تمهيد:
جاء في صحيحي البخاري ومسلم: عن ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: "أقرأني جبريل على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف" ١.
فنزول القرآن الكريم على سبعة أحرف ثابت بالسنة الصحيحة المتواترة، ولا نزاع في ذلك.
وقد كان -ﷺ- يقرأ بهذه الأحرف كلها، إلا أن الصحابة -﵃- لم يتلقوا هذه الأحرف جميعها، فمنهم من أخذ بحرف من هذه الأحرف، ومنهم من أخذ بحرفين، ومنهم من زاد على ذلك، فلما تفرقوا في البلاد، أخذ التابعون عنهم حسبما أخذوا عن رسول الله ﷺ، ولذلك اختلف الناقلون للقراءات، فمنهم من نقل قراءة معينة، ومنهم من لم ينقلها، لأنه لم يسمعها ممن أخذ عنه.
وكان أهل كل بلد أو إقليم يأخذون بقراءة من اشتهر بينهم من الصحابة، فأهل الشام يأخذون بقراءة "أبي بن كعب"، وأهل الكوفة بقراءة "عبد الله بن مسعود"، وغيرهم بقراءة "أبي موسى الأشعري" وهكذا٢.
ورغم علم المسلمين أن هذه القراءات إنما هي أوجه متعددة لقراءة بعض الكلمات، نزلت رخصة وتيسيرا من الله ﷿، رحمة بالأمة، إلا أنه مع توالي الأيام ومرور الزمن، وقر في نفوس أهل كل إقليم أن قراءتهم هي الأصح والأولى، مما جعلهم ينكرون على غيرهم قراءتهم حينما يلتقون في مواطن الجهاد والأحفال.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في فضائل القرآن: باب أنزل القرآن على سبعة أحرف حديث رقم "٤٩٩١"، ومسلم في صلاة المسافرين: باب بيان أن القرآن على سبعة حروف "٢٧٢/ ٨١٩". ٢ انظر: المصاحف "١/ ١٩٠".
[ ١٥ ]
الأمر الذي أدى إلى نسخ المصاحف، مع الأسباب الأخرى.
الأسباب الذي أدى إلى نسخ المصاحف، مع الأسباب الأخرى:
يمكن تلخيص تلك الأسباب في الأمور الآتية:
أولا: اختلاف أهل الأمصار والأقاليم في القراءات، كما تقدم في التمهيد:
روى البخاري بسنده عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه، أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت "ت٤٥هـ" وعبد الله بن الزبير "ت٧٣هـ" وسعيد بن العاص "ت٥٨هـ"، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام "ت٤٣هـ"، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة١: إذا اختلفتهم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما نزل بلسانهم٢. ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى
_________________
(١) ١ وهم: عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام. ٢ أي: "الذي نزل به القرآن أولا، وهو الحرف الذي طلب النبي -ﷺ- الزيادة عليه في الحديث الشريف: "أقرأني جبريل على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف" رواه البخاري ومسلم. فقد نزل جبريل بحرف قريش أولا، ثم كان يأتي بالحروف في عرضاته القرآن مع النبي -ﷺ- كل عام في رمضان، فكان الله تعالى ينزل في هذه العرضات ما شاء أن ينزل من ألفاظ اللغات الأخرى التي تدعو الحاجة إليها. نقل الإمام أبو شامة عن بعض الشيوخ أنه قال: "أنزل القرآن أولا بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء، ثم أبيح للعرب أن يقرءوه بلغاتهم التي جرت عاداتهم باستعمالها، على اختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يكف أحد منهم الانتقال من لغة إلى أخرى للمشقة ". أو المراد من قوله: "فإنما بلسانهم": أكثره. أو ما اصطلحوا عليه من قواعد الكتابة، ولذلك روي أنهم اختلفوا في كتابة كلمة "التابوت" من قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ البقرة: ٢٤٨. هل تكتب بالتاء أو بالهاء، وقد رسمت بالتاء تمشيا مع مذهب قريش في الكتابة. انظر: كتاب المصاحف "١/ ٢٠٧-٢٠٨".
