كيفية اشتمال المصاحف على هذه الأحرف:
يتفرع على الرأي الراجح، وهو: أن المصاحف اشتملت على ما يحتمله الرسم من الأحرف السبعة سؤال هو: كيف اشتملت المصاحف على هذه الأحرف؟ وللإجابة على ذلك نقول:
من الثابت أن المصاحف كانت خالية من النقط والشكل، والقراءات التي صحت نسبتها إلى رسول الله -ﷺ- وتحققت فيها الأركان الثلاثة المعروفة ترجع إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: ما فيه قراءتان، ورسم على إحداهما مثل: "صراط، يبصط المصيطرون" كتبت كلها بالصاد مع أن أصلها السين، فتقرأ بالصاد تبعا للرسم، كما تقرأ بالسين تبعا لأصل الكلمة.
النوع الثاني: ما فيه قراءتان أو أكثر، ورسم برسم واحد يحتمل القراءتين تحقيقا أو تقديرا١.
فمن أمثلة النوع الأول:
١- قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ٢.
فإن قوله تعالى: ﴿كَبِيرٌ﴾ قرئت بالباء الموحدة، كما قرئت بالثاء المثلثة، وهما قراءتان صحيحتان، والرسم يحتملهما تحقيقا، حيث لم تكن الكلمة منقوطة ولا مشكولة.
٢- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ انظر: النشر "١/ ١١-١٢"، البرهان للزركشي "١/ ١٧٢"، سمير الطالبين ص١٥. ٢ سورة البقرة من الآية "٢١٩". ٣ سورة الحجرات من الآية "٦".
[ ٢٧ ]
قرئت ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ بياء وياء ونون، من البيان، كما قرئت "فتثبتوا" بثاء فباء فتاء من التثبت، وهما قراءتان صحيحتان، والرسم يحتملهما تحقيقا١.
ومن أمثلة النوع الثاني: وهو موافقة القراءة للرسم تقديرا:
١- جمع المؤنث السالم مثل: مسلمات، مؤمنات، البينات. فهذه الألفات تحذف باتفاق العلماء.
فإن كان في الكلمة ألفان مثل: الصالحات، السموات
فللعلماء في ذلك خلاف:
فأكثر المصاحف على حذف ألفيه معا.
وبعض المصاحف على حذف الثانية فقط٢.
٢- رسم الألف واوا في مثل: الصلاة والزكاة، والربا للدلالة على أن أصلها الواو.
فهذا وما شاكله تعتبر القراءة فيه موافقة لرسم المصاحف تقديرا.
وقد تكون الكلمة محتملة لإحدى القراءتين تحقيقا وللثانية تقديرا، مثل قوله تعالى -في سورة الفاتحة-: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ كتبت في المصاحف كلها "ملك" بدون ألف، فقراءة الحذف متفقة مع الرسم تحقيقا، كما في قوله تعالى: ﴿مَلِكِ النَّاس﴾ وقراءة المد محتملة للرسم تقديرا، كما في قوله تعالى: "قل اللهم ملك الملك"٣. فتكون الألف قد حذفت اختصارا.
فهذان النوعان: التحقيقي والتقديري، اتحدت فيه المصاحف كلها، فتقرأ الكلمة بوجهين أو أكثر، مع اتحاد الرسم، لعدم النقط والشكل.
النوع الثالث:
الكلمات التي تشتمل على الزيادة أو النقص، ولا يمكن أن تكتب في
_________________
(١) ١ النشر "٢/ ٣٧٦". ٢ سمير الطالبين ص٣٦. ٣ سورة آل عمران من الآية "٢٦".
[ ٢٨ ]
المصحف الواحد مرتين أو أكثر، لما في ذلك من الخلط والتغيير.
وهذا النوع كتب في كل مصحف على حسب ما يقرأ أهل الذي سيرسل إليه المصحف، وبذلك تكون المصاحف -في مجموعها- مشتملة على ما صح نقله، ولم تنسخ تلاوته، لا أن كل مصحف كان مشتملا على جميع هذه الأحرف.
قال الإمام أبو عمرو الداني:
"فإن سأل سائل عن السبب الموجب لاختلاف مرسوم هذه الحروف الزوائد في المصاحف.
قلت: السبب عندنا أن أمير المؤمنين "عثمان بن عفان" -﵁- لما جمع القرآن في المصاحف ونسخها على صورة واحدة، وآثر في رسمها لغة قريش دون غيرها، مما لا يصح ولا يثبت، نظرا للأمة، واحتياطا على أهل الملة، وثبت عنده أن هذه الحروف من عند الله -﷿- كذلك منزلة، ومن رسول الله -ﷺ- مسموعة، وعلم أن جميعها في مصحف واحد على تلك الحال غير متمكن إلا بإعادة الكلمة مرتين، وفي رسم ذلك كذلك من التخليط والتغيير ما لا خفاء به، ففرقها من المصاحف، لذلك جاءت مثبتة في بعضها، ومحذوفة من بعضها، لكن تحفظها الأمة كما نزلت من عند الله -﷿- وعلى ما سمعت من رسول الله -ﷺ- فهذا سبب مرسومها في المصاحف أهل الأمصار"١.
