إلى ابن شهاب الزهري، قال: أخبرني أنس بن مالك، أن حذيفة بن اليمان قد على عثمان، وكانوا يقاتلون على مرج أرمينية، فقال: حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين إني قد سمعت الناس اختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنصاري، حتى أن الرجل ليقوم فيقول: هذه قراءة فلان، قال: فأرسل عثمان إلى حفصة: أرسلي إلينا بالصحف، فننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، قال: فأرسلت إليه بالصحف، قال: فأرسل عثمان إلى زيد بن
_________________
(١) ١ أمير المؤمنين عثمان بن عفان، أبو عمرو الأموي، ذو النورين ومن جمع الأمة على مصحف واحد هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وروى جملة كثيرة من العلم، وكان من الصادقين المنفقين في سبيل الله، استشهد يوم الجمعة ١٨ ذي الحجة سنة ٣٥هـ، وكانت خلافته ١٢ سنة، وترجمته: في أسد الغابة: ٣/ ٥٨٤، والإصابة: ٢/ ٤٥٥، وتاريخ الخلفاء: ١٤٧، وتذكرة الحفاظ: ١/ ٨، وشذرات الذهب: ١/ ٤٠، وطبقات ابن سعد: ٣/ ٣٦، وطبقات القراء: ١/ ٥٠٧، ومروج الذهب: ٢/ ٣٤٠، والنجوم الزاهرة: ١/ ٩٢.
[ ٤٠ ]
ثابت١، وإلى عبد الله بن عمرو بن العاص٢، وإلى عبد الله بن الزبير٣، وإلى عبد الله بن عباس٤، وإلى عبد الرحمن بن الحارث بن هشام٥، فقال: انسخوا هذه الصحف في مصحف واحد، وقال للنفر القرشيين: إن اختلفتم أنتم وزيد بنثابت فاكتبوه على لسان قريش، فإنما نزل "يعني معظمه" بلسان قريش، قال زيد: فجعلنا نختلف في الشيء، ثم نجمع أمرنا على رأي واحد، فاختلفوا في التابوت، فقال زيد: التابوت، وقال النفر القرشيون: التابوت، قال: فأبيت أن أرجع إليهم، وأبوا أن يرجعوا إلي، حتى رفعنا ذلك إلى عثمان -﵁- فقال عثمان: اكتبوه: التابوت، فإنما أنزل القرآن على لسن قريش، قال زيد: فذكرت آية سمعتها من رسول الله ﷺ لم أجدها عند أحد، حتى وجدتها عند رجل من الأنصار هو خزيمة بن ثابت: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٦.
قال أبو شهاب قال أنس: فرد عثمان الصحف إلى حفصة، وألغى ما سوى ذلك من المصاحف "انتهى".
_________________
(١) ١ زيد بن ثابت، أبو سعيد الأنصاري الخزرجي المقرئ كاتب وحي النبي ﷺ، أمره النبي ﷺ أن يتعلم خط اليهود فجاد الكتابة، وكتب وحفظ القرآن وأتقنه وأحكم الفرائض، وشهد الخندق وما بعدها، وأمره أبو بكر الصديق بجمع القرآن ثم عينه الخليفة عثمان ﵁ بكتابة المصحف وثوقا بحفظه، وأمانه وحسن خطه ترجمته: في أسد الغاابة: ٢/ ٢٧٨، والإصابة: ١/ ٥٤٣، وتذكرة الحفاظ: ١/ ٣٠، والشذرات: ١/ ٣٥، والعبر: ١/ ٥٣، والنجوم الزاهرة: ١/ ١٣٠. ٢ عبد الله بن عمرو بن العاص: أبو عبد الرحمن، وأبو محمد القرشي أحد المهاجرين قبل الفتح كتب عن النبي ﷺ كثيرا توفي بمصر ٥٦هـ ترجمته في أسد الغابة: ٣/ ٣٤٨، والإصابة: ١/ ٣٤٣، وتذكرة الحفاظ: ١/ ٤١، والشذرات: ١/ ٧٣، وطبقات ابن سعد: ٤/ ٨-٢، وطبقات الشيرازي: ٥٠، وطبقات ابن الجزري: ١/ ٤٣٩. ٣ عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، وأول مولود في المدينة بعد الهجرة شهد فتح أفريقيا في خلافة عثمان، وبويع بالخلافة سنة ٦٤هـ، وكان بينه وبين الحجاج بن يوسف الثقفي حروب انتهت بمقتل عبد الله بن الزبير سنة ٧٣هـ بمكة روي له في كتب الحديث ٣٣حديثا، انتدب لكتابة المصحف الشريف إلى جانب زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن الحارث، ترجمته: في نزهة المتقين: ٢/ ١٣١٧. ٤ عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، أبو العباس الهاشمي، ابن عم الرسول ﷺ، ودعا له أن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل، توفي سنة ٦٨هـ، ترجمته: في أسد الغابة: ٣/ ٢٩٠، والإصابة: ١/ ٣٢٢، وتاريخ بغداد للخطيب: ١/ ١٧٣، وتذكرة الحفاظ: ١/ ٤٠. ٥ عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فهو من خيرة الصحابة، وثقات الحفاظ الذين كتبوا المصاحف في عهد عثمان ت/ ٩٣هـ الزرقاني، مناهل العرفان: ٢٥٠/ ١. ٦ سورة التوبة: ٩/ ١٢٨-١٢٩.