[ ١٦ ]
كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق١.
ثانيا: اختلاف المعلمين للقرآن:
فقد كان القراء المعلمون للقرآن الكريم يعلمون الغلمان ويقرئون تلاميذهم على حسب ما تلقوه من الأحرف، فنشأ -تبعا لذلك- جيل من أهل القرآن يقرءون بروايات مختلفة، ووقر في أذهانهم أن ما تلقوه هو الصحيح.
روى ابن جرير بسنده عن أبي قلابة قال: لما كان في خلافة عثمان، جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل٢، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون، حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين.
قال أبو أيوب: فلا أعلمه إلا قال: حتى كفر بعضهم بعضا بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان، فقام خطيبا فقال: "أنتم عندي تختلفون فيه وتلحنون، فمن نأى عني من أهل الأمصار أشد فيه اختلافا، وأشد لحنا، اجتمعوا يا أصحاب محمد، فاكتبوا للناس إماما".
قال أبو قلابة: "فحدثني أنس بن مالك قال: كنت فيمن يملى عليهم، قال: فربما اختلفوا في الآية فيذكرون الرجل قد تلقاها من رسول الله -ﷺ- ولعله أن يكون غائبا في بعض البوادي، فيكتبون ما قبلها وما بعدها، ويدعون موضعها حتى يجيء أو يرسل إليه، فلما فرغ من المصحف، كتب عثمان إلى أهل الأمصار: إني قد صنعت كذا وكذا، ومحوت ما عندي، فامحوا ما عندكم"٣.
ثالثا: أن بعض الصحابة -﵃- كانوا يكتبون لأنفسهم مصاحف خاصة مشتملة على الأحرف السبعة جميعها، وفيها بعض الأحرف التي نسخت بالعرضة الأخيرة، ولم يطلعوا على هذا النسخ، كما أنها كانت تشتمل على الألفاظ التي
_________________
(١) ١ صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، كما رواه الترمذي في سننه في أبواب تفسير القرآن "٤/ ٣٤٧-٣٤٨"، والبغوي بسنده عن الإمام البخاري وقال: هذا حديث صحيح، شرح السنة "٤/ ٥١٩-٥٢٠" والحافظ ابن كثير في فضائل القرآن ص٣٠-٣١، والسجستاني في المصاحف "١/ ٢٠٤". ٢ معناه: أن المعلم يقرئ تلاميذه حسب قراءة الصحابة، والآخر يقرئ حسب قراءة صحابي آخر وهكذا. ٣ انظر: جامع البيان للطبري "١/ ٢٠"، مباحث في علوم القرآن لصبحي الصالح ص٨١.
[ ١٧ ]
كانت من قبيل التفسير من رسول الله -ﷺ- فظلوا يحتفظون بهذه المصاحف لأنفسهم، مع مخالفتها لما جمعه أبو بكر ﵁.
ومن أشهر هذه المصاحف: مصحف أبي بن كعب، ومصحف عبد الله بن مسعود، ومصحف أبي موسى الأشعري، ومصحف المقداد بن عمرو وغيرهم.
فوجود هذه المصاحف، وقراءة أصحابها منها، وتعلم البعض منهم أدى إلى الاختلاف.
كل هذه العوامل وغيرها أدت إلى اختلاف المسلمين في القراءة وإلى التنازع حيثما يلتقون في بعض المواقع الحربية وغيرها، الأمر الذي دعا الخليفة الثالث عثمان بن عفان -﵁- أن يأمر بنسخ المصاحف من المصحف الذي كتبه الخليفة الأول أبو بكر الصديق -﵁- وإحراق ما عداه من المصاحف، سدا لباب الفتنة، واختلاف المسلمين في قراءة القرآن الكريم.