ومن أمثلة ما اختلفت فيه المصاحف:
١- قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢.
قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "وأوصى"، وقرأ الباقون: ﴿وَوَصَّى﴾ ولذلك رسمت في مصحف أهل المدينة ومصحف أهل الشام: "وأوصى"
_________________
(١) ١ المقنع ص١١٢. ٢ سورة البقرة الآية "١٣٢".
[ ٢٩ ]
وفي مصحف أهل الكوفة والبصرة "ووصى" بغير ألف١ حسب قراءة أهل كل مصر.
٢- قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٢.
قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "سارعوا" بدون واو، وقرأ الباقون ﴿وَسَارِعُوا﴾ بالواو، ولذلك رسمت في مصحفي أهل المدينة والشام بدون واو، وفي مصحفي أهل الكوفة وأهل البصرة بالواو٣ حسب قراءة كل منهم.
٣- قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ ٤.
قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر "يقول" بغير واو، وبرفع اللام. وقرأ أبو عمرو "ويقول" بالواو ونصف اللام. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف في اختياره "ويقولُ" بالواو ورفع اللام.
ولذلك رسمت في مصاحف أهل المدينة ومكة والشام "يقول" بغير واو، وفي مصاحف أهل الكوفة والبصرة وسائر العراق "ويقول" بالواو، حسب قراءة كل منهم٥.
٤- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ٦.
قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "من يرتد منكم" بدالين، الأولى مكسورة والثانية مجزومة، وقرأ الباقون "يرتد" بدال واحدة مفتوحة مشددة.
ورسمت في مصاحف أهل المدينة والشام "يتردد" بدالين.
_________________
(١) ١ النشر "٢/ ٢٢٢-٢٢٣"، كتاب المصاحف "١/ ٢٤٧". ٢ سورة آل عمران من الآية "١٣٣". ٣ انظر: المقنع ص١٠٧، كتاب المصاحف "١/ ٢٤٨". ٤ سورة المائدة من الآية "٥٣". ٥ انظر: النشر "٢/ ٢٥٤-٢٥٥"، الإتحاف "١/ ٥٣٧-٥٣٨". ٦ سورة المائدة من الآية "٥٤".
[ ٣٠ ]
قال أبو عبيد: وكذا رأيتها في الإمام بدالين.
وفي سائر المصاحف "يرتد" بدال واحدة١.
٥- قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "الذين اتخذوا" بدون واو. وقرأ الباقون بالواو.
وقد رسمت في مصاحف أهل المدينة والشام بدون واو، وفي بقية المصاحف بالواو٣. حسب قراءة كل منهم.
٦- قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ ٤.
قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر "خيرا منهما" بزيادة الميم بعد الهاء على التثنية، والضمير يعود إلى الجنتين.
وقرأ الباقون ﴿مِنْهَا﴾ بغير ميم على الإفراد، فالضمير عائد على الجنة المدخولة في قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ ٥.
وقد رسمت في مصاحف أهل المدينة ومكة والشام "منهما" بزيادة الميم، وفي بقية المصاحف "منها" بدون الميم٦.
٧- قال الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ٧.
قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "فتوكل" بالفاء. وهي كذلك في مصاحف.
_________________
(١) ١ انظر: المقنع ص١٠٧، النشر "٢/ ٢٥٥". ٢ سورة التوبة من الآية "١٠٧". ٣ انظر: النشر "٢-٢٨١"، كتاب المصاحف "١/ ٢٤٨". ٤ سورة الكهف الآية "٣٦". ٥ إتحاف فضلاء البشر "٢/ ٢١٤-٢١٥". ٦ انظر: كتاب المصاحف "١/ ٢٤٨". ٧ سورة الشعراء الآية "٢١٧".
[ ٣١ ]
أهل المدينة والشام.
وقرأ الباقون بالواو، وهي كذلك في مصاحفهم١.
٨- قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ ٢.
في هذه الآية الكريمة أربع قراءات:
الأولى: لنافع وأبي عمرو وأبي جعفر "وأن يُظْهِر في الأرض الفسادَ" بغير ألف قبل واو العطف، وضم الياء وكسر الهاء من "يظهر" من "أظهر" المعتدي بالهمزة و"الفساد" بالنصب على أنه مفعول به.
