ثم أترك هذه المناقشة إلى أدلة أخرى تلقم المعاندين الحجر، وتقيم الحجة بأن القراءة سنّة متبعة، جرت على الرواية والأثر، وأغلب هذه الأدلة قراءات يحتملها الرسم، كما أنها صحيحة في اللغة، نطق بها العرب، وجرت على ألسنتهم في نثرهم، ولكنها مع ذلك لم يقرأ بها؛ لأنها لم ترد، ولم يكن لها سند صحيح يعتدّ به من نقل أو رواية.
فأولًا: أننا نجد حرفًا يتكرر في القرآن الكريم برسم واحد لا يختلف السور التي ورد فيها، ومع ذلك نجد القرّاء يختلفون في قراءته في بعض المواضع، ويتفقون فيها على البعض الآخر، فلو كان رسم المصحف سببًا من أسباب الاختلاف ما كان اتفاقهم على: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ ١ و﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ ٢ من المِلْك لا من المُلْك على حين يختلفون في ﴿مَالِكِ ٣ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فتقرأ بإثبات الألف وإِسقاطها٤، مع أن رسم الكلمات: مالك يوم الدين، ومالك الملك٥، وملك الناس في المصحف، واحد غير مختلف.
وقد تكرر ذلك في القرآن الكريم، وقراءات القراء في كثرة ظاهرة:
فهم يختلفون في إِفراد الريح وجمعه في مواضع أشارت إليها كتب القراءات٦، كما أشارت إِلى أن حمزة يفرد الريح في كل المواضع إلاّ التي في الفرقان، والكسائي إلا في الحجر، ونافعًا يجمع الجميع، والعربيين: "أبا عمرو وابن عامر" إِلا في إِبراهيم والشورى، وابن كثير في البقرة، والحجر، والكهف، والشريعة٧ مع أن الرسم واحد في الجميع، ولم يقع الخلف٨ إِلا في الحجر.
_________________
(١) ١ س ٣، آ ٢٦. ٢ س ١١٤، آ ٢. ٣ س ١، آ ٤. ٤ انظر: القراءات لابن مجاهد. ٥ انظر المقنع: ص٨٨. ٦ انظر النشر: ٢/ ٢٢٣. ٧ البحر المحيط: ١/ ٤٦٧. ٨ المقنع: ص١-١٥.
[ ٤٨ ]
كما اختلفوا في: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ و﴿نُبَشِّرُكَ﴾، فقرئ: يبشرك من البشر وهو البشرى والبشارة، كما قرئت من الإبشار، ومن التبشير في سبحان، والكهف، والتوبة، ومريم، والشورى، واتفقوا على تشديد ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ في الحجر١.
ثم انظر اختلافهم في السُّوء في التوبة والفتح، واتفاقهم على الفتح في مواضع.
واختلفوا في ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ "سورة النحل" وفي "المؤمنون" بالنون وفتحها وضمها، واتفقوا على ضم حرف الفرقان: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ .
وفي اللغة: خطِف يخطَف، وخطَف يخطِف، ولكن "القراء لم يقرءوا إلاّ ﴿يَخْطَفُ﴾، وخطِف مثل علم. قال أبو علي الفارسي: ولا نعلم أحدًا قرأ إلاّ الأخرى"٢.
فهل كانوا يتفقون ويختلفون، متبعين في ذلك الرسم؟ إن كان ذلك فالرسم واحد، واتحاد الرسم يدعو -في رأي "جولدتسيهر"- إلى اختلافهم في جميع الوارد من هذا الحرف، يقرءون بكل ما يحتمله الرسم ما دام المعنى صحيحًا دون أن يتفقوا في بعض منه، أما وقد اتفقوا على بعض منه مجمعين، فليس من تفسير لذلك إلا أنهم كانوا للرواية والأثر متبعين.
وثانيًا: وهناك ما هو أشد اتصالًا بالأثر، وأقوى احتجاجًا بأن القراءة سنّة: ذلك ما تجوِّز اللغة والصناعة النحوية نطقه بأوجه مختلفة، ومع هذا لم يقرأ القراء إلا بوجه واحد من هذه الوجوه.