[ ٤١ ]
والمرج الثغر: أي موضع الخوف، وأرمينية مدينة عظيمة في ناحية الشمال، وفي المقنع أيضا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف بعث عثمان إلى كل أفق بمصحف من تلك المصافح التي نسخوها، ثم أمر بسوى ذلك من القراءة في كل صحيفة أو مصحف، أن يحرف "انتهى".
قال ابن حجر: وأكثر الروايات صريح في التحريق فهو الذي وقع "انتهى". وقال ابن بطال: وفي هذا الحديث جواز تحريق الكتب التي فيها اسم الله بالنار؛ لأن ذلك إكرام لها، وحرز عن وطئها بالأقدام "انتهى".
قال القسطلاني: وإنما ترك النبي ﷺ جمعه، أي: القرآن في مصحف واحد؛ لأن النسخ يرد على بعضه، فلو جمعه ثم رفعت تلاوة بعضه لأدى إلى الاختلاف والاختلاط، فحفظه الله تعالى في القلوب إلى انقضاء زمن النسخ، فكان التأليف في الزمن النبوي، والجمع في الصحف في زمن الصديق، والنسخ في المصحف في زمن عثمان، وقد كان القرآن كله مكتوبا في عهده ﷺ لكن غير مجموع في موضع واحد، ولا مرتب السور "انتهى".
ومعنى قول الناظم: كقصة اليمامة والعسيرة إن سبب تجريد عثمان للصحف في مصحف هو قصة اختلاف القراء المشهورة، كما أن سبب جمع أبي بكر المتقدم هو قصة حرب اليمامة الشديدة، وكيف لا تكون شديدة، وقد مات فيها من المسلمين ألف ومائتان، منهم سبعمائة من حملة القرآن كما تقدم، وفي هذا البيت تعرض لبيان العلة الحاملة على الجمعين
وما قوله: ليقتدي الأنام ولا يكون بعده اضطراب، فهو بيان للعلة الغائبة في الجمع الثاني.
[ ٤٢ ]
تنبيهان:
الأول: اختلاف في عدد المصاحف١ العثمانية، فالذي عليه الأكثر أنها أربعة أرسل منها سيدنا عثمان مصحفا إلى الشام، ومصحفا إلى الكوفة، ومصحفا إلى البصرة، وأبقى مصحفا بالمدينة، وقيل: خمسة، الأربعة المذكورة، والخامس أرسله إلى مكة، وقيل ستة، الخمسة المتقدمة، السادس أرسله إلى البحرين، وقيل: سبعة، الستة المتقدمة والسابع أرسله إلى اليمن، وقيل: ثمانية، السبعة المتقدمة، والثامن هو الذي جمع فيه سيدنا عثمان القرآن أولا، ثم نسخ منه المصاحف، وهو المسمى بالإمام، وكان يقرأ فيه، وكان في حجره حين قتل، ولم يكتب سيدنا عثمان واحدا منها، وإنما أرم بكتابتها، وكانت كلها مكتوبة على الكاغط إلا المصحف الذي كان عنده بالمدينة، فإنه على رق الغزال.
واعلم: أن الأئمة لم يلتزموا النقل عن المصاحف الثمانية مباشرة، بل ربما نقلوا عن مصحف منها بعينه، وربما نقلوا عن المصاحف مع حكاية إجماعها أو دونه، وربما نقلوا عن المصاحف المدنية أو الملكية، أو الشامية، أو العراقية اعتمادا منهم على أن المظنون بمصاحف الأمصار متابعة كل واحد منها مصحف مصره العثماني، ولم يعهد منهم النقل عن مصحفي اليمن والبحرين لنقل الجعبري عن أبي علي عثمان -﵁- أمر زيد بن ثابت أن يقرأ بالمدني، وبعث عبد الله بن السائب مع المكي، والمغيرة بن شهاب مع الشامي، وأبا عبد الرحمن السلمي مع الكوفي، وعامر بن قيس مع البصري، وبعث مصحفا إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، فلم نسمع لهما خبرًا، ولا علمنا من أنفذ معهما، قال: ولهذا انحصر الأئمة السبعة في الخمسة الأمصار، ثم قال الجعبري: والاعتماد في نقل القرآن متفقا ومختلفا على الحفاظ، ولهذا أنفذهم إلى أقطار الإسلام للتعلم، وجعل هذه المصاحف أصولا ثواني، وحرصا على الإنقاذ، ومن ثم أرسل إلى كل إقليم المصحف الموافق لقراءة قارئة في الأكثر، وليس لزاما كما توهم، "انتهى".