الثانية: لابن كثير وابن عامر "وأن يَظْهَر في الأرض الفسادُ" بالواو وفتح الياء والهاء من "يظهر" ورفع "الفساد" على أنه فاعل.
الثالثة: لحفص ويعقوب ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ بزيادة همزة مفتوحة قبل الواو، مع سكون الواو، وضم الياء وكسر الهاء من "يظهر" ونصب "الفساد".
الرابعة: لشعبة وحمزة والكسائي وخلف العاشر "أو أن يَظْهَرَ في الأرض الفسادُ" بزيادة همزة قبل الواو، وفتح الياء والهاء من "يظهر" ورفع "الفساد"٣.
وقد رسمت "وأن" بدون همزة قبل الواو في مصاحف أهل المدينة ومكة والبصرة والشام، حسب قراءة أهل هذه الأمصار، كما رسمت في بقية المصاحف "أو أن" بهمزة قبل الواو٤.
وقد اتحدت المصاحف في رسم كلمتي "يظهر" و"الفساد" فهما من القسم الأول الذي يمكن أن يقرأ بعدة أوجه، والرسم يحتمل ذلك.
_________________
(١) ١ انظر: النشر "٢/ ٣٣٦". ٢ سورة غافر الآية "٢٦". ٣ انظر: النشر "٢/ ٣٦٥"، والإتحاف "٢/ ٤٣٦". ٤ انظر: المقنع ص١١٠، كتاب المصاحف "١/ ٢٤٩".
[ ٣٢ ]
٩- قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ١ قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "بما كسبت" بدون فاء، وهي كذلك في مصاحف أهل المدينة والشام.
وقرأ الباقون ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ﴾ بالفاء، وهي كذلك في مصاحفهم٢.
١٠- قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ ٣.
قرأ نافع وابن عامر وحفص وأبو جعفر ﴿تَشْتَهِيهِ﴾ بهائين، ورسمت كذلك في مصاحف أهل المدينة والشام.
وقرأ الباقون "تشتهي" بهاء واحدة، وهي مرسومة هكذا في بقية المصاحف٤.
١١- قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ٥.
قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "فإن الله الغنى الحميد" بدون "هو" وهي مرسومة كذلك في مصاحف أهل المدينة والشام.
وقرأ الباقون ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ وهي كذلك في مصاحفهم٦.
١٢- قال الله تعالى: ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ ٧.
_________________
(١) ١ سورة الشورى من الآية "٣٠". ٢ انظر: النشر "٢/ ٣٧٠"، حجة القراءات ص٦٥٤. ٣ سورة الزخرف من الآية "٧١". ٤ النشر "٢/ ٣٧٠" وقد يقال: إن حفصا خالف مصحف أهل الكوفة، وهذا مخالف للقاعدة التي تمثل لها. والجواب: أن اتباع القارئ أو الراوي لمصحف أهل مصره إنما هو في الغالب، ولا مانع من أن يكون أحد الأئمة قد نقل قراءة صحيحة موافقة لرسم مصحف آخر، فإن شرط القراءة موافقتها لاحد المصاحف العثمانية. ٥ سورة الحديد الآية "٢٤". ٦ انظر: النشر "٢/ ٣٨٤"، كتاب المصاحف "١/ ٢٥٠". ٧ سورة الشمس آية "١٥".
[ ٣٣ ]
قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "فلا يخاف" بالفاء، ورسمت كذلك في مصاحف أهل المدينة والشام.
وقرأ الباقون ﴿وَلا يَخَافُ﴾ وهي مرسومة كذلك في مصاحفهم١.
وقد حصر بعض العلماء هذه الكلمات التي اختلفت فيها المصاحف فبلغت نحوا من ثمانية وخمسين كلمة بدون تكرار٢.
والخلاصة:
أن المصاحف العثمانية اشتملت على احتمله رسمها بالكيفية السابقة:
- ما يصح أن يقرأ بوجهين أو عدة وجوه والرسم يحتمل ذلك رسم في جميع المصاحف برسم واحد بدون نقط ولا شكل.
- ما لا يحتمله الرسم من خلاف بالزيادة أو النقص، رسم في مصحف كل قطر بما يوافق قراءتهم غالبا.
وبذلك تكون المصاحف العثمانية مشتملة على جميع ما صح نقله عن رسول الله -ﷺ- ولم تنسخ تلاوته، واستقر في العرضة الأخيرة، وليست مشتملة على جميع الأحرف السبعة ولا قاصرة على حرف واحدة -كما تقدم.
_________________
(١) ١ انظر: كتاب السبعة لابن مجاهد ص٦٨٩، النشر "٢/ ٤٠١". ٢ انظر: المقنع ص١١٤-١١٥، رسم المصحف ص٧٠٢، سمير الطالبين للشيخ الضباع ص١٠١-١٠٩.
[ ٣٤ ]