جاء في البحر المحيط: قال ابن عطية: "أجمع القراء على ضم الميم من ﴿مُكْثٍ﴾ في قوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ ٣ مع أن
_________________
(١) ١ انظر النشر: ١/ ٢٣٩ وما بعدها. ٢ الحجّة لأبي علي الفارسي: ١/ ٣٦٥. ٣ سورة الإسراء: ١٠٦.
[ ٤٩ ]
اللغة تجوز في الميم من مكث: الضم والفتح والكسر"١، ولم يقرأ واحد من القراء الأربعة عشر إلا ﴿مُكْثٍ﴾ بضم الميم٢.
ويروي الزجاج ما تجوزه اللغة في قوله تعالى: ﴿صَدُقَتِهِنَّ﴾، واعبدا الطاغوت، وما قرئ به من هذه اللغات الجائزة؛ اتباعا للرواية٣.
ويجوز في الرضاعة فتح الراء وكسرها، ولم يقرأ إلا بالفتح٤.
وأهل اللغة يحكون "بزعمهم" مثلثة الزاي، ولم يقرأ إلا بالفتح.
فلو كان الأمر كما يقول "جولدتسيهر" من أن إغفال الحركات في الخط العربي كان سببا في الأوجه المختلفة للقراءات لرأينا القراء يقرءون أمثال هذه الكلمات، بما تجوز اللغة فيها من مختلف الحركات!!
بل، إن الكسائي نفسه هو الذي روى الكسر في "الرِّضاعة"٥ لغة، ولكنها لم ترد عنه قراءة!!!
بل، إن اللغة تجوز في محيض "مجيضا"٦، وخلو الرسم من النقط يحتمل النطق بالكلمة "بوجهيها" إذ كانت مرسومة: "محصا"، ولكن "مجيضا" وإن كانت اللغة تجوزها والرسم يحتملها، لم تجز في القرآن، وإن كان المعنى واحدا، والخط غير مخالف؛ لأن القرآن سنة لا تخالف فيه الرواية عن النبي -ﷺ- وأصحابه والسلف وقراء الأمصار بما يجوز في النحو واللغة، وما فيه فأفصح مما يجوز، فالاتباع فيه أولى٧.
هذه أمثلة فيما هو خاص باللغة.
_________________
(١) ١ البحر المحيط: ٦/ ٨٨. ٢ انظر إتحاف فضلاء البشر: ٢٨٧. ٣ انظر معاني القرآن للزجاج، عند كلامه على قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ . ٤ معاني القرآن للفراء: ١٤٩. ٥ انظر: معاني القرآن للفراء: ١٤٩. ٦ انظر لسان العرب، مادة جيض، وأساس البلاغة والقاموس المحيط. ٧ معاني القرآن للزجاج.
[ ٥٠ ]
أما فيما يختص بالصناعة النحوية، فالأمر فيه أوضح وأشهر، ولعله قد أتاك نبأ يحيى بن يعمر وتلحينه الحجاج، وكيف استبشع الحجاج أن يلحنه ابن يعمر في كتاب الله، في وقت كان اللحن فيه هجنة للشريف. إنه لحنه في قراءته: "أحبُّ" بالرفع من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ ١ مع أن الصناعة النحوية تجيز الرفع٢، ولكن أحدا من القراء الأربعة عشر لم يقرأ به٣.
أرأيت كيف جرت القراءة على السنة والرواية؟ وكيف لم يستطع الحجاج على سطوته، وقدرته أن يحيد عنها، أو يحاجّ ابن يعمر بما تجيزه الصناعة النحوية، أو يعتذر من لحنه فيها بما تجيزه العربية، مع وجود المخلص له من هذا اللحن المستهجن القبيح؟! فكيف يقال بعد ذلك: إن القراءات كان السبب الأكبر فيها خلو الرسم من الشكل والنقط، وتغمض الأبصار، ويختم على البصائر؟!!
