هذا الباب ليس في التيسير، وهو من عجيب التبويب في مثل هذا الباب؛ فإنه لم ينظم هذه القصيدة إلا لبيان مواضع خلاف القراء، لا لما أجمعوا عليه؛ فإن ما أجمعوا عليه أكثر مما اختلفوا فيه، فذكر ما أجمعوا عليه يطول، ولكن قد يعرض في بعض المواضع ما يختلفون فيه وما يجمعون عليه، والكل من باب واحد، فينص على الجمع عليه مبالغة في البيان، ولأن من هذا الباب ما أجمعوا على إظهاره في الأنواع كلها نحو: ﴿إِذْ قَالُوا﴾، ﴿قَدْ تَرَى﴾، و﴿قَالَتْ لِأُخْتِهِ﴾، ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُم﴾، ﴿بَلْ قَالُوا﴾، ﴿بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾، "بل أدركه".
وما أجمعوا على إدغامه وما اختلفوا فيه، فلما ذكر المختلف فيه بقي المجمع عليه، وهو منقسم إلى مدغم ومظهر، فنظم المدغم لقلته، فبقي ما عداه مظهرًا.
٢٧٤-
وَلاَ خُلفَ فِي الإِدْغَامِ إِذْ "ذَ"لَّ "ظ"ـاَلِمٌ وَقَدْ "تـ"ـيَّمَتْ "دَ"عْدٌ وَسِيمًا تَبَتَّلا
أي أدغموا ذال إذ في مثلها نحو: ﴿إِذْ ذَهَبَ﴾ .
وفي الظاء لأنها من مخرجها نحو: ﴿إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ .
وأدغموا دال قد في مثلها نحو: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾ .
[ ١ / ١٩٢ ]
وفي التاء لأنها من مخرجها نحو: ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي﴾ .
ولم يقع في القرآن إذ عند الثاء المثلثة ولا عند الطاء المهملة وإلا لوجب الإدغام للموافقة في المخرج، والوسيم الحسن الوجه، وتبتل أي انقطع، وكذلك لا خلاف في إظهار ذال إذ ودال قد عند خمسة أحرف يجمعها بل نفر.
٢٧٥-
وَقَامَتْ "تُـ"ـرِيِه "دُ"مُيْةٌ "طـ"ـيبَ وَصْفِهَا وَقُلْ بَلْ وَهَلْ "ر"اهَا "لَـ"ـبَيبٌ وَيَعْقِلا
أي ولا خلاف في إدغام تاء التأنيث في مثلها وفي الحرفين اللذين من مخرج التاء وهما الدال والطاء المهملتان نحو: ﴿رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ١، ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾ ٢، ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ﴾ ٣، ﴿أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ ٤، ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ ٥، ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ﴾ ٦.
والواو في وصفها فاصلة وقد تكررت، والدمية الصورة من العاج ونحوه وتشبه بها المرأة وجمعها دمى، ثم ذكر أن اللام من "هل" و"بل" واجبة الإدغام في مثلها نحو: ﴿بَل لَا تُكْرِمُونَ﴾، ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ﴾ .
وفي الراء؛ لقربها منها نحو: ﴿بَلْ رَانَ﴾، "هل رأيتم".
واللام من -قل- مثلهما في ذلك نحو: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ﴾، ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ﴾ .
فيجوز أن يكون قصد ذلك في قوله: "وقل، بل، وهل" أي لام هذه الكلمات الثلاث تدغم في مثلها وفي الراء ويجوز أن يكون لم يقصد ذلك وإنما وقع منه كلمة "وقل" تتميم للنظم كما وقع مثل ذلك في كلم عديدة من هذه القصيدة، وهذا الوجه هو الظاهر؛ لأن الباب معقود فيما اتفق عليه من إدغام ما سبق الخلاف فيه، والذي سبق ذكره من اللامات المختلف فيها هو لام بل وهل ولم يجمع هذا الباب ذكر جميع ما اتفق عليه ولهذا لم يذكر "قل" في ترجمة الباب.
فإن قلت: لم أدغم "هل ترى"، "بل تأتيهم"، ولم يدغم: ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾؟ قلت: لأن قل فعل قد أعل بحذف عينه فلم يجمع إلى ذلك حذف لامه بالإدغام من غير ضرورة و"بل" و"هل" كلمتان لم يحذف منهما شيء فأدغم لامهما، فإن قلت: فقد أجمعوا على إدغام "قل ربي" قلت لشدة القرب بين اللام والراء وبعد اللام من التاء والله أعلم.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، آية: ١٦. ٢ سورة الكهف، آية: ١٧. ٣ سورة الأعراف، آية: ١٨٩. ٤ سورة يونس، آية: ٨٩. ٥ سورة الصف، آية: ١٤. ٦ سورة آل عمران، آية: ٦٩.
