فأولًا: إِن رجع الاختلاف إِلى خاصية الخط العربي، وإغفاله من النقط والشكل؛ فخطأ في الرأي، وباطل في التوجيه:
ألم تُرْوَ الروايات وتُتداول قبل تدوين المصاحف؟
ثم ألم تَرَهم كيف كانوا يتحرون ويتثبتون؟
أولم يكن القرآن محفوظًا في الصدور قبل جمع القرآن؟
بلى! فلم يكن اختلاف القراءات بين قرّاء الأمصار راجعًا إلى رسم المصحف؛ فهو يرجع إلى أن الجهات التي وجهت إليها المصاحف كان بها من الصحابة من حمل عنه أهل تلك الجهة، وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل، فاحتملت ما صح نقله، وثبتت تلاوته عن النبي ﷺ؛ إِذ كان الاعتماد على الحفظ لا على مجرد الخط، فثبت أهل كل ناحية على ما كانوا تلقوه سماعًا عن الصحابة بشرط موافقة الخط، وتركوا ما يخالف الخط امتثالًا لأمر عثمان الذي وافقه عليه الصحابة، لما رأوا في ذلك من الاحتياط في القرآن.
وثانيًا: يظهر أن هؤلاء أجروا القرآن الكريم مجرى ما وقع فيه التصحيف من كلام العرب شعرًا أو نثرًا؛ فقد صحّف الفيض بن عبد الحميد في حلقة يونس، إذ أنشد بيت ذي الإِصبع:
عذير الحي من عدوا ن كانوا حيّة الأرض
فقال الفيض: كانوا جنّة الأرض، بالجيم والنون١.
وحدّث قاسم بن أصبغ قال: "لما رحلت إلى المشرق نزلت القيروان، فأخذت عن بكر بن حماد، فقرأت عليه يومًا حديث النبي -ﷺ- أنه قدم عليه قوم من مضر مجتابي النمار، فقال: "إنما هو مجتابي الثمار" فقلت: "إنما هو مجتابي النمار، هكذا قرأته على كل من لقيته بالأندلس والعراق".
_________________
(١) ١ التصحيف للعسكري: ص١٣ وما بعدها.
[ ٣٣ ]
فقال لي: "بدخولك العراق تعارضنا، وتفخر علينا أو نحو هذا ". ثم قال لي: "قم بنا إلى ذلك -لشيخ كان في المسجد- فإن له بمثل هذا علمًا".
فقمنا إليه، وسألناه عن ذلك فقال:
"إنما هو مجتابي النمار، وهم قوم كانوا يلبسون الثياب مشققة جيوبهم أمامهم، والنمار: جمع نمرة"١.
وإذا كان العلماء قد وقفوا بالمرصاد لهذه التصحيفات الخاطئة فقبحوها مستبشعين٢، وذموا المصحّفين، ونهوا عن الأخذ١ عنهم، وذكروا ما ورد من نوادر التصحيف مما وهم فيه الخليل٣، وأبو عمرو٤، وعيسى بن عمر٥، وأبو عبيدة٦، والأخفش٧، وغيرهم.
أقول: إذا كان العلماء قد وقفوا بالمرصاد لما روى هؤلاء -وهم أئمة- فماذا ترى أن يكون موقفهم٨ بجانب كتاب الله الكريم والمصحِّفين فيه، وهم المدققون في روايته، وكانوا القوامين عليه ومن حفظته، ثم هم الذين وقفوا جهودهم على سدانته؟
ومن عجب! يمدح خلف الأحمر بأنه لا يأخذ إِسناده عن الصحف، فيقول فيه الحسن بن هانئ:
لا يَهِمُ الحاءَ في القراءةِ بالخَا ءِ ولا يأخذُ إسنادَه عن الصُّحُفِ٩
وأنه كان جماع العلم؛ لأنه ثبت في الرواية، إذ قيل في رثائه:
أودى جماع العلم مذ أوى خلف راوية لا يجتني من الصحف
_________________
(١) ١ نفح الطيب: ١/ ٣٤٥ وما بعدها. ٢ التصحيف للعسكري: ص٨. ٣ التصحيف: ٣٦. ٤ التصحيف: ٤٣. ٥ التصحيف: ٤٧. ٦ التصحيف: ٤٩. ٧ التصحيف: ٥٢. ٨ وانظر في تعقب العلماء للتصّحيف والمصحِّفين: الفاضل والمفضول للمبرد: ٨٢، وطبقات الزبيدي: ١٠٢، ونزهة الألباء: ٣٦، والزهر: ٢/ ٢٣٢. ٩ التصحيف: ١٣.
[ ٣٤ ]
ويرمي قراء القرآن الكريم بعد ذلك بأنهم يأخذون إسنادهم عما احتمله الرسم في المصحف الإمام؟!
وإذا كان بعض ما أورده "جولدتسيهر" من اختلاف القراءات باختلاف النقط صحيحًا، كما في قراءة "مسسوا" فإن صحتها؛ لأنها رويت كذلك قبل أن ترسم.