_________________
(١) ١ المصاحف "١٩-٢٠" لأبي عبد الله بن أبي داود، تحقيق آرثر جفري، ط. الرحمانية، القاهرة، ١٣٥٥هـ.
[ ٤٣ ]
التنبيه الثاني: قد تواتر عن النبي ﷺ أنه قال: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه" ١.
وقد اختلف العلماء في المراد بهذه الأحرف السبعة على نحو أربعين قولا، والذي عليه معظمهم، وصححه البيهقي، واختاره الأبهري وغيره، واقتصر عليه في القاموس أنها لغات.
ومن حكم إتيانه عليها التخفيف والتيسير على هذه الأمة في التكلم بكتابهم كما خفف عليهم في شريعتهم، وهذا كالمصرح به في الأحاديث الصحيحة كقوله ﷺ: "إن ربي أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف واحد فرددت إليه أن هون على أمتي، ولم يزل يدد حتى بلغ سبعة أحرف" ٢.
ومقتضى كلام الشاطبي في العقيلة، وصرح به الجعبري، وابن الجزري في المنجد وغيرهما أن الصحف المكتوبة بإذن أبي بكر كانت مشتملة على الأحرف السبعة، وأما المصاحف العثمانية، فقد اختلفوا في اشتمالها عليها، فذهب جماعة القراء والفقهاء، والمتكلمين إلى أن جميع المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة، وذهب بعضهم إلى أنها مشتملة على حرف واحد، وذهب جماهير العلماء من السلف، والخلف إلى أنها مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها ﷺ على جبريل، ولم تترك حرفا منها، وهذا القول الثالث قال في النشر هو الذي يظهر صوابه؛ لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المشهورة تدل عليها، "انتهى".
وقوله ليقتدي يقرأ بإسكان الياء على أن نصبه مقدر للوزن، والناصب له أن مضمرة بعد اللام.
وقوله: ولا يكون بالنصب عطف على يقتدي.
ثم قال:
فينبغي لأجل ذا أن تقتفي مرسوم ما أصله في المصحف
ونقتدي بفعله وما رأى في جعله لمن يخط ملجئا
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده: ٤/ ١٦٩، وابن جرير الطبري في تفسيره: ١/ ٤٣، والهيثمي في مجمع الزوائد: ٧/ ١٥١، وهناك عدة روايات مختلفة المتن والسند. ٢ أخرجه الإمام أحمد في المسند: ٥/ ١٢٧، والإمام مسلم في الصحيح: ٦/ ٣٤٩ رقم ٨٢٠.
[ ٤٤ ]
ما ذكره في هذين البيتين مسبب على ما تضمنته الأبيات الثلاثة قبل، فلذا عطفه بفاء السببية، فقال: ينبغي، يعني فيجب لأجل ذا، أي: لأجل التجريد المعلل بما تقدم أن نقتفي، أي تنبع في قراءتنا المرسوم الذي أصله سيدنا عثمان في المصحف، أي جعله فيه أصلا، وأن نقتدي في كتبنا القرآن بفعله، أي بكتبه -﵁- ورأيه في حعل المصحف ملجأ، أي: مرجعا وإماما متبعا لمن يخط، أي: يكتب القرآن.
وقد قدمنا أن أصل الرسم ما يعتمد في كيفياته عليه، ويرجع عند اختلاف المقارئ إليه، ولا شك أن سبب جمع الإمام عثمان١ -﵁- هو الاختلاف الواقع كما تقدمت الإشارة إليه بقوله: فقصة اختلافهم شهيرة، والعلة الغائية التي قصدها بالجمع هي انتفاء اختلافهم كما تقدم، فلما كتب المصاحف أمر الناس بالاقتصاد على ما وافقها لفظا، وبمتابعتها خطا ولذلك أمر بما سواها أن يحرق كما تقدم، إذ لولا قصده جعل هذه المصاحف أئمة للقارئين، والكاتبين ما أمر، بتحريق ما سواها، وهذا بمعنى قول الناظم في عمدة البيان:
فواجب على ذوي الأذهان أن يتبعوا الرسوم في القرآن
ويقتدوا بما رآه نظرا إذ جعلوه للأنام وزرا
وكيف لا يجب الافتداء لما أتى نصبا به الشفاء
إلى عياض أنه من غيرا حرفا من القرآن عمدا كفرا
زيادة أو نقصا أو إن أبدلا شيئا من الرسم الذي تأصلا
وقوله في عمدة البيان: فواجب يؤيد ما أطبقوا عليه من تفسير ينبغي هنا يجب، وإن كان الغالب استعمال هذه المادة في الندب، وسيأتي قريبا، دليل وجوب الاقتفاء المذكور.
