الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هديه وسار على منهاجه إلى يوم الدين.
وبعد:
فالقرآن الكريم هو آخر الكتب المنزلة من عند الله تعالى لهداية الخلق، وإرشاد الناس إلى صراط الله المستقيم.
إنه -مع السنة النبوية الشريفة- منهج الله تعالى في صورته الأخيرة حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ولما كانت الكتب السابقة موقوتة بوقت محدد، وبأناس معينين، فقد شاء الله تعالى أن ينالها التحريف والتبديل، حتى يكون ذلك دليلا على عدم صلاحيتها للاستمرار والدوام.
ومن هنا تكفل الحق -﵎- بحفظ القرآن الكريم من أن يناله ما نال الكتب السابقة من هذا التحريف.
قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١ كما هيأ -جل شأنه- الأمة التي شرفت بنزول القرآن إليها أن تتحمل مسئولية الحفاظ على هذا الكتاب المجيد، باعتبارها خير أمة أخرجت للناس، وأنها تأتي يوم القيامة شاهدة على الأمم السابقة وما فعلت مع أنبياء الله تعالى ورسله، وما غيرت وحرفت من منهج الله تعالى.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ٢، ٣.
فمنذا بدأ نزول القرآن على رسول الله ﷺ كان ﷺ يتلقى ما يوحى إليه من
_________________
(١) ١ الحجر: ٩. ٢ أي: خيارا، أو متوسطين معتدلين. ٣ البقرة: ١٤٣.
[ ٥ ]
ربه -جل وعلا- فيحفظه ويعيه، ثم يبلغه لأصحابه -﵃- فيحفظونه كذلك، ويحفظونه لغيرهم كما سمعوه من رسول الله -ﷺ- مجودا مرتلا، عملا بتوجيه الله تعالى في قوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ ١.
ومع أن الأمة العربية التي شرفت بنزول القرآن الكريم بلغتها كانت تعتمد على الحفظ أكثر من اعتمادها على الكتابة، إلا أن رسول الله ﷺزيادة في التوثيق- اتخذ له كُتَّابا يكتبون له ما ينزل به الوحي، ومنهم: الخلفاء الأربعة، وأبان بن سعيد، وأبي بن كعب، وثابت بن قيس، وخالد بن الوليد، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان -﵃ جميعا.
فكان كلما نزلت آية أو آيات أمرهم -ﷺ- بكتابتها، بعد أن يدلهم على موضعها من السورة، فيقول لهم: "ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا، قبل كذا وبعد كذا " ٢ كما كان سائر الصحابة يكتبون لأنفسهم مثل ذلك، متحرين الدقة والأمانة في كل ما يقرءون أو يكتبون: فكانوا إذا تماروا٣ في الآية يقولون: إنه أقرأ رسول الله -ﷺ- هذه الآية فلان بن فلان، وهو على رأس أميال من المدينة، وفي رواية: على رأس ثلاث ليال، فيبعث إليه من المدينة، فيجيء، فيقولون: كيف أقرأك رسول الله -ﷺ- آية كذا وكذا؟
فيقول: كذا وكذا. فيكتبون كما قال٤.
وكانوا يكتبون ذلك على عسب السعف -وهو الطرف العريض من جريد النخل- والألواح من أكتاف الغنم وغيرها من العظام الطاهرة، والرقاع -وهي الجلود- واللخاف -وهي الحجارة العريضة البيض التي تشبه الألواح- وغير ذلك من الوسائل التي كانت متيسرة حينذاك.
_________________
(١) ١ المزمل: ٤. ٢ رواه أبو داود في سننه بنحوه في كتاب الصلاة، باب من جهر بها، أي بالبسملة، والترمذي في أبواب التفسير، في تفسير سورة التوبة، وقال: حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث عوف عن يزيد الفارسي عن ابن عباس، والإمام أحمد في المسند "١/ ٥٧، ٥٩"، والنسائي في فضائل القرآن، والحاكم في المستدرك "٢/ ٢٢١-٢٢٢"، وأبو داود في المصاحف "١/ ٢٣٠". ٣ تماروا: أي تجادلوا. ٤ انظر: المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار لأبي عمرو الداني ص٨.