وما كان حمزة والكسائي وخلف في قراءتهم "فتثبتوا" -من التثبت- من المصحِّفين.
وما كان القراء الباقون في قراءتهم من التبيين ضالين، وإنما كانوا جميعًا -هؤلاء وهؤلاء- من الرواة الضابطين.
ومن هذا الباب ما صوّبه العلماء من الروايات المحتملة للأوجه المختلفة في النقط، مما ورد في الشعر والنثر -ولكتاب الله المثل الأعلى- ولكني أردت تقريب الأمر على هؤلاء المستشرقين، ومن لف لفهم من المحدثين، بذكر مثال من كلّ:
أ- حكى الأصمعي قال: أنشدنا أبو عمرو:
فما جبنوا أنّا نشد عليهمُ ولكن رأوا نارًا تُحَشُّ وتُسْفَعُ
قال: فذكرت ذلك لشعبة، فقال: "ويلك! إنما هي تحس وتسفع"! أي: تحرق وتسوِّد.
قال الأصمعي: قد أصاب أبو عمرو: "لأن معنى تحش: توقد" وقد أصاب شعبة أيضًا١!
فإذا كانت الروايتان صحيحتين: "تحش وتحس" فلم لا تصح الروايتان "فتثبتوا" و﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ على أنهما كذلك مرويتان، لا على أنهما بذلك: "مسسوا" مرسومتان؟
ب- ومن ذلك ما قال أبو القاسم الزجاجي: "أصل الخداج النقصان في الخلق كان، أو في العِدّة".
_________________
(١) ١ نزهة الألباء: ٢١.
[ ٣٥ ]
ومنه قول النبي ﷺ: "كل صلاة لا قراءة فيها، فهي خداج" أي: "ذات خداج".
ومنه قول علي -﵁- في ذي الثدية أنه مخدج اليد، والعلماء يقولون: "الثدي مذكر، وإنما قيل: ذو الثدية بالهاء؛ لأنه ذهب به إلى معنى اللحمة والزيادة"، وبعضهم يقول: "ذو اليُدَيّة -بالياء- يجعلها تصغير اليد"١. وهكذا يصح التأويل في "اليدية" على أية صورة نطقت بها مختلفًا نقطها، فلماذا لا يصح ما روي في قراءة "مسسوا" كذلك؟!
ثالثًا: لو كانت القراءة تابعة للرسم كما يقول: "جولدتسيهر" لصحت كل قراءة يحتملها رسم المصحف، ولكن الأمر على غير ذلك، فإن بعض ما يحتمل الرسم صحيح مثل "مسسوا"٢، وبعضه مردود مثل قراءة حماد الراوية: "أباه" في سورة التوبة٣، وقراءة: "وما كنتم تستكثرون" في سورة الأعراف٤، مع أن هذه القراءة قد استشهد بها "جولدتسيهر" على ما ذهب إليه؟!
فالأصل أن الرسم تابع للرواية والنقل، وأن القراءة منقولة من أفواه الرجال الحفظة٥، لا كما يقلب هؤلاء الوضع، فإذا احتمل الرسم قراءة غير مروية ولا ثابتة، ولا مسندة إسنادًا صحيحًا رُدَّت، وكُذّبت، وكفر متعمدها٦، وما وافق الرسم من القراءات الصحيحة تعبد به، وكان تنزيلًا من حكيم حميد.
لقد يحتمل الرسم من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ما نسبت إلى حمزة الزيات من أعدائه: "ذلك الكتب لا زيت فيه"٧!
كما يحتمل الرسم في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ "ولله ميزاب السموات والأرض"٨ هذا فيما يختص بالنقط.
_________________
(١) ١ ورقة ١٩ أخبار أبي القاسم الزجاجي. ٢ سورة النساء: آية ٩٤. ٣ آية ١١٤، وانظر الإتحاف للدمياطي: ص٢٤٥. ٤ آية ٤٨، ولم ترد هذه القراءة في السبع، ولا العشر، ولا الأربع عشرة، انظر الإتحاف: ص٢٢٥. ٥ التصحيف للعسكري: ص٩. ٦ منجد المقرئين: ١٧. ٧ انظر التصحيف للعسكري: ٩. ٨ تكملة الفهرست: ص٥.
[ ٣٦ ]
كما يحتمل من حيث تجرد خط المصحف من الشكل قراءة المعتزلة: "وكلم اللهَ موسى تكليما".
والرافضة: "وما كنت متخذ المضلَّين عضدا" بفتح اللام، يعنون: أبا بكر وعمر، رضي الله عنهما١.
ولكن شيئًا من ذلك لم ينقل في صحيح الرواية، ولم يرد فيما ثبت عن الرسول، فهو إذًا من تحريف أهل البدع والأهواء، فأصبحت القراءة به بهتانًا وكفرًا، ومنكرًا من القول وزورًا.