فإن قلت: إن زمن الحجاج ويحيى بن يعمر لم تستحصد فيه الصناعة النحوية، والتأويل الإعرابي، حتى يستطيع أن يحاجّ بما أوردت، فالجواب أن تقرأ ما يقول المازني، وقد جاء الأصمعي يوما وهو في مجلسه فقال الأصمعي: "ما تقول في قول الله ﷿: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾؟ قال المازني: سيبويه يذهب إلى أن الرفع فيه أقوى من النصب في العربية لاشتغال الفعل بالمضمر، وأنه ليس ههنا شيء هو بالفعل أولى، ولكن أبت عامة القراء إلا النصب، فنحن نقرؤها لذلك اتباعا؛ لأن القراءة سنة"٤.
على أن خبر الحجاج ويحيى بن يعمر لا يزال قائم الحجة على الذين ينكرون أن القراءة سنة!
ثم انظر -في خبر المازني والأصمعي- كيف يخضع الأئمة الأولون لما هو وارد في الأثر، ولو كان مرجوحا من حيث الصنعة؛ اتباعا للرواية، واقتداء بالسنة!
وثالثا: بل، إن بعض هؤلاء الأئمة كان له اختيار في القراءة على مذاهب العربية٥، وعلى قياسها ولكنه جانب الأثر في اختياره، فلم توثق قراءته من
_________________
(١) ١ سورة التوبة: آية ٢٤. ٢ انظر المحيط: ٥/ ٢٢. ٣ انظر إتحاف فضلاء البشر: ٢٤١. ٤ أخبار الزجاجي، ورقة ٣٦. ٥ طبقات القراء: ١/ ٦١٣.
[ ٥١ ]
أجل ذلك. من هؤلاء عيسى بن عمر البصري الثقفي، صاحب الإكمال والجامع؛ كان الغالب عليه حب النصب إذا وجد لذلك سبيلا منه١، قرأ: "وَالسَّارِقَ وَالسَّارِقَةَ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا"٢، وقرأ: ﴿الزَّانِيَةَ وَالزَّانِيَ﴾ ٣، ولم يقرأ أحد من القراء العشرة٤، بل القراء الأربعة بعدهم، بشيء من ذلك٥.
فإن قلت: لقد ضربت مثلا بإمام بصري، فهلا كان ذلك من كوفي؟
فالجواب ما قال الفراء في معاني القرآن -في مواضع كثيرة منه- ولو قرأ قارئ بكذا كان صوابا وعلى سبيل المثال ما قال: ولو قرأ قارئ: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ نصبا، كان صوابا إذا جعلت أن وما حرفا واحدا٦، ولم يقرأ به واحد من سبعة ابن مجاهد، ولا الثلاثة الذين بعدهم٧، ولا الأربعة الذين بعد هؤلاء٨.
وهنا يجمل أن أورد قول "جولدتسيهر": "من أهم ما تجده من هذا القبيل، يشير إلى اختلاف القراءات فيما أهمل شكله من القرآن: تلك القراءات المختلفة في حروف هذه الكلمة "أن"، وهل هي أَنَّ أو إِنَّ بالتشديد فيما؟ أو هي فقط أَنْ بدون التشديد؟ وفي سورة آل عمران٩ نجد مثالا لذلك يتبين فيه كيف يحاول الفن النحوي أن يجد سبيلا لهذا، أو ذاك"١٠.
وقد رجعت إلى هذه الآيات في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ١١، ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ ١٢، ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١٣، رجعت إلى هذه الآيات، ثم تعرفت على القراءات الأربع عشرة، فما وجدت خلافا بينهم في قراءة
_________________
(١) ١ طبقات القراء: ١/ ٦١٣. ٢ س ٥: آ ٣٨. ٣ س ٢٤، آ ٢. ٤ انظر النشر: ٢/ ٢٥٤، ٣٣٠. ٥ انظر إتحاف فضلاء البشر: ١٩٩، ٢٢٢. ٦ معاني القرآن: ١٠١. ٧ انظر النشر: ٢/ ٣٢١. ٨ انظر الإتحاف: ٣٠٥. ٩ آيات ١٦-١٨. ١٠ المذاهب الإسلامية: هامش ٧. ١١ آية ١٦. ١٢ آية ١٦. ١٣ آية ١٨.