وقوله: وتقتدي عطف على نقتفي فهو منصوب لكنه قدر نصبه، فسكن الياء على ما تقدم في قوله: ليقتدي، من قوله: وما رأى مصدرية.
ثم قال:
_________________
(١) ١ المصاحف: ٥ وعليه اعتمد المؤلف في هذا الشرح، وفضائل الصحابة: ١/ ٣٥٩.
[ ٤٥ ]
وجاء آثار في الاقتداء بصحبة الغر ذوي العلاء
منهن ما ورد في نص الخبر لدى أبي بكر الرضي وعمر
وخبر جاء على العموم وهو أصحابي كالنحوم
لما ذكر في البيتين السابقين أن أتباع المصحف قراءة، وكتابة واجب استدل هنا على الوجوب المذكور بأحاديث واردة عن النبي ﷺ في طلب الاقتداء بالصحابة صريحًا.
فقوله: وجاء آثار: أي: أحاديث.
وقوله: الغر١ بضم الغين صفة للصحب، وهو جمع أغر، والفرس الأغر هو ذو الغرة، أي: البياض في جبهته، ثم استعبر للمشهور كما هنا.
وقوله: العلاء بفتح العين والمد معناه: الرفعة والشرف.
والأحاديث الواردة في ذلك كثيرة، منها ما ورد مخصوما بأبي بكر٢، وعمر -﵂- ومنها ما ورد عامًا في الصحابة كلهم، وإلى الأول أشار بقوله: منهن أي: من الآثار ما ورد في نص الخبر، أي: في الخبر النص، أي: الحديث الصريح ولدى في قوله لدى أبي بكر بمعنى في، والرضي بتشديد الياء بمعنى المرضي نعت لأبي بكر، وأشار بهذا إلى قوله ﷺ: $"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر، وعمر".
قال السيوطي في الجامع الصغير، وأخرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجه زاد في ذيل الجامع، ومنهن خبر جاء دالا على عموم الاقتداء بالصحابة، وهو قوله: ﷺ: "أصحابي كالنجوم"، "وتمام الحديث" بأيهم اقتديتم اهتديتم"٣.
قال السيوطي أخرجه السجزي في الإبانة، وابن عساكر عن عمر بلفظ سألت ربي فيما يختلف فيه أصحابي من بعدي، فأوحي إلي يا محمد: إن أصحابك عندي بمنزل النجوم في السماء بعضها أضوء من بعض، فمن أخذ بشيء، مما هم عليه من اختلافهم
_________________
(١) ١ لسان العرب، مادة "غ. ر". ٢ المصاحف "٢٠-١٩". ٣ أخرجه صاحب ميزان الاعتدال، ص: ١٥١١، ٢٢٩ وابن حجر في لسان الميزان: ٢/ ٤٨٨، ٤٩٥، والعجلوني في كشف الحفاء: ١/ ١٤٧، والزبيدي في اتحاف السادة المتقين: ٢/ ٢٢٣، وابن حجر تلخيص الحبير: ٤/ ١٩٠، وفي كتابه أيضا الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف: ٩٤.
[ ٤٦ ]
فهو عندي على هدى١، وقد ورد هذان الحديثان بروايات مختلفة كما ورد في اتباع الصحابة أحاديث أخرى، وجملتها تدل على طلب الاقتداء بالصحابة: فما فعلوا ومما فعلوه مرسوم المصحف، وقد أجمعوا -﵁، وهم اثنا عشر ألفا، والإجماع كما تقرر في أصول الفقه.
وحذف الناظم تنوين بكر من قوله: أبي بكر الرضي لالتقاء الساكنين على لغة قرئ بما شاذا قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ٢ بحذف التنوين من أحد.