وما فعله عثمان -﵁- كان بمشهد من الصحابة -﵃- فأقروه عليه، ولم ينازع في ذلك أحد، فكان إجماعا منهم على صحة ما فعل١.
عدد المصاحف:
اختلفت الروايات في عدد المصاحف التي نسخت وأرسلت إلى الأمصار المختلفة:
فقد ذكر السجستاني -في إحدى الروايتين- أنها كانت سبعة، أرسل واحد منها إلى مكة، وآخر إلى الشام، وثالث إلى اليمن، ورابع إلى البحرين، وخامس إلى البصرة، وسادس إلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحد، وهو الذي احتفظ به عثمان -﵁- لنفسه، وكان يطلق على هذه النسخة: المصحف الإمام، باعتبار أن الخليفة هو المرجع للمسلمين جميعا، فهي أشبه بالنسخة الأصلية التي تكون في حوزة الدولة٢.
وفي رواية القرطبي: أن عثمان -﵁- وجه للعراق والشام بأمهات٣. ولم يوضح ذلك العدد.
_________________
(١) ١ البرهان "١/ ٢٤٠"، فضائل القرآن لابن كثير ملحق بالتفسير "٧/ ٤٤٦". ٢ انظر: كتاب المصحف "١/ ٢٤٢". ٣ الجامع لأحكام القرآن "١/ ٥٤".
[ ١٨ ]
بينما ينص أبو عمرو الداني أن المصاحف أرسلت إلى: المدينة، ومكة، والكوفة، والبصرة، والشام، وسائر العراق١.
وذكر السيوطي أن عددها خمسة، أرسلت إلى: مكة، والشام، والكوفة، والبصرة، والمدينة، بالإضافة إلى النسخة التي أبقاها عثمان -﵁- لنفسه، والتي عرفت بالمصحف الإمام٢.
ولم يكتف عثمان -﵁- بإرسال المصاحف إلى الأمصار، وإنما بعث مع كل مصحف واحدا من الصحابة يقرئ من أرسل إليهم المصحف، وغالبا ما كانت قراءة هذا الصحابي توافق ما كتب به المصحف، نظرا لوجود بعض الاختلافات بين هذه المصاحف -كما سيأتي.
فأمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمصحف المدني، وبعث عبد الله بن السائب مع المكي، والمغيرة بن شهاب مع الشامي، وأبا عبد الرحمن السلمي مع الكوفي، وعامر بن عبد القيس مع البصري٣.
وهذا ما يرجح الرواية التي تنص على أن المصاحف كانت خمسة.
وأيا كان الاختلاف في عدد النسخ، إلا أن الثابت أن هذه المصاحف بقيت متداولة، ينسخ الناس منها، حتى ظهرت دور الطباعة، وظهرت المصاحف المطبوعة بأشكالها المختلفة، وأحجامها المتعددة، وأطلق عليها: "المصاحف العثمانية" نسبة إلى "عثمان بن عفان" -﵁- لا باعتبار أنه نسخها بطريقة تختلف عن الطريقة التي كتبت بها في عهد الرسول -ﷺ- وعهد أبي بكر -﵁- وإنما لأنه هو الذي نسخ هذه المصاحف وأرسلها إلى الأمصار، فذاعت هذه المصاحف وانتشرت، وتلقاها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، وإلا فسيدنا "عثمان" -﵁- لم يبتكر خطا جديدا لكتابة المصاحف، وإنما تبع في ذلك نفس الخط الذي كتب به المصحف من قبل٤.
_________________
(١) ١ المقنع ص١٩. ٢ الإتقان "١/ ١٧٢". ٣ انظر: مناهل العرفان للزرقاني "١/ ٣٩٦-٣٩٧". ٤ رسم المصحف ونقطه للدكتور عبد الحي الفرماوي ص٧٧ط. مكتبة الجمهورية، القاهرة.
[ ١٩ ]