[ ٥٢ ]
إن الأولى بالكسر في ﴿إِنَّنَا﴾ والثانية بالفتح في ﴿أَنَّهُ﴾ ١، وينفرد الكسائي بفتح همزة أنّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ ٢، فلِمَ لا يكون انفراده هذا في ذلك الحرف، متبعا فيه الرواية؟!
والدليل على ذلك -مثلا- في قول الله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ قال الفراء: "قرأه القراء بالكسر، ولو قرئت بفتح أن على معنى: إذ لم يؤمنوا، ولأن لم يؤمنوا، ومن أن لم يؤمنوا لكان صوابا٣، ومع ذلك لم يقرأ واحد من الأربعة عشر بفتح همزة إن، بل اتفق الجميع على أنها مكسورة الهمزة٤.
ثم أرجو بعد ذلك أن نرى تأويل المبرد لحركة همزة "إن" في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَت﴾ ٥.
ورابعًا: ولو كان الأمر راجعا إلى رسم المصحف، لصحت كل قراءة يحتملها الرسم ما دامت موافقة لوجه من وجوه العربية، ولكن الأمر جرى على غير ذلك.
وخامسًا: اختلف القراء في ﴿مُوصٍ﴾ من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ ٦: فقرئت ﴿مُوصٍ﴾ من أوصى، وقرئت "مُوَصٍّ" من وصّى. وقد يدل ظاهر الأمر على أن هذا الاختلاف مبعثه خلو الخط العربي من الشكل الضابط لنطق الكلمة، ولا أثر للرواية فيه، ولكن الاستيعاب والتعميق ينتهيان بنا إلى أن ذلك أثر من آثار الرواية لا طبيعة الخط، وآية ذلك أن في القرآن.
أوصى: وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ ٧، فذلك دليل موصٍ.
وفيه كذلك وصّى في قوله: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ ٨، وذلك دليل مُوَصٍّ.
_________________
(١) ١ انظر الإتحاف: ص١٧٢. ٢ انظر النشر: ٢/ ٢٣٨. ٣ معاني القرآن للفراء: ص٥٨. ٤ انظر إتحاف فضلاء البشر: ٢٨٨. ٥ طبقات الزبيدي: ١١٠. ٦ سورة البقرة: آية ١٨٢. ٧ سورة مريم: آية ٣١. ٨ سورة البقرة: آية ١٣٢.
[ ٥٣ ]
ومع اختلافهم في حرف ﴿مُوصٍ﴾ على هذا النحو بالتخفيف والتشديد، فإنه لا خلاف بينهم في ﴿يُوصِيكُمُ﴾ بالتخفيف، مع أن الرسم يحتمل التشديد كذلك.
وكذلك يقال في: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ في لقمان، ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ في عسق، فمن قرأ بالتشديد حجته قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ ١، ومن ترك التشديد حجته قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ ٢.
هذا فيما هو خاصّ بالضوابط الحركية، أما ما هو خاصّ بالنقط، ففي القرآن كذلك الدليل:
روى حفص عن عاصم: ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ وحجته في ذلك: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ .
وقرأ حمزة: "سوف نؤتيهم" بالنون، وحجته قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ﴾ وقوله: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ ٣، فيجب أن تترك الحجة الواهية التي يقول بها "جولدتسيهر" أن الرسم يحتمل التشديد والتخفيف، ويُركَن إلى القول بالرواية، ما دامت -أي: الرواية- قد ورد الدليل عليها صريحا مرويا في أماكن أخرى.
وسادسًا: نجد إماما من الأئمة، اشتغل بالنحو فصار فيه مقدما، واشتغل بالقراءات حتى عد من القراء السبعة، ومع ذلك تجده يخالف قارئا٤ مذهبه نحويا٤، وأسوق لذلك مثلين أحدهما لقارئ من نحاة البصرة "كأبي عمرو" والآخر من نحاة الكوفة "كالكسائي"؛ لأوضح ما أقول:
قال ابن خالويه: "وأدغم أبو عمرو وحده الراء في اللام: "من يغفر لكم" وما شاكله في القرآن، وهو ضعيف عند البصريين"٥.
