وأخلص بعد هذا العرض السريع إلى مناقشة "جولدتسيهر" حيث يقرر في كتابه "المذاهب الإسلامية" أن القراءات ترجع في معظمها إلى أن الخط العربي كان غفلًا من النقط والحركات، وأرجو أن أدفع ما رمى به عقيدة المسلمين في كتابهم المحفوظ إلى يوم الدين، ذلك أنه قال ما ترجمته: "والقسم الأكبر من هذه القراءات يرجع السبب في ظهوره إلى خاصية الخط العربي؛ فإن من خصائصه أن الرسم الواحد للكلمة الواحدة قد يقرأ بأشكال مختلفة؛ تبعًا للنقط فوق الحروف أو تحتها، كما أن عدم وجود الحركات النحوية، وفقدان الشكل في الخط العربي، يمكن أن يجعل للكلمة حالات مختلفة من ناحية موقعها من الإعراب، فهذه التكميلات للرسم الكتابي، ثم هذه الاختلافات في الحركات والشكل، كل ذلك كان السبب الأول "؟؟ " لظهور حركة القراءات فيما أهمل نقطه، أو شكله من القرآن"١.
فها نحن أولاءِ نراه يرجع اختلاف القراءات إلى سببين رئيسين:
أ- تجرد المصحف من النقط.
ب- عدم وجود الحركات النحوية، وفقدان الشكل في الخط العربي.
ثم ضرب أمثلة لألفاظ وقع فيها الاختلاف بين القرّاء، وكان ذلك الاختلاف نتيجة تجرد المصحف من النقط مثل: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ٢ بالباء الموحدة، وفي قراءة: "تستكثرون" بالثاء المثلثة٣. وفي هذه السورة٤: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ ٥ بالباء وفي قراءة: "نشرا"٦.
_________________
(١) ١ المذاهب الإسلامية: ص٤. ٢ سورة الأعراف: آية ٤٨. ٣ لم ترد هذه في القراءات الأربع عشرة، انظر إتحاف فضلاء البشر: ٢٢٥. ٤ آية ٧٥. ٥ هي قراءة عاصم، انظر النشر ٢ ص٢٦٩، وقرأ ابن عامر: "نُشْرًا"، وقرأ حمزة والكسائي: "نَشْرًا". ٦ وقرأ الباقون: "نُشُرًا".
[ ٢٩ ]
وفي سورة التوبة١: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ ٢ بالياء المثناة التحتية، وفي قراءة غريبة لحماد الراوية: "أباه"٣ بالباء الموحدة، ثم قال: "في آية "٩٤" من سورة النساء تظهر على الأخص هذه الظاهرة، في كل الحروف تقريبًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ وفي قراءة: "فتثبتوا" ورسم هذه الكلمة ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ محتمل٤ للقراءتين".
ثم ضرب أمثلة للقراءات المسببة عن فقدان الشكل في الخط العربي، وعدم وجود الحركات النحوية بما جاء في سورة الحجر: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ ٥ فاختلفت القراءات في ﴿نُنَزِّلُ﴾، وتبع ذلك الاختلاف في كيفية نزول الملائكة، فبعض يقرؤها: ﴿نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ﴾ ٦ وذلك على معنى: أننا ننزلها، أو أنها هي التي تنزل٧، وبما جاء في سورة الرعد: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ ٨، وفي قراءة أخرى: "وَمِنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ"٩، وهناك قراءة ثالثة١٠: "وَمِنْ عندِه عُلِمَ الكتابُ"١١.
وقول جولدتسيهر هو الضلال ابن السبهلل١٢!! هل الأمر في القراءات لا ضابط له من أثر أو رواية؟ وإذا كان الدكتور "آثر جفري"١٣، قد نقل هذا الرأي في مقدمته لكتاب المصاحف للسجستاني "٣١٦هـ"، وضرب مثلًا لذلك: ﴿بِعِلْمِهِ﴾ قال: "كان يقرؤها الواحد "يُعَلِّمُهُ"، والآخر "نُعَلِّمُهُ" أو "تُعَلِمُهُ" أو "بِعِلْمِهِ" إلخ على حسب تأويله للآية" أقول: إذا كان الدكتور
_________________
(١) ١ انظر النشر: ٢/ ٢٦٩. ٢ آية: ١١٤. ٣ لم ترد في القراءات الأربع عشرة، انظر إتحاف فضلاء البشر للدمياطي: ٢٤٥. ٤ المذاهب الإسلامية: ص٥. ٥ آية: ٨. ٦ انظر: إتحاف فضلاء البشر ص٢٧٤. ففيها القراءات: "تُنَزَّلُ" "تُنَزِّلُ" "نُنْزلُ" "تَنَزَّلُ". ٧ المذاهب الإسلامية: ٧. ٨ آية ٤٣، هذه قراءة الجمهور، انظر إتحاف فضلاء البشر: ص٢٧٠. ٩ قراءة الحسن، انظر الإتحاف ص٢٧٠، ولم ترد هذه القراءة في النشر، انظر: ص٢٩٨. ١٠ قال البنا الدمياطي: هذه القراءة ليست من طرق كتابه إتحاف فضلاء البشر، انظر: ص٢٧٠. ١١ المذاهب الإسلامية: ٧. ١٢ الضلال ابن السبهلل: الباطل. ١٣ مقدمة كتاب المصاحف ص٧٠.
[ ٣٠ ]
"آثر جفري" قد قال بهذا الذي قاله "جولدتسيهر" من قبل ونقل عنه، وكان له عذره في ذلك بثقافته الإسلامية الضيقة، وتعصبه الذي به يلحد في آيات الله، فما عذر الدكتور "علي عبد الواحد وافي" في متابعة هؤلاء، وقوله بما يقولون؟! وذلك ما أورد في كتابه فقه اللغة: "يرجع بعض مظاهر الاختلاف في قراءات القرآن إلى اختلافهم في قراءة الكلمة حسب رسمها في المصحف العثماني، فقد كان الرسم مجردًا من الإعجام والشكل؛ ولذلك كان يمكن قراءة بعض الكلمات على وجوه مختلفة"١!!!
من فضيلة الدكتور عبد الفتاح شلبي:
أطلعني فضيلة الأستاذ وهبة حسن وهبة -صاحب مكتبة وهبة- على ما كتبه المستشرق جاك بيرك "بين قراءتين" وأخبرني فضيلته بأنه أشد سطوة في تفسيره لمنشأ القراءات من جولدتسيهر.. وهما يأخذان من معين واحد ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ ..١ مقال مجلة منبر الإسلام، عدد رجب ١٤١٩هـ، بقلم: د. جمال رجب سيدبي.
وللرد على المستشرقين، ومن تابعهم من المحدثين أسوق الأدلة الآتية:
_________________
(١) ١ فقه اللغة، حاشية ص١١٩، الطبعة الأولى.
[ ٣١ ]