على أنه يتبين من الآيات التي أوردها "جولدتسيهر" أنه اعتمد على قراءات لم ترد في قراءات الأربعة من بعد العشر.
ثم أود أن أسأل سؤالًا: لماذا استُتيب ابن شنبوذ عن قراءة له بحضور ابن مجاهد، وجماعة من العلماء والقضاة؟ ٢.
ثم لماذا أحضر السلطان ابن مقسم "٣٥٤هـ" واستتابه بحضرة الفقهاء والقراء فأذعن بالتوبة، وكتب محضر توبته٣؟!.
السبب في ذلك أن ابن مقسم ذُكِرَ عنه أنه كان يقول:
"إن كل قراءة وافقت المصحف، ووجهًا في العربية فالقراءة بها جائزة، وإن لم يكن لها سند"٤.
أمّا ابن شنبوذ، فإنه كان يغير حروفًا من القرآن، ويقرأ بخلاف ما أنزل٥، كان يعتمد على السند وإن خالف المصحف، واتفقا على موافقة العربية٦.
موقفان متغايران! هذا يعذب؛ لأنه خالف رسم المصحف.
وذاك يعذب؛ لأنه اختار القراءة بكل ما يحتمله الرسم.
والأمر لا يبدو عجبًا؛ بل هو دليل على أن القراءة سنّة مُتَّبعَة، وأنها كذلك رويت مسندة إلى الصحابة تلقيًا عن رسول الله -ﷺ- وأجمعوا عليها كذلك.
فابن مقسم جعل القراءة تابعة للرسم، وأخلاها من السند فردت قراءته.
_________________
(١) ١ منجد المقرئين: ٢٣. ٢ طبقات القرّاء: ٢/ ٥٤. ٣ طبقات القرّاء: ٢/ ١٢٤. ٤ طبقات القرّاء: ٢/ ١٢٤. ٥ وفيات الأعيان: ٣/ ٣٢٦. ٦ طبقات القرّاء: ٢/ ٥٤.
[ ٣٧ ]
أما ابن شنبوذ، فإنه كان يقرأ: "فامضوا إلى ذكر الله"١.
"وتجعلون شكركم أنكم تكذبون"٢.
"كل سفينة صالحة غصبا"٣.
"كالصوف المنقوش"٤.
"فاليوم ننجيك بندائك"٥.
"تبت يدا أبي لهب وقد تب"٦.
"فلما خر تبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولًا في العذاب المهين"٧.
"فقد كذب الكافرون فسوف يكون لزامًا"٨.
"وينهون عن المنكر، ويستغيثون الله على ما أصابهم وأولئك هم المفلحون"٩.
"وفساد عريض"١٠.
"غير المغضوب عليهم وغير الضالين"١١.
وهذه القراءات قد تكون صحيحة يقرأ بها، وبعد أن جمع أبو بكر القرآن، ولكنها أصبحت بعد المصحف الإمام محرّمة أن يقرأ بها القرآن؛ لأنها تخالفه بالزيادة والنقصان، والإبدال والتقديم، والتقديم والتأخير، إلخ مما يعد من قبيل المخالفة المردودة.
قال مكي: ما خالف خط المصحف هو من السبعة إذا صحت روايته، ووجهه في العربية، ولم يضادّ معنى خط المصحف، لكن لا يقرأ به؛ إذ لا يأتي إلاّ بخبر الآحاد، ولا يثبت قرآن بخبر الآحاد، وإذ هو مخالف للمصحف المجتمع عليه، فهذا الذي نقول به ونعتقده١٢.
ويدحض قول: "جولدتسيهر".
_________________
(١) ١ س ٦٢، آ ٩. ٢ س ٥٦، آ ٨٢. ٣ س ١٨، آ ٨٢. ٤ س ١٠١، آ ٥. ٥ س ١٠، آ ٩٢. ٦ س ١١١، آ ١. ٧ س ٣٤، آ ١٤. ٨ س ٢٥، آ ٧٧. ٩ س ٣، آ ١٠٤. ١٠ س ٨، آ ٧٣. وفيات الأعيان: ٣٠/ ٣٢٧. ١١ الإبانة لمكي: ص٥. ١٢ المصدر السابق.
[ ٣٨ ]
الاحتجاج لكلمات خالية من الضبط والنقط:
- قرئ "قُل فيهما إثمٌ كثيرٌ" [آية: ٢١٩] ١:
بالثاء، قرأها حمزة والكسائي*.
ووجه ذلك: أن الإثم ههنا عُودل به المنافع التي تتصف بالكثرة؛ لكونها جمعًا في قوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ٢، فلما عودل به ما تقرر فيه الكثرة حسن فيه أيضًا أن يوصف بالكثرة، ويدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ﴾ ٣ الآية، فبين أن ما يحدث من الخمر مضار كثيرة في باب الدّين، فدلّ على أن كثرة الإثم متقرّرة فيهما.