_________________
(١) ١ سورة الفرقان: آية ٤٨. ٢ سورة الحديد: آية ٢٧. ٣ الحجة للفارسي: ٣/ ٣٠١. ٤ منصوب على الحال. ٥ الحجة لابن خالويه، وجه ورقة ١٠.
[ ٥٤ ]
أرأيت كيف خالف عمرو النحو البصري في قراءته؟ ألا يفسر ذلك بأنه اتبع الأثر في الإدغام، وما تلقاه في روايته؟!
ونرى الكسائي -كذلك- يتخذ موقفين متغايرين كل التغاير: فهو -نحويا١- يرى أن "كلتا" ألفها ألف تثنية٢، ويخالف بذلك البصريين الذين يقولون: إن "كلتا" ألفها ألف تأنيث، وهو يميل "كلتا" قارئا٣. وفي ذلك دليل على أنه خالف مذهبه النحوي٤ في قراءاته؛ لتلقيه عن شيوخه بالسند المتصل٥.
وسابعًا: أن القراءة لا تجري على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية٦، ومن هنا قال ابن فيره: "وما لقياس في القراءة مدخل".
ولذلك نرى في باب الإمالة -مثلا- قاعدة تنطبق على حروف بأعيانها في القرآن الكريم، فيميل قارئ من القراء بعض هذه الحروف دون البعض الآخر٧، وقد يجتمع في بعض الحروف من أسباب الإمالة ما لا يجتمع في حروف أخرى من جنسها، فيميل بعض القراء ما كان سبب الإمالة فيه ضعيفا، ويترك ما كان السبب فيه قويا٨.
وثامنًا: على أنه ربما رجح إمام من الأئمة السبعة جانب الرواية على مرسوم المصحف، فيأخذ بالأولى؛ لأنها ثابتة عنده بالنقل والأخذ عن شيوخه الذين اتصل سندهم بقراءة الرسول؛ ذلك ما روى ورش عن نافع٩: "إنما أنا رسول ربك ليهب لك"١٠، مع أنها مرسومة في المصحف: ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾؛ حدث أبو عمرو الداني عن شيوخه قال: حدثنا أبو عبيدة: "أن المصاحف كلها
_________________
(١) ١ منصوب على الحال. ٢ الإنصاف، مسألة: ٦٢. ٣ إبراز المعاني: ١٦٥. ٤ إرشاد المريد: ١٦٧، انظر الإنصاف في مسألة: ٦٢. ٥ راجع تفصيل ذلك، وتحقيقه في بحثي: القراءات واللهجات العربية، الإمالة من ص١٩٣-٢٠٥. ٦ منجد المقرئين: ٦٥. ٧ حرز الأماني: ٧٨، ط ١٣٥١هـ. ٨ انظر الإبانة لمكي بن أبي طالب، ورقة: ١٤، والموضح للداني: ص٦٥، ص٤. ٩ انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ١١/ ٩١. ١٠ سورة مريم: آية: ١٩.
[ ٥٥ ]
اجتمعت على رسم الألف بعد اللام في قوله في مريم: ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾ ١، وقد قرأها الأئمة ما عدا ورشا في روايته عن نافع: ﴿لِأَهَبَ﴾ ٢، ولكن ورشا رجح جانب الرواية عن شيخه نافع. وقد كان هذا الحرف موضع جدل بين الخليفة المأمون، ويحيى بن أكثم، ومحمد بن أبي محمد مقرئ المأمون٣.
وتاسعًا: وآية أن القراءة سنة متبعة كذلك: اختلاف الراويين فيما يرويان عن إمام واحد، أحدهما -في باب كالإمالة مثلا- يقرأ بها في كثرة ظاهرة، والآخر يروي الإمالة عن شيخه في قلة نادرة، ذلك عند راويي عاصم: أبي بكر، وحفص، وراويي نافع: قالون، وورش٤، حتى إن حفصا لم يمل من جميع القرآن إلا "مجريها" فقط٥. أكان ذلك مبعثه الهوى أو أثارة من رأي أو نظر؟ أم كان الداعي إليه الرواية والأثر؟ وهل اقتصار حفص على إمالة هذا الحرف فقط مبعثه الرسم؟ لا! إذ لا ينفرد رسم هذا الحرف بما يدل على إفراده بالإمالة حتى يقرأه حفص -دون غيره- مميلا له.
