الضبط؛ مفهومه أسبابه:
مفهومه:
الضبط لغة: بلوغ الغاية في حفظ الشيء، يقال: ضبط الكتاب، إذا أحكم حفظه بما يزيل عنه الإشكال.
واصطلاحا: علامات مخصوصة تلحق الحرف للدلالة على حركة مخصوصة أو سكون أو مد أو تنوين أو شد أو نحو ذلك.
ويرادفه الشكل، يقال: شكل الكتاب، إذا أعجمه، أي: قيده بما يزيل عنه الإشكال والالتباس١.
وأما النقط: هو مأخوذ من نقط الحرف ينقطه نقطا، والاسم النقطة، والجمع النقط، ونقط المصاحف تنقيطا فهو نقاط٢.
والنقط قسمان:
أحدهما: نقط الإعراب، وهو العلامات الدالة على ما يعرض للحرف من حركة أو شد أو مد أو سكون أو تنوين، وهو بذلك يكون مرادفا لمعنى الضبط والشكل.
وثانيهما: نقط الإعجام، وهو الذي يدل على ذوات الحروف ويميز بينها.
أسبابه:
من المعلوم أن المصاحف في بداية كتابتها كانت غير منقوطة ولا مشكولة، وكان الناس لا يجدون مشقة في قراءتها والتفريق بين الكلمات وإن تشابهت الحروف، بسبب فطرتهم العربية السليمة، وتلقيهم للقرآن الكريم مشافهة من
_________________
(١) ١ المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية "١/ ٤٩١" ط. الدوحة. ٢ لسان العرب "٩/ ٢٩٤" مادة "نقط".
[ ٨٧ ]
رسول الله -ﷺ- ومن الصحابة الذين تلقوا عنه -ﷺ.
فلما اتسعت بلاد المسلمين، وكثر الأعاجم الداخلون في الإسلام، بدأ اللحن يتطرق إلى ألسنة الناس، وظهر ذلك في قراءة بعضهم للقرآن الكريم، فاقتضى الأمر وضع علامات تساعد على النقط السليم لكلمات القرآن دون المساس بالرسم العثماني.
روى أبو عمرو الداني "ت٤٤٤هـ" عن محمد بن القاسم الأنباري قال: حدثني أبي قال: حدثنا أبو عكرمة قال: قال العتبي: "كتب معاوية -﵁- إلى زياد، يطلب عبيد الله ابنه، فلما قدم عليه كلمه، فوجده يلحن، فرده إلى زياد، وكتب إليه كتابا يلومه فيه، ويقول: أمثل عبيد الله يضيع؟ فبعث زياد إلى أبي الأسود الدؤلي "ت٦٩هـ" فقال: يا أبا الأسود، إن هذه الحمراء "أي: الأعاجم" قد كثرت، وأفسدت من ألسن العرب، فلو وضعت شيئا يصلح به الناس كلامهم، ويعربون به كتاب الله تعالى؟
فأبى ذلك أبو الأسود، وكره إجابة زياد إلى ما سأل.
فوجه زياد رجلا فقال له: اقعد في طريق أبي الأسود، فإذا مر بك فاقرأ شيئا من القرآن، وتعمد اللحن فيه، ففعل ذلك، فلما مر به أبو الأسود رفع الرجل صوته فقال: " أن الله برئ من المشركين ورسولِهِ"١.
فاستعظم ذلك أبو الأسود، وقال: عز وجه الله أن يبرأ من رسوله. ثم رجع من فوره إلى زياد، فقال: يا هذا، قد أجبتك إلى ما سألت ورأيت أن أبدأ بإعراب القرآن، فابعث إلي ثلاثين رجلا، فأحضرهم زياد، فاختار منهم أبو الأسود عشرة، ثم لم يزل يختار منهم، حتى اختار رجلا من عبد القيس، فقال: خذ المصحف وصبغا يخالف لون المداد٢، فإذا فتحت شفتي فانقط
_________________
(١) ١ الآية الثالثة من سورة التوبة وهي ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ برفع ﴿وَرَسُولُهُ﴾ ومعناه: أن الله برئ من المشركين ورسوله كذلك برئ منهم، والرجل قرأها بجر "ورسوله" ليلفت نظر أبي الأسود الدؤلي إلى خطورة اللحن في القرآن الكريم، ويكون معناها أن الله برئ من المشركين ومن رسوله، وهو خطأ وغير مراد. ٢ أي: لونا يخالف لون المصحف.
[ ٨٨ ]
واحدة فوق الحرف، وإذا ضممتهما فاجعل النقطة إلى جانب الحرف، وإذا كسرتهما فاجعل النقطة في أسفله، فإذا أتبعت شيئا من هذه الحركات غنة فانقط نقطتين١.