وقرأ الباقون ﴿كَبيِرٌ﴾ بالباء٤؛ وذلك لأن الإثم إِنما يوصف بالكبر نحو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ ٥، و﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ ٦، ثم إِنهم أجمعوا في قوله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ﴾ ٧ على الباء دون الثاء، فإجماعهم عليه في الثاني يدلّ على أنه في الأول أيضًا بالباء٨.
- "قُلِ العَفْوُ" [آية: ٢١٩]:
بالرفع، قرأها أبو عمرو وحده٩.
ووجه ذلك: أنه جَعَلَ ذا من قوله: ﴿مَاذَا﴾ ١٠ بمنزلة الذي، ولم يجعلها مع ما بمنزلة اسم واحد، فيكون التقدير على هذا: ويسألونك ما الذي ينفقونه؟ قل العَفْوُ، بالرفعِ، الذي ينفقونه العفوُ، فيرتفع العفوُ بخبر المبتدأ، ومبتدؤه مضمر يدلّ عليه الذي ينفقونه؛ وهو ما في سؤالهم.
_________________
(١) ١ السبعة: ١٨٢، التيسير: ٨٠، النشر: ٢/ ٢٢٧. ٢ الآية نفسها ٢١٩/ البقرة. ٣ ٩١/ المائدة. ٤ انظر مصادر القراءة الأولى. ٥ ٣٧/ الشورى. ٦ ٣١/ النساء. ٧ ٢١٩/ البقرة. ٨ حجة أبي علي ٢/ ٣٠٧-٣١٥، وإعراب القرآن للنحاس ١/ ٢٦٠، وحجة ابن خالويه: ٩٦، وحجة أبي زرعة: ١٣٢ و١٣٣، والكشف ١/ ٣٩١ و٢٩٢، والإتحاف: ١٥٧. ٩ السبعة: ١٨٢، التيسير: ٨٠، النشر: ٢/ ٢٢٧. ١٠ ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ الآية نفسها ٢١٩/ البقرة. * حجة أبي علي ٢/ ٣٠٦ و٣٠٧، وإعراب القرآن للنحاس ١/ ٢٥٥ و٢٥٦، وحجة ابن خالويه: ٩٥ و٩٦، وحجة أبي زرعة: ١٣١ و١٣٢، والكشف: ١/ ٢٨٩-٢٩١، والإتحاف ١٥٦ و١٥٧.
[ ٣٩ ]
وقرأ الباقون ﴿الْعَفْوَ﴾ بالنصب١؛ وذلك لأنهم جعلوا ﴿مَاذَا﴾ اسمًا واحدًا في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ فهو مثل قولك: ما ينفقون، فماذا على هذا في موضع النصب بأنه مفعول ﴿يُنْفِقُونَ﴾، كما تقول: ويسألونك أي شيء ينفقون؟ فقوله تعالى: ﴿الْعَفْوَ﴾ بالنصب جواب ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ وهو في موضع نصب، فجوابه أيضًا نصب، كأنه قال: ينفقون العفو٢.
- "حتى يطَّهَّرن" [آية: ٢٢٢]:
بفتح الطاء والهاء وتشديدهما، قرأها حمزة والكسائي وعاصم ياش٣؛ لأنّ معناه: حتى يتطهرن بالماء وأراد الاغتسال؛ لأنهن ما لم يغتسلن فهُنّ في حكم الحُيّض في كثير من الأشياء، ويؤيد ذلك أنهم أجمعوا على ﴿تَطَهَّرْنَ﴾ في قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ ٤، فكما أن ذلك لا يكون إلاّ الاغتسال، فكذلك ينبغي أن يكون معنى هذا أيضًا.
وقرأ الباقون ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بسكون الطاء وضم الهاء٥، ومعناه: حتى ينقطع دم حيضهن، ويجوز أن يكون ﴿يَطْهُرْنَ﴾ أيضًا بمعنى "يَطَّهَّرْن" لأنهن إِنما يطهرنَ طهرًا تامًّا إذا اغتسلْن٦.
- "وَلَوْلا دفِاعُ اللهِ النّاسَ" [آية: ٢٥١]:
بالألف قرأها نافع ويعقوب٧، وذلك أنه يجوز أن يكون مصدرًا لفَعَلَ نحو: كَتَب كتابًا، ويجوز أن يكون مصدرًا لفاعَلَ، كقاتل قتالًا، يدلّ على ذلك قراءة من قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٨، وليس فاعَل ههنا مما يكون الفعل فيه من اثنين، لكن دَفَع ودافَع بمعنى واحد.