ثم قال:
ومالك حض على الإتباع لفعلهم وترك الابتداع
إذ منع السائل من أن يحدثا في الأمهات نقط ما قد أحدثا
وإنما رآه للصبيان في الصحف والألواح للبيان
والأمهات ملجأ للناس فمنع النقط للالتباس
لما استدل بالأحاديث التي أشار إليها في الأبيات قبل الدال مع الإجماع المتقدم على وجوب الاتداء بالصحابة -﵃- أكد الاستدلال على بما ورد عن إمام الأئمة، مالك بن أنس* -﵁- فأخبر أن مالكا حض أي: حث على الاتباع،
_________________
(١) ١ هذا الحديث موضوع رواه ابن بطة في الإبانة، وأورده السيوطي في الجامع الصغير برواية السجزي، وقال شارحه المناوي: قال ابن الجوزي في العلل: هذا لا يصح نعيم مجروح، وعبد الرحيم قال: ابن معين كذاب، وفي الميزان هذا الحديث باطل وقال الذهبي: إسناده مقطوع، وروى ابن عبد البرعي البزار أنه قال في هذا الحديث: وهذا كلام لا يصح عن النبي ﷺ، وقد روي عن النبي ﷺ بسند صحيح: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجد"، "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"، هذا الحديث موضوع رواه ابن عبد البر في جامع العلم وابن حزم في "الأحكام"، قال ابن عبد البر: هذا إسناد لا تقوم به حجة؛ لأن الحارث بن غصبي مجهول، وقال ابن حزم: هذه رواية ساقطة، راجع سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، حديث رقم ٦٠-٥٨. ٢ سورة الإخلاص: ١١٢/ ٢-١. * الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحي الحميري، أبو عبد الله المدني، شيخ الأئمة وإمام دار الهجرة، روى عن نافع ومحمد بن المنكدر، وجعفر الصادق، وحميد الطويل وعنه الشافعي، وخلائق جمعهم الخطيب في مجلة، وقال ابن المديني له نحو ألف حديث، وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: من أثبت أصحاب الزهري؟ قال مالك: أثبت في كل شيء، وقال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، وقال الشافعي: إذا جاء الأثر فمالك النجم، توفي بالمدينة سنة ١٧٩هـ وهو ابن ٨٦سنة، ترجمته في الأنساب: ١٤١، البداية والنهاية لابن كثير: ١/ ١٧٩، وتذكرة الحفاظ للذهبي: ١/ ٢٠٧، وتهذيب الأسماء للنووي: ٢/ ٧٥، وتهذيب التذهيب ١٠/ ٥، والأنساب لابن حزم: ٤٣٥، وحلية الأولياء للأصبهاني: ٦/ ٣١٣، وخلاصة تذهيب الكمال للخزرجي: ٣١٣، والديباج المذهب لابن فرحون: ١٧، والرسالة المستطرفة: ١٣، وشذرات الذهبي: ١/ ٢٨٩، وصفوة الصفوة لابن الجوزي: ٢/ ٩٩، وطبقات ابن سعد، ٥/ ٤٥، وطبقات الشيزاري ٦٧، وطبقات القراء لابن الجزري: ٢/ ٣٥ت، وطبقات المفسرين للداودي، ٢/ ٢٩٣، والعبر: ١/ ٢٧٢، والفهرست لابن النديم: ١٩٨، اللباب، ١/ ٥٥، ٣/ ٦٨، ومرأة الجنان: ١/ ٣٧٣، ومروج الذهب للمسعودي: ٣/ ٣٥٠، والنجوم الزاهرة لابن تغري: ٢/ ٩٦، وفيات الأعيان خلكان: ١/ ٤٣٩.
[ ٤٧ ]
أي: أفعال الصحابة في المصاحف، وعلى ترك الابتداع، أي: الاختراع وإحداث ما لم يكن فيها.
ولما كان هذا الكلام الذي نسبه الناظم لمالك لم يقله صريحا وإنما هو لازم لجوابه الآتي عن سؤال من سأله علل نسبته لمالك بقوله: إذ منع، مالك السائل الآتي سؤاله من أن يحدث في الأمهات، أي: المصاحف الكمل الكبار، نقط المصاحب المحدثة في زمن السائل، وإنما رأى، أي: مالك جواز النقط للصبيان في الصحف، يعني الصغار، وفي الألواح للبيان، والإيضاح لهم، والمراد بالصبيان المتعلمون، ولو كبارا، وسيأتي قريبا ما المراد بالنقط، وقد أشار الناظم بهذا إلى ما نقله الحافظ الداني١ في المحكم من قوله مالك: ولا يزال الإنسان يسألني عن نقط القرآن فأقول له: أما الإمام من المصاحف، فلا أرى أن ينقط، ولا يزاد في المصاحف ما لم يكن فيها، وأما المصاحف الصغار التي يتعلم فيها الصبيان، وألواحهم فلا أرى في ذلك بأسا.
قال عبد الله بن الحكم: وسمعت مالكا، وقد سئل عن شكل المصاحف فقال: أما الإمهات فلا أراه، وأما المصاحف التي يتعلم فيها الغلماء فلا بأس "انتهى".
وحاصله التفصيل بين الأمهات الكمال، فلا يجوز نقطها، وبين الصغار والألواح، فيجوز ويقابل قول مالك هذا قولان آخران:
١- أحدهما بجواز النقط مطلقا.
٢- والآخر بكراهته مطلقا.