فابتدأ بالمصحف حتى أتى على آخره٢.
وظل ما فعله أبو الأسود هكذا يتلقاه العلماء، حتى جاء عصر الدولة العباسية، وظهر العالم الجليل: الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري المتوفى سنة "١٧٠هـ" فأخذ نقط أبي الأسود وأدخل عليه بعض التحسينات، فجعل علامة الفتح ألفا صغيرة مبطوحة، لأن الفتحة إذا أشبعت تولد منها ألف، وجعل علامة الضمة واوا صغيرة، وعلامة الكسرة ياء صغيرة، وجعل علامة للتشديد هي رأس شين، وعلامة للسكون هي رأس خاء، وأخرى للهمز، وعلامة للاختلاس والإشمام وهكذا٣.
نقط الإعجام:
تقدم أن نقط الإعجام هو الذي يدل على ذوات الحروف ويميز بينها.
ونقط الإعراب هو المرادف للشكل، وهو الذي وضعه أبو الأسود -كما تقدم.
واستمر الأمر على ما فعله أبو الأسود، حتى كانت خلافة عبد الملك بن مروان "ت بعد ١٣٣هـ" وتفشى اللحن وانتشر على ألسنة كثير من الناس، فأمر عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفي "ت٩٥هـ" وإليه على العراق أن يعمل جاهدا على إبعاد أسباب اللحن والتحريف عن القرآن٤.
_________________
(١) ١ يريد بالغنة: التنوين. ٢ المحكم لأبي عمرو الداني ص٣-٤. والذي تجدر الإشارة إليه هنا أن أبا الأسود الدؤلي كان رجلا ضريرا، ولذلك طلب من زياد أن يختار له عددا من العلماء يقومون بتنفيذ هذا العمل. ٣ انظر: الإتقان للسيوطي "٤/ ١٦٢". ٤ ولعل السبب في اختيار الحجاج لهذه المهمة: هو أن العراق يومئذ كانت موطن كثير من العلماء.
[ ٨٩ ]
فندب الحجاج لهذه المهمة عالمين من أبرز علماء اللغة بالعراق وهما: يحيى بن يعمر "ت. ق٩٠هـ" ونصر بن عاصم "ت٩٠هـ"، لما لهما من يد طولى في فهم أسرار العربية وإتقان فنون القراءات، فقاما بنقط الحروف المتشابهة في الرسم، للتمييز بينها، وكتبت هذه النقط بمداد لونه لون المداد الذي كتب به المصحف، حتى يكون مخالفا لنقط أبي الأسود الدؤلي، وكان لا يزال على حاله، إلى أن غيره الخليل بن أحمد -فيما بعد- كما تقدم في نقط الإعراب١.
وبهذا يتبين أن نقط الإعراب الذي بدأه أبو الأسود الدؤلي كان متقدما على نقط الإعجام، وأن التحسينات التي أدخلها الخليل بن أحمد على نقط الإعراب كانت متأخرة عنهما.
تقسيم المصحف:
قام المتأخرون بوضع أرقام الآيات، وتقسيم المصحف إلى أجزاء، حفزا للهمم، وتنشيطا لحفظة القرآن الكريم والمتعبدين به، خاصة في شهر رمضان، فالكثيرون من المسلمين يختمونه في صلاة التراويح.
روى الترمذي بسنده عن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: قلت: يا رسول الله، في كم أقرأ القرآن؟ قال: "اختمه في شهر" قلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: "اختمه في عشرين" قلت إني أطيق أفضل من ذلك. قال: "اختمه في خمسة عشر". قلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: "اختمه في عشر". قلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: "اختمه في خمس" قلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: فما رخص لي. قال الترمذي: حديث حسن صحيح٢.
فتحقيقا لهذا الغرض قام بعض العلماء بتقسيم المصحف إلى ثلاثين قسما، كل قسم منها يسمى جزءا، والجزء ثمانية أرباع، ثم قسموا الجزء إلى حزبين، كل حزب أربعة أرباع، وكل ربع عشرين.
_________________
(١) ١ انظر: المحكم ص٨٧. ٢ سنن الترمذي "٤/ ٢٦٥"ط. المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.
[ ٩٠ ]
وعلى هذا التقسيم جرى عمل المشارقة.
أما المغاربة: فلهم تقسيم آخر يختلف عن التقسيم السابق باجتهاد منهم ولأغراض أخرى.
وبجانب ذلك قام فريق من العلماء بوضع علامات للوقف والوصل، إعانة للقارئ على فهم آيات القرآن الكريم وتدبر معانيه، فالوقف على ما تم معناه، ووصل ما لم يتم معناه له أثر كبير في الفهم والتدبر.
كما وضعت علامات جانبية للدلالة على الكلمات التي يسجد عندها القارئ والسامع، مع وضع خط أفقي فوق الكلمة التي هي موضع السجود.