_________________
(١) ١ المصادر السابقة. ٢ حجة أبي علي ٢/ ٣١٦-٣٢١، وإعراب القرآن للنحاس ١/ ٢٦٠، وحجة ابن خالويه: ٩٦، وحجة أبي زرعة: ١٣٣ و١٣٤، والكشف: ١/ ٢٩٢ و٢٩٣، والإتحاف: ٥٧. ٣ السبعة: ١٨٢، التيسير: ٨٠، النشر: ٢/ ٢٢٧. ٤ الآية نفسها ٢٢٢/ البقرة. ٥ انظر مصادر القراءة الأولى. ٦ حجة أبي علي ٢/ ٣٢١، وحجة ابن خالويه: ٩٦، وحجة أبي زرعة: ١٣٤ و١٣٥، والكشف: ١/ ٢٩٣ و٢٩٤، والإتحاف: ١٥٧. ٧ السبعة: ١٨٧، التيسير: ٨٢، النشر: ٢/ ٢٣٠. ٨ ٣٨/ الحج، قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: "إِن الله يَدْفَعُ" بفتح الياء والفاء وإسكان الدال من غير ألف، وقرأ باقي القراء العشرة بضم الياء وفتح الدال وألف بعدها مع كسر الفاء "النشر ٢/ ٣٢٦".
[ ٤٠ ]
وقرأ الباقون: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ﴾ بغير ألف على فَعْلٍ١؛ لأنه مصدر دَفَع دَفْعًا، كالضرب الذي هو مصدر ضَرَبَ ضَرْبًا٢.
- "لَا بَيْعَ فِيهِ وَلاَ خُلّةَ وَلَا شَفاعَةَ" [آية: ٢٥٤]:
بالفتح في كلهن، قرأها ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب٣.
ووجه ذلك: أن كل واحد من هذه الأسماء الثلاثة بُني مع لا على الفتح إرادة النفي العام؛ لأنهم جعلوه جواب: هل فيه من بيع أو خلة أو شفاعة؟، فقيل: لا بيعَ فيه ولا خلّة ولا شفاعةَ، يعنون انتفاء جنس هذه الأشياء، فالنفي عام للجنس، كما أن السؤال كان عاما للجنس.
وقرأ الباقون بالرفع فيهن كلهنّ٤؛ لأنهم جعلوه جواب: أفيه بيعٌ أو خلةٌ أو شفاعةٌ؟ فجواب لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة، بالرفع على الابتداء، كما كان المسئول عنه مرفوعًا بالابتداء، ولم يجعلوا النفي في هذه الأسماء نفيًا عامًّا في اللفظ، وإن كان معلومًا أن النفي في القراءتين أريد به العموم والكثرة، ألا ترى أنك إذا قلت: لا حولَ ولا قوةَ إلاّ بالله، أو لا حولٌ ولا قوة إلاّ بالله، فقد أردت من نفي الحول ما أردته من نفي القوة٥.
- "اللهُ لا إلهَ إلاّ هُوَهْ" [آية: ٢٢٥]:
بالهاء في حال الوقف، قرأها يعقوب وحده٦، وكذلك "أَحقٌّ هُوَهْ"٧ و"لِوَقْتِها إلاَّ هُوَهْ"٨ ونحوها في الوقف؛ وذلك لأن هذه هاء الوقف أُلحقت الواو ههنا حرصًا على بيان حركتها في حال الوقف، ولئلا يزيله الوقف بالسكون،
_________________
(١) ١ مصادر القراءة الأولى. ٢ حجة أبي علي ٢/ ٣٥٢-٣٥٤، وإعراب القرآن للنحاس: ١/ ٢٧٩ و٢٨٠، وحجة ابن خالويه: ٩٩، وحجة أبي زرعة: ١٤٠ و١٤١، والكشف: ١/ ٣٠٤ و٣٠٥، والإتحاف: ١٦١. ٣ السبعة: ١٨٧، التيسير: ٨٢، النشر: ٢/ ٢١١. ٤ المصادر السابقة. ٥ انظر ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ الفقرة ١٦ من هذه السورة، وحجة أبي علي: ٢/ ٣٥٨ و٣٥٩، وإعراب القرآن للنحاس: ١/ ٢٨٢، وحجة ابن خالويه: ٩٩، وحجة أبي زرعة: ١٤١ و١٤٢، والكشف: ١/ ٣٠٥ و٣٠٦، والإتحاف: ١٦١. ٦ انظر النشر: ٢/ ١٣٥، والإتحاف: ١٠٤. ٧ ٥٣/ يونس. ٨ ١٨٧/ الأعراف.
[ ٤١ ]
كما ألحقت في: اغزُهْ وارمِهْ كذلك، إلا أن القراء يكرهون ذلك؛ لأن الهاء ليست في المصحف وهو الإمام، فَكرهوا مخالفته.
- ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [آية: ٢٥٨]:
بإثبات الألف بعد النون، قرأها نافع، ش، و، ن، وكذلك في جميع القرآن، إِذا لقيت همزة مفتوحة أو مضمومة، فإذا كانت مكسورة فلا يثبت الألف١.