[ ٦ ]
ولم يلحق الرسول -ﷺ- بالرفيق الأعلى إلا والقرآن كله محفوظ في صدره وبعض الصحابة -﵃- ومكتوب في السطور، حسب الطريقة التي أشرنا إليها، غير أنه لم يكن مجموعا في موضع واحد، ولا مرتبَ السور، ولكن الصحابة -﵃- كانوا يعرفون ترتيبها حسبما بين لهم رسول الله -ﷺ.
ولعل الحكمة في ذلك هي: أن القرآن كان لا يزال ينزل على رسول الله -ﷺ- إلى ما قبل وفاته بأيام، وكانت هناك آيات تنزل بنسخ بعض الآيات الأخرى، فلو أمر -ﷺ- بجمعه وترتيبه، لأدى ذلك إلى الاختلاف والاختلاط فحفظه الله تعالى في القلوب إلى انقضاء زمن النسخ، حتى جمع في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق -رضي الله عنه١.
ولما كثرت الفتوحات الإسلامية في عهد الخليفة الثالث "عثمان بن عفان" -﵁- وكان أهل كل بلد يأخذون بقراءة من اشتهر بينهم من الصحابة، وكانوا حينما يلتقون في بعض المجامع ينكر بعضهم على بعض ما يسمعونه من وجوه القراءات التي لم يتلقوها، وكادت تحدث فتنة، فتدارك "عثمان" هذا الأمر، وأمر بنسخ مصاحف متعددة من المصحف الذي جمع في عهد الخليفة الأول "أبي بكر" -﵁- وأرسل هذه المصاحف إلى الأمصار المختلفة.
وقد كتبت هذه المصاحف بطريقة تخالف الرسم الإملائي في بعض الكلمات كما سنبين ذلك -إن شاء الله تعالى- فأطلق على هذا الرسم "الرسم العثماني" نسبة إلى "عثمان بن عفان" -﵁.
ولما كثر الداخلون في الإسلام -من غير العرب- في عهد معاوية بن أبي سفيان" -﵁- وتفشى اللحن في الكلام العربي، وخشي أن يتطرق اللحن إلى القرآن الكريم، اقتضى الأمر وضع علامات تساعد على النطق السليم، دون المساس بالرسم العثماني، وأطلق على هذه العلامات: نقط الإعراب ونقط الإعجام -كما سيأتي.
وأدخل على هذه العلامات بعض التحسينات حتى وصلت إلى ما هي عليه
_________________
(١) ١ انظر: صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن.
[ ٧ ]
الآن في المصاحف.
ومن حين لآخر تظهر بعض الأصوات منادية بكتابة المصحف بالرسم الإملائي، بحجة أن الناس لا تستطيع القراءة في المصاحف بالرسم العثماني!
فأردت أن أوضح -في هذا البحث- موقف العلماء من هذه القضية، وهل كتابة المصحف بالرسم العثماني توقيفية لا يجوز مخالفتها، أو أنها ليست توقيفية، فيجوز الاجتهاد فيها وكتابة المصحف بما يتفق وقواعد الإملاء الحديثة؟
وسوف يشتمل البحث على النقاط التالية:
الكتابة العربية وعلاقتها بالرسم العثماني.
جمع القرآن في عهد أبي بكر: أسبابه وطبيعته.
نسخ المصاحف في عهد عثمان: أسبابه وطبيعته.
عدد المصاحف التي أرسلها عثمان -﵁- إلى الأمصار.
كيفية اشتمال المصاحف العثمانية على الأحرف السبعة.
ظواهر الرسم العثماني وموقف العلماء منها.
هل الرسم العثماني توقيفي أو اصطلاحي؟
قرارات المجامع الفقهية حول قضية الرسم العثماني.
الضبط: مفهومه وأسبابه.
تقسيم المصحف وأسبابه.
خاتمة المطاف.
والله تعالى أسأل أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به أهل القرآن والعاملين به إنه جواد كريم.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
الدكتور/ شعبان محمد إسماعيل
مكة المكرمة في: ١٤١٧هـ-١٩٩٧م.
[ ٨ ]