وقد نسب في المحكم هذه الأقوال بأسانيدها إلى أربابها: وهي جارية أيضا في رسم الخموس، والعشور، ورسم أسماء السور، وما فيها من عدد الآي، والمراد بالنقط ما يشمل نقط الإعجام الدال على ذات الحرف، وشكل الإعراب ونحوه الدال على عارض الحرف، من فتح، وضم، وكسر، وسكون، وشد، ومد، ونحو ذلك، قال في ذيل المقنع: الناس في جميع أمصار المسلمين، من لدن التابعين إلى وقتنا على الترخيص في ذلك، يعني في
_________________
(١) ١ الداني عثمان بن سعيد المكنى أبا عمر جمال القراء، وكمال الإقراء لعلم الدين السخاوي علي بن محمد، ت/ ٦٤٣هـ، تحقيق د علي حسين البواب: ١/ ١٣٥، ط: ١٤٠٨/ ١٩٨٧، مطبعة المدني، القاهرة.
[ ٤٨ ]
شكل المصاحف ونقطها في الأمهات وغيرها، ولا يرون بأسا برسم فواتح السور وعدد آيها، والخموس، والعشور، في مواضعها، والخطأ مرتفع عن إجماعهم. "انتهى".
قلت ومن المعلوم أن العمل في وقتنا هذا على الترخص في ذلك وفي رسم أسماء السور، وعدد آيها، والأحزاب، والأرباع، والأثمان في مواضعها، لكن نقط الإعجام بالسواد، وما عداه بلون مختلف للسواد، ولا تخفى المعارضة بين حكاية الإجماع المذكور، وبين حكاية الأقوال الثلاثة المتقدمة.
وقول الناظم: والأمهات ملجأ للناس، أي: مرجع لهم، والفاء في قوله: فمنع سببية، وقوله للالتباس: نقل عن الناظم أنه قال: ليس هو تعليلا لمالك، ولا من كلامه، وإنما ذلك تبرع تبرعت به، وأخذته من كلام الحافظ في المحكم حيث لم يستجز نقط المصاحف بالسواد من الحبر وغيره، ونهى عنه؛ لأن السواد يحدث فيه نخليطا، "انتهى". كلام الناظم، وعليه فقوله منع مبني للنائب، والنقط نائب فاعله، والمانع هو الحافظ الذاتي في المحكم لا مالك، وإنما لم يجعل الناظم قوله: للالتباس علة لمنع مالك النقط؛ لأنه ليس في جواب مالك ما يدل عليه.
وقول الناظم: للاتباع بقطع الهمزة مصدر أتبع بمعنى أتبع بوصل الهمزة، وإذ في قوله إذ منع للتعليل، ويحدثا بضم الياء من أحدث الرباعي، وألفه للإطلاق كألف أحدثا. "تأليف الكتب في القراءات".
ثم قال:
ووضع الناس عليه كتبا كل يبين عنه كيف كتبا
أجلها فاعلم كتاب المقنع١ فقد أتى فيه بنص مقنع
أخبر أن الناس، أي: العلماء المعتنين برسم القرآن وضعوا، أي: صنفوا كتبا تكلموا فيها على المرسوم الذي جعله سيدنا عثمان في المصاحف أصلا كتبعا، كل واحد من أولئك الناس يبين عن المرسوم كيف كتب، أي: يخبر كيفية كتابته: من حذف،
_________________
(١) ١ المقنع: لأبي عمرو الداني.
[ ٤٩ ]
وإثبات ونقص وزيادة، وقطع، ووصل، ونحو ذلك إلا أن بعض ذلك تلقوه عن المصاحف العثمانية كما تقدم، وبعضه من مصاحف الأمصار المظنون بكل واحد منها متابعة مصحف مصره، كما تقدم أيضا، والضمير في قوله: أجلها يعود على الكتب المتقدمة، أي: أجل تلك الكتب الموضوعة في الرسم، وأعظمها فائدة، وصحة الكتاب المسمى بالمقنع؛ لأنه أتى فيه مؤلفه بنص، أي: بلفظ صريح مقنع، أي: كاف لمن اقتصر عليه، وكتاب المقنع الذي عناه الناظم هو المقنع الكبير، وهو مفيد في الرسم، وعليه اعتمد مجمل ممن اعتنى بعلم القرآن، والمقنع الصغير، نحو نصفه، وكلاهما من تأليف الحافظ أبي عمر، وعثمان بن سعيد بن عثمان بن عمر الأموي١، مولاهم المعروف في زمانه بابن الصيرفي وبعد ذلك بالداني، ولد بقرطبة، ثم انتقل منها إلى دانية، فنسب إليها ويكنى أبا عمرو.