ووجه ذلك: أن هذه الكلمة هي ضمير المتكلم، والاسم منها هو الهمزة والنون فحسب، فأما الألف التي بعد النون فإنّما ألحقت حالة الوقف ليوقف عليها، وليبقى آخر الاسم على حركته، كلما ألحقتْ هاء الوقف حيث أُلحقتْ؛ لذلك فهي تجري مجراها، فينبغى أن تسقط هذه الألف في الوصل، كما يسقط الهاء في الوصل، إلاَّ أن نافعًا أراد أن يُجري الوصل مجرى الوقف، وهو ضعيفٌ جدا؛ لأن مثل ذلك إنما يأتي في ضرورة الشعر، نحو قول الأعشى٢:
فكيف أنا وانتحالي الشواف يَ بعد المشيب كفى ذاك عارا
وليس هذا مما يحسن الأخذ به في القرآن٣.
وإثبات نافع هذه الألف مع الهمزة المفتوحة والمضمومة دون المكسورة، هو لإرادة الأخذ بالوجهين، ولأن الهمزة بعد الألف أبين، وامتناعه عنها عند كسر الهمزة لاستثقال الكسرة فيها بعد الألف والفتحة.
_________________
(١) ١ وصلًا فقط، أما في حال الوقف فلا خلاف في إثباتها للرسم، وفيها لغتان: لغة تميم إثباتها وصلًا ووقفًا، وعليها تحمل قراءة نافع هذه، والثانية إثباتها وقفًا فقط، وعليها تحمل قراءة الباقين. انظر السبعة: ١٨٧ و١٨٨، والنشر: ٢/ ٢٣٠ و٢٣١، والإتحاف: ١٦١ و١٦٢. ٢ في ديوان الأعشى ص٥٣: فما أنا أم ما انتحالي القوا في بعد المشيب كفى ذاك عارا الشاعر ينفي عن نفسه تهمة السطو على شعر غيره، وانتحاله لنفسه. والشاهد فيه: إثبات ألف أنا في الوصل. انظر تكملة أبي علي: ٢٠٣، وشرح المفصل لابن يعيش ٤/ ٤٥، والمقرب لابن عصفور ٢/ ٣٥، واللسان: نحل. ٣ يحسن الأخذ به إذا وردنا برواية صحيحة، كرواية ورش وقالون عن نافع هذه، وهي مما يقوّي هذه اللغة التي هي لغة تميم، "والقرآن حجة للّغات، لا العكس"، علمًا بأن أبا جعفر وهو من القراء العشرة، قرأ القراءة نفسها. انظر حجة ابن خالويه: ١٠٠، والنشر ٢/ ٢٣١، وهمع الهوامع للسيوطي: ١/ ٢٠٦، والإتحاف: ١٦٢، وانظر هامش قراءة نافع السابقة.
[ ٤٢ ]
وقرأ الباقون "أَنَ" بغير ألف، وكذلك -روي*- عن نافع١، وذلك أن هذا هو الأصل الذي ينبغي أن يكون عليه الكلام، وهو أن يلحق "أنا" الألف إلا في حال الوصل.
- "نُنْشِرُها" [الآية: ٢٥٩]:
بالراء وضم النون، وقرأها ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب٢.
ومعنى ذلك: نحييها، من قولهم: أنشر الله الميت فَنَشَرَ هُوَ، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ .
وقرأ الباقون ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي وضم النون أيضًا٤، على أنه من النشز، وهو ما ارتفع من الأرض، أي: نجعل بعضها ناشزة إلى بعضٍ عند الإحياء، أي: مرتفعة.
وروى أبان عن عاصم "نَنْشُرُها" بالراء وفتح النون٥، وهو من قولهم: نَشَرَ الله الميت فنشر، أو من: النَّشْر ضدّ الطيّ، أي: ننشرُها بالإحياء بعد الطيّ، وهذه رواية شاذة٦.
- "قَالَ آعْلَمْ" [آية: ٢٥٩]:
بوصل الألف وجزم الميم على الأمر، قرأها حمزة والكسائي٧.
ووجه ذلك: أنه نزَّل نفسه منزلة غيره، فخاطبها كما يخاطب الغير فقال:
_________________
(١) ١ انظر هامش قراءة نافع السابقة ومصادرها. ٢ السبعة: ١٨٩، التيسير: ٨٢، النشر: ٢/ ٢٣١. ٣ ٢٢/ عبس. ٤ المصادر السابقة. ٥ السبعة: ١٨٩. ٦ حجة أبي علي: ٢/ ٣٧٩-٣٨٢، وإعراب القرآن للنحاس: ١/ ٢٨٥، وحجة ابن خالويه: ١٠٠ و١٠١، وحجة أبي زرعة: ١٤٤، والكشف: ١/ ٣١٠ و٣٢١، والإتحاف: ١٦٢. ٧ السبعة: ١٨٩، والتيسير: ٨٢، والنشر: ٢/ ٢٣١ و٢٣٢. * إسماعيل بن جعفر أحد رواة نافع.
[ ٤٣ ]
"اعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلّ شَيْءٍ قَديرٌ"، وذلك أنه لما علم العلم الذي لا طريق للشبهة عليه، قال لنفسه: اعلم هذا الضرب من العلم، وهذا يئول معناه إلى معنى الخبر، كأنه يحقق عند نفسه هذا العلم.