وعاشرًا: ومما يدل على أن القراءة سنة، وينفي أن الرسم وخاصية الخط العربي سبب اختلاف القراء ما نجده من اختلاف القراء في الواحد -ذي الرسم المتحد- مع اختلاف المواضع، كقراءة أبي جعفر "يُحزِن" بضم الياء وكسر الزاي في الأنبياء فقط٦، وفتح الياء وضم الزاي في باقي القرآن٧، وقراءة نافع ممكنة في جميع القرآن بضم الياء وكسر الزاي٨ إلا في الأنبياء، فإنه فتح الياء وضم الزاي٩.
وأستشهد في هذا المقام بما أورد المقدسي في كتابه: "أحسن التقاسيم"، فقد رجّح قراءة ابن عامر لأسباب ذكرها، وذكر من بين هذه الأسباب أنه رأى
_________________
(١) ١ المقنع للداني: ص٤٥. ٢ انظر النشر: ٢/ ٣١٧ وما بعدها. ٣ انظر ذلك في طبقات الزبيدي: ٧٩. ٤ انظر في ذلك قرة العين، لابن القاصح مثلا. ٥ منجد المقرئين: ٦١. ٦ إتحاف فضلاء البشر: ٣١٢. ٧ النشر: ٢/ ٢٤٤. ٨ الإتحاف: ٢٠٠. ٩ النشر: ٢/ ٢٤٤.
[ ٥٦ ]
قراءة ابن عامر قياسية: إذا استعمل التاء والتثقيل في موضع أجراه في جميع النظائر، وغيره يقول: "في سورة كذا بالثاء، وفي سورة كذا بالياء، وفي موضع سِدًّا، وموضع آخر سُدًّا، وخراجا وخَرجا، وكُرها وكَرها "؛ ثم قال:
"فإن قال خصم: أوليس قد ناقض ابن عامر في غير موضع؟
أجبناه: لو لم يناقض لزهدنا في قراءته، وظننا به الظنون؛ لأن القراءة لا تؤخذ بالقياس به، فلما ناقض علمنا أنه متبع وناقل، إلا أن نقله وافق القياس"١.
واقرأ بعد ذلك ما أورده مكي بن أبي طالب حموش القيسي في كتابه الإبانة، وفيه دليل على أن اختلاف القراء فيما يحتمله خط المصحف ليس مرجعه أن الرسم غفل من النقط؛ وإنما مرجع الاختلاف النقل عن الرسول والصحابة، قال:
"فإن سأل سائل فقال: ما السبب الذي أوجب أن تختلف القراءة فيما يحتمله خط المصحف، فقرءوا بألفاظ مختلفة في السمع، والمعنى واحد نحو:
جُذوة وجِذوة وجَذوة؟
وقرءوا بألفاظ مختلفة في السمع، وفي المعنى نحو: يسيركم وينشركم؟
وكل ذلك لا يخالف الخط في رأي العين؟
فالجواب عن ذلك: أن الصحابة -﵃- كان قد تعارف بينهم من عهد النبي -ﷺ- ترك الإنكار على من خالفت قراءته قراءة الآخر؛ لقول النبي ﷺ: "أنزل القرآن على سبعة أحرف، فاقرءوا بما شئتم".
وبقوله: "نزل القرآن على سبعة أحرف، كلٌّ شافٍ كافٍ"، ولإنكاره -ﷺ- على من تمارى في القرآن -والأحاديث في ذلك كثيرة- فكان كل واحد منهم يقرأ كما علم، وإن خالف قراءة صاحبه لقوله، ﷺ: "اقرءوا كما علمتم" ٢.
_________________
(١) ١ أحسن التقاسيم للمقدسي: ١٤٣. ٢ الإبانة لمكي بن أبي طالب: ١٥، تحقيق المؤلف، مطبعة الرسالة، القاهرة، وطبع الطبعة الثانية بمكتبة الفيصلية بمكة المكرمة.