[ ١ / ١٩٣ ]
وقوله: راها بألف بعد الراء أراد راءها بهمزة بعد الألف مقلوب رآها بألف بعد الهمزة وكلاهما لغة كقوله: ويلمه لو راءه مروان، فقصر الناظم الممدود من هذه اللغة، ونصب قوله: ويعقلا على جواب الاستفهام بالواو والله أعلم.
٢٧٦-
وَمَا أَوْلُ المِثْلَينِ فِيهِ مُسَكَّنٌ فَلاَ بُدَّ مِنْ إِدْغَامِهِ مُتَمَثِّلا
لما ذكر أن الذال من "إذ" والدال من "قد" وتاء التأنيث واللام من "بل" و"هل" تدغم كل واحدة في مثلها خاف أن يظن أن ذلك مختص بهذه الكلمات، فتدارك ذلك بأن عمم الحكم، وقال: كل مثلين التقيا وأولهما ساكن فواجب إدغامه في الثاني لغة وقراءة، وسواء كان ذلك في كلمة نحو: "يدرككم الموت" أو في كلمتين نحو: "ما تقدم"، ولا يخرج من هذا العموم إلا حرف المد نحو: ﴿وَأَقْبَلُوا﴾ ١، ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ .
فإنه يمد عند القراء ولا يدغم، وقرأت في حاشية نسخة قرئت على المصنف -﵀- قوله متمثلا يريد متشخصًا لا هوائيًّا واحترز بهذا عن الياء والواو إذا كانتا حرفي مد.
قلت: وهذا احتراز فيه بعد من جهة أن متمثلا غير مشعر بذلك إذا أطلق والله أعلم.
وفي: ﴿مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ ٢.
خلاف والمختار الوقف على ماليه فإن وصل لم يتأت الوصل إلا بالإدغام أو تحريك الساكن وقال مكي في التبصرة: يلزم من ألقى الحركة في: "كتابيهْ إني" أن يدغم: "ماليه هلك"؛ لأنه قد أجراها مجرى الأصلي حين ألقى الحركة وقدر ثبوتها في الوصل.
قال: وبالإظهار قرأت، وعليه العمل، وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
قلت: يعني بالإظهار أن يقف على "ماليه" وقفة لطيفة، وأما إن وصل فلا يمكن غير الإدغام أو التحريك وإن خلا اللفظ من أحدهما كان القارئ واقفا، وهو لا يدري بسرعة الوصل، وإن كان الحرفان في كلمة واحدة مختلفتين إلا أنهما من مخرج واحد نحو: "حصدتم"، و"وعدتم"، و"ألم نخلقكم"، و"إن طردتهم".
فالإدغام لكونهما من مخرج واحد في كلمة واحدة ذكره الشيخ في شرحه، وهذا مما يدل على أن الساكن من المثلين والمتقاربين أثقل من المتحرك؛ حيث أجمع على إدغام الساكن واختلف في إدغام المتحرك ونظير هذا ما تقدم من اجتماع الهمزتين والثانية ساكنة؛ فإنهم أوجبوا إبدالها، وإن كانت متحركة جوزوا تسهيلها ولم
_________________
(١) ١ سورة يوسف، آية: ٧١. ٢ سورة الحاقة، آية: ٢٩.
[ ١ / ١٩٤ ]
يوجبوه، وما ذكرناه من أن حرف المد لا يدغم قد ادعى فيه أبو علي الأهوازي الإجماع، فقال في كتابه الكبير المسمى بالإيضاح: المثلان إذا اجتمعا وكانا واوين قبل الأولى منهما ضمة أو ياءين قبل الأولى منهما كسرة فإنهم أجمعوا على أنهما يمدان قليلا ويظهران بلا تشديد ولا إفراط في التليين؛ بل بالتجويد والتبيين مثل: ﴿آمَنُوا وَكَانُوا﴾ ١، في يوسف: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ ٢.
قال: وعلى هذا وجدت أئمة القراءة في كل الأمصار، ولا يجوز غير ذلك فمن خالف هذا فقد غلط في الرواية وأخطأ في الدراية.
قال: فأما الواو إذا انفتح ما قبلها وأتى بعدها واو من كلمة أخرى فإن إدغامها حينئذ إجماع مثل: ﴿عَفَوْا وَقَالُوا﴾، ﴿عَصَوْا وَكَانُوا﴾، ﴿آَوَوْا وَنَصَرُوا﴾، ﴿اتَّقَوْا وَآَمَنُوا﴾ ونحو ذلك وذكر أن بعض شيوخه خالف في هذا والله سبحانه أعلم.
_________________
(١) ١ سورة يوسف، آية: ٥٧. ٢ سورة النساء، آية: ١٢٧.
[ ١ / ١٩٥ ]