وقيل: بل هو من خطاب المَلَك له.
والباقون ﴿أَعْلَمُ﴾ بقطع الألف وضم الميم على الخبر١، وذلك أنه لما عايَنَ من إحياء الله تعالى إياهُ بعد موته، أخبر عما تبينه مما لم يَتَبَيَّنْهُ قبل ذلك، هذا التبين الذي لا سبيل للشك فيه، فأخبر عن نفسه فقال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ علمًا لا يتطرق إليه شبهة٢.
- "فَصِرْهنَّ" [آية: ٢٦٠]:
بكسر الصاد، قرأها حمزة ويعقوب، يس.
الباقون ﴿فَصُرْهُنّ﴾ بضم الصاد٣.
فمن قرأ بكَسْر الصاد جَعَلَه من صار يصير، ومن قرأها بالضم جعلها من صار يصور، وكل واحد منهما قد جاء بمعنى أمال وقطع جميعًا٤.
- ﴿فَنِعِمَّا﴾ [آية: ٢٧١]:
بكسر النون والعين جميعًا، قرأها ابن كثير ونافع، ش، وعاصم، ص، ويعقوب٥.
والوجه في ذلك: أن أصل نعم: نَعِم بفتح النون وكسر العين، فكسرت فاء الكلمة من أجل حرف الحلق، كما كسروه من نحو: لِعِب وشِهِد؛ لأن حرف الحلق لما فيه من الاستعلاء يستتبع حركة ما قبله.
_________________
(١) ١ المصادر السابقة. ٢ حجة أبي علي: ٢/ ٣٨٣-٣٨٥، وحجة أبي زرعة: ١٤٤ و١٤٥، والكشف: ١/ ٣١٢ و٣١٣، والإتحاف: ١٦٢. ٣ السبعة: ١٨٩ و١٩٠، التيسير: ٨٢، النشر: ٢/ ٢٣٢. ٤ مجاز القرآن: ١/ ٨٠، وحجة أبي علي: ٢/ ٣٨٩-٣٩٤، وحجة ابن خالويه: ١٠١، وحجة أبي زرعة: ١٤٥، والكشف: ١/ ٣١٣، والإتحاف: ١٦٣، وانظر اللسان "صور". ٥ السبعة: ١٩٠، التيسير: ٨٤، النشر: ٢/ ٢٣٥ و٢٣٦.
[ ٤٤ ]
وقرأ أبو عمرو ونافع، ن، و، بل، وعصام، ياش: "فَنِعْمّا" بكسر النون وإسكان العين١، وهذا غير مستقيم عند النحاة؛ لأن فيه جمعًا بين ساكنَين وليس الأول منهما حرف لين، وإنما جاز التقاؤهما عندهم إذا كان الأول منهما حرف لين نحو: "دابّة"٢، وشابّة، و"الضالّين"٣.
ويشبه أن يكون أبو عمرو سلك في ذلك طريقته في الإخفاء نحو: "بارئكم"، فتوهموا أنه أسكن٤.
وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: "فَنَعِمَّا" بفتح النون وكسر العين٥، وهذا هو الأصل في هذه الكلمة، أعني: "نَعِم" بفتح النون وكسر العين.
وهؤلاء كلهم شدّدوا الميم؛ لأن أصله: نَعِم على ما سبق من الوجوه، و"ما" هي النكرة التي تفيد معنى شيء، وهي في موضع نصب، على التفسير للفاعل المضمر في "نعما" والمعنى: نعم شيئًا هي٦.
_________________
(١) ١ المصادر السابقة. ٢ ورد هذا الحرف في أربعة عشر موضعًا من القرآن الكريم، أولها: ١٦٤/ البقرة. ٣ ورد هذا الحرف ثماني مرات في القرآن الكريم، أولاها: ٧/ الفاتحة. ٤ سبق أن قلت في أكثر من موضع: إن القرآن حجة على اللغة، لا اللغة حجة على القرآن، وما دامت القراءة بالجمع بين ساكنين لم يكن أولها حرف لين، قد وردت من طريقها المقطوع بصحته، فإنها هي التي يجب أن يصار إليها وأن تقعَّد عليها القواعدُ، هذا على فرض أن الجمع بين الساكنين لم يرد عن العرب، كيف وقد ورد. فلنصغِ إلى الإِمام ابن الجزري، يقول القول الفصل: قال -﵀- في معرض حديثه عن قراءات هذا الحرف: واختلف عن أبي عمرو وقالون وأبي بكر، فروى عنهم المغاربة قاطبة إخفاء كسرة العين ليس إِلا، يريدون الاختلاس؛ فرارًا من الجمع بين الساكنين. وروى عنهم العراقيون والمشرقيون قاطبة الإسكان، ولا يبالون من الجمع بين الساكنين لصحته رواية، ووروده لغة. وقد اختاره الإمام أبو عبيدة أحد أئمة اللغة، وناهيك به، وقال: هو لغة النبي -ﷺ- فيما يروى: "نِعْمّا المال الصالح للرجل الصالح"، وحكى النحويون الكوفيون سماعًا من العرب: "شهْر رّمضان" مدغمًا، وحكى ذلك سيبويه في الشعر، وروى الوجهين جميعًا عنه الحافظ أبو عمرو الداني، ثم قال: والإسكان آثَر، والإخفاء أقيس. ص"٣٤٦" رسالة دكتوراه بإشرافنا "الموضح في وجوه القراءات" تحقيق ودراسة عمر حمدان الكبيسي، جامعة أم القرى ١٤٠٨هـ. ٥ المصدر السابق: ص٣٤٧. ٦ المصدر السابق: ص٣٤٨.