[ ٥٧ ]
هذا، والمطّلع على كتب القراءات في تسلسل النقل، وفي طرقه يجد مثلا أعلى من إحكام الضبط، والتدقيق البالغ غايته في شتى النواحي المتصلة بالقرآن الكريم، وكلماته، وآياته، وطرق أدائه؛ ويكفي أن تقرأ الأسانيد المختلفة التي أوردها ابن مجاهد في كتابه المترجم بالقراءات، أو التي أوردها الداني في الموضح، مع أنه مؤلف في جانب صوتي محض، هو الإمالة، أو البحوث الأولى في كتاب النشر لابن الجزري١، أو ما أورده الباب الرابع من منجد المقرئين في سرد مشاهير من قرأ بالعشرة، وأقرأ بها في الأمصار إلى الزمن الذي عاش فيه١، يكفي أن يقرأ بعض هذا ليعلم حرص المسلمين على كتاب الله أن يعتوره تحريف، أو يبعده عن النقل بالسند الصحيح، أو يجعل قراءاته المختلفة تبعا للرسم الخالي من النقط والحركات.
_________________
(١) ١ وانظر المنجد لابن الجزري: ص٢٩-٤٦.
[ ٥٨ ]
خاتمة:
وأرجو -بعد هذه الأدلة على أن القراءة سنة- أرجو أن يُقرأ هذا النصان:
النص الأول: وهو صريح بأن القراءة سنة يرجع فيها إلى السماع من الشيوخ، والرواية، فقد ورد في النص الآتي كلمتان متفقتان في الرسم، ولكنهما مختلفتان في النطق، هاتان الكلمتان هما نركبا ونركبا هكذا من غير نقط ولا شكل كما وردتا في المصحف العثماني، في قصة إبراهيم "﵇" سورة الصافات: الأولى رقم ١١٣ والأخرى رقم ١٠٨ وصورتهما في مصحف عثمان واحدة كما بينا. وإليك بقية الحديث عن هاتين الكلمتين المتفقتين في الصورة، المختلفتين في القراءة:
حدث ابن أخي الأصمعي -عبد الرحمن، وكان ثقة فيما يرويه عن عمه، وعن غيره- قال الأصمعي: قلت لأبي عمرو بن العلاء: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ﴾ في موضع ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾ في موضع، أيعرف هذا؟
فقال: ما يعرف إلا أن يسمع من المشايخ الأولين١!
وقال أبو عمرو بن العلاء: "إنما نحن فيمن مضى كبَقْل في أصول نخل طوال".
أما النص الآخر، وهو دليل يوضح بجلاء ألا علاقة بين نشأة القراءات وخلوّ المصحف العثماني من الضبط، وأن الأصل والأساس الرواية والسماع من الشيوخ الضابطين "عليهم جميعا رحمة الله".
جاء في جمال القراء وكمال الإقراء لعَلَم الدين السخاوي ت ٦٤٣هـ ما نصه٢:
قال الأصمعي: قلت لأبي عمرو بن العلاء: من يقول: "مُرْية"؟ قال: "بنو تميم".
_________________
(١) ١ كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد، تحقيق الدكتور شوقي ضيف، ص٤٨. ٢ انظر جـ٢ ص"٤٥٠".
[ ٥٩ ]
قلتُ، والقائل الأصمعي: أيهما أكثر في العرب؟
قال: مُرْية.
قلت: فلأي شيء قرأتَ: ﴿مِرْيَةٍ﴾؟
قال: كذلك "أُقْرِئتها هناك" يعني: على شيوخ الحجاز١، وإمامهم ابن كثير المكي. وكان أبو عمرو قد قرأ عليه٢؛ فقد ولد بمكة، ونشأ بالبصرة، ومات -﵀- بالكوفة سنة أربع وخمسين ومائة٣.
وبهذه النصوص وما أمثالها -وما أوردته كل من كثر، وغيض من فيض- يسقط كلام جولدتسيهر. ولله الحجة البالغة.
_________________
(١) ١ انظر جـ٢ ص٤٥٠. ٢ انظر ترجمة أبي عمرو في جـ٢، طبقات القراء لابن الجزري. ٣ جـ٢ ص٤٥٠ جمال القراء.
[ ٦٠ ]