كان ﵀ دينا ورعا كثير البركة مجاب الدعوة مالكي المذهب، سمع من أبي الحسن القابسي، وابن أبي زمنين وخلق كثير، وأخذ عنه أناس كثيرون بالأندلس وغيرها منهم أبو عمرو الداني قارئ الأندلس، وأبو الوليد الباجي فقيهها، وأبو عمرو بن عبد البر٢ محدثها، قال اللبيب في شرح العقيلة: رأيت لأبي عمرو الداني مائة وعشرين تأليفا منها أحد عشر في الرسم، أصغرها جرما كتاب المقنع، قال: وسمعت من يوثق به من أصحابنا أن له مائة ونيفا وثلاثين تأليفا في علم القرآن من قراءة، ورسم وضبط وتفسير وغير ذلك، وقال أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال٣: كان أحد الأئمة في علم القرآن بروايته وتفسيره، ومعانيه، وطرقه وإعرابه، وجمع في ذلك تأليف حسانا يطول تعدادها وله معرفة بالحديث، وطرقه، وأسماء رجاله ونقلته، وكان حسن الخط، جيد الضبط من أهل الحفظ والذكاء والتفنن،
_________________
(١) ١ الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان بن عمر الأموي مولاهم المعروف في زمانه بابن الصيرفي، ثم الداني. ٢ أبو عمر بن عبد البر، الحافظ جمال الدين يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر ولد سنة ٣٦٨هـ، بقرطبة، وتوفي سنة ٤٦٣هـ، له عدة تصانيف ومؤلفات وشروح، وتعاليق هدية العارفين: ٢/ ٥٥٠، إسماعيل باشا، وبغية الملتمس للضيي: ٤٧٤، وتذكرة الحفاظ: ٣/ ١١٢٨، وجذوة المقتبس للحميدي: ٣٤٤، والديباج لابن فرحون: ٣٧٥، والشذرات: ٣/ ٣١٤، والصلة: ٢/ ٦٧٧، والعبر: ٣/ ٢٥٥، وفيات الأعيان لابن خلكان: ٢/ ٣٤٨. ٣ ابن بشكوال.
[ ٥٠ ]
وقال: غيره، لم يكن في عصره آخر يضاهيه في حفظه، وتحقيقه وكان يقول: ما رأيت شيئا قط إلا كتبته، ولا كتبته إلا حفظته، ولا حفظته فنسيته، وكان يسأل عن المسألة مما يتعلق بالآثار، وكلام العلماء فيوردها بجميع ما فيها مسندة من شيوخه إلى قائلها، ومولده سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، وابتدأ طلب العلم وهو ابن أربع عشرة سنة، وتوفي بدانية يوم الاثنين في النصف من شوال سنة أربع وأربعين وأربعمائة، ودفن بعد صلاة العصر، وخرج لجنازته كل من بدانية، ولم يبلغ نعشه إلى قبره إلا قرب المغرب لكثرة ازدحام الناس عليه، مع قرب المسافة بين داره وقبره جدا، ولو كانت بعيدة ما دفن تلك الليلة، ومشى السلطان ابن مجاهد على رجله أمام النعش وهو يقول: لا طاعة إلا طاعة الله لما شاهد من كثرة الخلق، وازدحام الناس، وختم الناس عليه القرآن تلك الليلة، واليوم الذي يليها أكثر من ثلاثين ختمة، وبات الناس على قبره أكثر من شهرين، نفعنا الله به.
والألف في قول الناظم كتبا في الشطر الأول من التنوين، وفي الشطر الثاني للإطلاق وكتبا الأول: جمع كتاب، وكتبا الثاني فعل ماض مبني للنائب.
ثم قال:
والشاطبي جاء في العقيلة به وزاد أحرفا قليله
أخبر أن الإمام الشاطبي جاء به، أي: بالمقنع، يعني ذكر جميع مسائل كتاب المقنع في نظمه المسمى "بعقيلة أتراب القصائد في أسنى المقاصد"، وزاد عليه أحرفًا، أي كلمات قليلة، وجملتها ست كلمات.
والشاطبي هو الشيخ الإمام المقري، أبو محمد قاسم بن فيرة أبي القاسم خلف بن أحمد الرعيني الشاطبي الضرير صابح القصيدة التي سماها "حرز الأماني ووجه التهاني"١.