[ ٤٥ ]
- "تَرْجِعُونَ فِيهِ" [آية: ٢٨١]:
بفتح التاء وكسر الجيم، قرأها أبو عمرو ويعقوب١، وذلك أن المعنى على هذه القراءة: تصيرون إليه، فالفعل فيه لازم، ومثله: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ و﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ و﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ ٢، والإياب: الرجوع.
وقرأ الباقون: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بضم التاء وفتح الجيم٣، والفعلُ على هذا متعد؛ لأن رَجَعَ قد جاء لازمًا ومتعديًا، وهو مبني ههنا على ما لم يسمّ فاعله، وحجته من التنزيل:
﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾، و﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ ٤، ٥.
- "إِنْ تَضِلّ" [آية: ٢٨٢]:
بكسر الألف، قرأها حمزة وحده٦، على أنه جعل إِنْ للشرط، و"تضلّ" مجزوما بالشرط، وفتحة لامه هي لالتقاء الساكنين؛ لأنها أخف الحركات، وجَعَل الفاء في قوله: "فَتُذَكّرِ" جواب الشرط، والشرط وجوابه جميعًا موضعهما رفع على هذا؛ لأنهما وصف للمرأتين في قوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ .
وقرأ الباقون ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ بفتح الألف٧، على إِضمار اللام، والتقدير: لأن تضل إحداهما فتذكر، فتضلّ ههنا منصوب بأَنْ، وقوله: ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ عطف على ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ وحقيقة معنى لام العلة إِنما هو في التذكير لا في الضلال؛ لأن الضلال هو
_________________
(١) ١ السبعة: ١٩٣، التيسير: ٨٥، النشر: ٢/ ٢٠٨ و٢٠٩. ٢ الأحرف الثلاثة على ترتيبها في الكتاب: ١٥٦/ البقرة، ٧٠/ يونس و٢٣/ لقمان، ٢٥/ الغاشية. ٣ مصادر القراءة الأولى. ٤ الحرفان على ترتيبهما: ٦٢/ الأنعام، ٣٦/ الكهف. ٥ حجة أبي علي: ٢/ ٤١٧ و٤١٨، وحجة أبي زرعة: ١٤٩، والكشف: ١/ ٣١٩ و٣٢٠، والإتحاف: ١٦٦. ٦ السبعة: ١٩٣، التيسير: ٨٥، النشر: ٢/ ٢٣٦. ٧ المصادر السابقة.
[ ٤٦ ]
سبب الإذكار، والمعنى: لأجل أنها إِذا نسيت إِحداهما الشهادة ذكّرتها الأخرى، والضلال ههنا النسيان١.
- "فَتُذَكّرُ" [آية: ٢٨٢]:
بتشديد الكاف ورفع الراء، قرأها حمزة وحده٢، وذلك لأنه قرأ: "إِنْ تَضِلّ" بالكسر٣، على الشرط وجعل "فَتُذَكّرِ" جوابه، فيكون مرفوعًا، كما تقول: إِن تضربْ زيدًا فيضربُك بالرفع، أي: فهو يضربك، فيكون موضع الفاء وما دخل عليه جزمًا، والتقدير: إِن تَضِل تُذَكّرْ.
وقرأ نافع وابن عامر وعاصم والكسائي بتشديد الكاف ونصب الراء٤، على أنه معطوف على ﴿تَضِلَّ﴾ المنصوب بأَنْ.
وذَكّرَ في هاتين القراءتين معدّى بالتضعيف، وهو أكثر من المنقول بالهمزة في هذه الكلمة، يقال: ذَكَرَ فلانٌ الشيء، فذكَّرته إِياهُ بالتشديد.
_________________
(١) ١ معاني القرآن للفراء: ١/ ١٨٤، وحجة أبي علي: ٢/ ٤١٩ وما بعدها، وإعراب القرآن للنحاس: ١/ ٢٩٨ و٢٩٩، وحجة ابن خالويه: ١٠٤، وحجة أبي زرعة: ١٥٠، والكشف: ١/ ٣٢٠، والإتحاف: ١٦٦. ٢ السبعة: ١٩٣، التيسير: ٨٥، النشر: ٢/ ٢٣٦ و٢٣٧. ٣ انظر الحرف السابق. ٤ المصادر الثلاثة السابقة.
[ ٤٧ ]