وقد اختلف العلماء في أول من قام بهذا العمل، من تقسيم المصحف وتوابعه:
فقيل: إن الذي أمر به هو: المأمون العباسي المتوفى سنة ٢١٨هـ.
وقيل: إن الذي أمر به هو: الحجاج بن يوسف الثقفي -أيضا- باجتهاد من العلماء في هذا التقسيم، ولذلك نجد ابتداء الربع أو الحزب في وسط بعض القصص، أو الأحكام المتعلق بعضها ببعض، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ بسورة النساء، فإن هذه الآية متممة للمحرمات من النساء في قوله تعالى -قبلها- ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ومعناه: أن الله تعالى حرم التزوج بالمحصنة، وهي المتزوجة -في هذا المقام- وهذا هو الدليل على أن المرأة لا تتزوج بأكثر من واحد في وقت واحد.
وقد يسرت الطباعة الحديثة نشر ما لا يحصى من المصاحف، بعد أن كانت تنسخ بخط اليد.
وكان أول مصحف يطبع هو المصحف الذي أشرف على طبعه "هنكلمان" في مدينة هامبورج بألمانيا سنة ١١٠٦هـ ١٦٩٤م تقريبا، وتوجد منه نسخة في دار الكتب المصرية تحت رقم "١٧٦مصاحف" ونسخة أخرى في مكتبة جامعة القاهرة١.
_________________
(١) ١ انظر: مناهل العرفان "١/ ٤٠٣"، مباحث في علوم القرآن صبحي الصالح "ص٩٩"، رسم المصحف غانم قدوري ص٦٠١-٦٠٢.
[ ٩١ ]
وتوالت طباعة المصاحف، منذ ذلك التاريخ، ودخلت البلاد الإسلامية، فظهرت المصاحف المطبوعة في دار الخلافة العثمانية ومصر والهند وغيرها من البلاد الإسلامية.
وقد اشتهر بمصر في أوائل القرن الرابع عشر الهجري مصحف كتبه رضوان بن محمد الشهير بالمخللاتي، صاحب كتاب "إرشاد القراء والكاتبين إلى معرفة رسم الكتاب المبين" طبع هذا المصحف سنة "١٣٠٨هـ ١٨٩٠م" والتزم كاتبه بخصائص الرسم العثماني والضبط الذي أشرنا إليه من قبل.
وفي سنة ١٣٣٧هـ شكلت لجنة من قبل مشيخة الأزهر للإشراف على طبع المصحف الشريف على ما يوافق رواية حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي الكوفي لقراءة عاصم بن أبي النجود الكوفي التابعي، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي، عن عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، عن النبي -ﷺ.
وكان هذا المصحف قد كتبه الشيخ محمد علي الحسيني الشهير بالحداد بخطه.
وكانت هذه اللجنة مكونة منه ومن الأساتذة: حفني ناصف، ومصطفى عناني، وأحمد الإسكندري -رحمهم الله تعالى١: وظهرت أول طبعة لهذا المصحف سنة "١٣٤٢هـ ١٩٢٣م" والمصاحف التي أشرنا إليها كانت مضبوطة على القواعد التي وضعها الخليل بن أحمد وأتباعه من المشارقة.
وبجانب ذلك كانت هناك مصاحف أخرى في بلاد المغرب العربي، تختلف في طريقة الضبط -نوعا ما- مثل: جعل علامة الهمزة المحققة نقطة صفراء، والمسهلة نقطة حمراء، وعلامة الحرف الزائد دائرة حمراء فوقه وهكذا.
وتوالت -بعد ذلك- لجان الإشراف على طباعة المصحف الشريف في
_________________
(١) ١ مباحث في علوم القرآن لصبحي الصالح ص٩٩، والصفحة "س" من التعريف بالمصحف المذكور، ورسم المصحف لقدوري ص٦٠٤.
[ ٩٢ ]
سائر البلاد الإسلامية.
وكانت في مصر تسند رئاسة هذه اللجنة إلى شيخ عموم القراء، واستمر ذلك حتى عهد الشيخ علي محمد الضباع المتوفى سنة "١٣٧٦هـ ١٩٥٦م" ثم اسندت إلى مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، وقد شرفت بالعمل بها مدة طويلة تحت رئاسة شيخنا الشيخ عبد الفتاح عبد الغني القاضي -رحمه الله تعالى- المتوفى سنة "١٤٠٣هـ".
وقد اصطلحت هذه اللجنة على العلامات الدالة على الضبط واصطلاحاته في صورته الأخيرة ووضعت في آخر كل مصحف ليرجع إليها. وقد ألحقتها بآخر هذا البحث لتكون دليلا لكل من يقرأ القرآن الكريم.
[ ٩٣ ]