_________________
(١) ١ أبو محمد قاسم بن فيرة الرعيني الشاطبي، ت/ ٥٩٠، له قصيدة وهي لاميته المعروفة، بالشاطبية عدد أبياتها ١١٨٦ بيتًا، أولها: بدأت باسم الله في النظم أولًا تبارك رحمانا رحيما وموئلا أورده بروكلمان في تاريخ الأدب العربي: ١/ ٤٠٩-٤١٠، وسركيس في معجمه: ١٠٩١، ومنها نسخة خطية بالخزانة العامة بالرباط، حرف: د/ رقم: ٨١٥/ ١٣٧١. كما أن له: المعاني شرح حرز الأماني بنفس الخزانة، حرف: د/ رقم: ١٠٠٧. وقصيدة حرز الأماني ووجه التهاني تقع في: ١١٧٣ بيتا: وقد ذكر الإمام الشاطبي في نهاية قصيدته هذا البيت: =
[ ٥١ ]
كان رحمه الله تعالى عالما بكتاب الله تعالى قراءة وتفسيرا، وبحديث رسول الله ﷺ، وكان إذا قرئ عليه صحيح البخاري ومسلم والموطأ، تصحح النسخ من حفظه، ويملي النكت على المواضع المحتاج إليها، وكان أوحد أهل زمانه في علم النحو واللغة، عالما بعلم الرؤيا، قرأ القرآن العظيم بالروايات على أبي عبد الله محمد بن علي أبي العاصي النفزي بالزاي المعجمة، وعلي أبي الحسن علي بن عبد الرحيم وغيرهما، وانتفع به خلق كثير، وكان يتجنب فضول الكلام، ولا ينطق في سائر أوقاته، إلا بما تدعوا إليه الضرورة، ولا يجلس للإقراء إلا على طهارة، وهيئة حسنة، وتخشع، وكانت ولادته في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة للهجرة، ودخل مصر سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وكان يقول: عند دخول إليها أنه يحفظ وقر بعير في العلوم، وتوفي بمصر يوم الأحد بعد صلاة العصر، الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة، ودفن بالقرافة الصغرى في تربة القاضي الفاضل، وفيرة بكسر الفاء سكونم الياء المثناة من تحت، وتشديد الراء وضمها، وهو بلغة أعاجم الأندلس، ومعناه بالعربي الحديد والرعيني نسبة إلى قبيلة من قبائل المغرب.
والشاطبي نسبة إلى شاطبة مدينة كبيرة بالأندلس خرج منها جماعة من العلماء.
ثم قال:
وذكر الشيخ أبو داود* رسما بتنزيل له مزيدا
_________________
(١) = وأبياتها ألف تزيد ثلاثة ومع مائة سبعين زهرا وكملا وقد طبعت القصيدة في مصر بمراجعة علي محمد الضباع مراجع المصاحف بمشيخة المقارئ المصرية في ٢٣/ ١١/ ١٣٥٥هـ ٥/ ٢/ ١٩٣٧م مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، وتوجد عدة طبعات جديدة من هذه المنظومة خاصة في السعودية ولبنان. وللمنظومة شرحان تحت اسم "كنز المعاني". الأول: برهان الدين إبراهيم بن عمرو الجعبري المتوفى سنة ٧٣٢هـ، ولدي نسخة مصورة منه ويقع في ٣ أجزاء. والثاني: لابن عبد الله محمد بن أحمد المعروف بشعلة الموصلي الحنبلي المتوفى عام ٥٥٦هـ، انظر كشف الظنون، ج١، ص. ٦٤٦، طبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر. * أبو داود هو سليمان بن أبي القاسم نجاح مولى أمير المؤمنين هشام ٤١٣، ٤٩٠هـ، روى عن أبي عمرو، وعثمان بن سعيد وعن أبي عمر بن عبد البر، وعن أبي الوليد الباجي، الصلة ٢/ ٢٠٠.
[ ٥٢ ]
أخبر أن الشيخ أبا داود، ذكر في كتابه الذي سماه "التنزيل" رسما مزيدًا له، أي: مرسومًا زاده على ما في "المقنع"، و"العقيلة" بمعنى أن جملة المرسوم التي اشتمل عليها التنزيل أكثر من جملة المرسوم التي اشتمل عليها قد انفرد عن الآخر بحروف، قال ابن بشكوال في كتاب "الصلة" سليمان بن أبي القاسم نجاح مولى أمير المؤمنين هشام المؤيد بالله سكن دانية وبلنسية، يكنى أبا داود روى عن أبي عمرو عثمان بن سعيد المقرئ وأكثر عنه، وهو أثبت الناس فيه، وكان من جملة المقرئين وعلمائهم عالما بالقرآن ورواياتها، حسن الضبط لها دينا فاضلا ثقة، له تآليف كثيرة في معاني القرآن العظيم وغيره، وكان حسن الخط، جيد الضبط، روى الناس عنه كثيرا، توفي يوم الأربعاء بعد صلاة الظهر، ودفن يوم الخميس لصلاة العصر بمدينة بلنسية، واحتفل الناس لجنازته، وتزاحموا على نعشه وذلك في رمضان ليست عشرة ليلة خلت منه سنة ست وتسعين وأربعمائة للهجرة، وكان مولده سنة ثلاث عشرة وأربعمائة للهجرة، فعمره ثلاث وثمانون سنة. "انتهى" ومن أشهر كتبه "التنزيل"، ومنها "التبيين"، وهو الذي يشير إليه في التنزيل بالكتاب الكبير.
[ ٥٣ ]