﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ١ على أن أصله ها لم، ثم حذفت ألفها، فكذا: "ها أنتم".
٥٦٠-
وَيَقْصُرُ فِي التنْبِيهِ ذُو الْقَصْرِ مَذْهَبًا وَذُو الْبَدَلِ الوَجْهانِ عَنْهُ مُسَهِّلا
ذكر في هذا البيت تفريع ما يقتضيه الخلاف في البيت السابق على التقديرين: من أن الهاء للتنبيه أو بدل من همزة، ونبه بقوله: ويقصر على أن كلامه في من في قراءته ألف، فخرج من ذلك قنبل وورش؛ إذ لا ألف في قراءتهما والقصر والمد لا يكونان إلا في حرف من حروف المد فقال: إذا حكمنا بأن الهاء للتنبيه صار المد في ذلك على قراءة من أثبت الألف من قبيل المنفصل مثل: "وما لنا أن لا".
وذلك أن ها كلمة وأنتم كلمة أخرى فيقصر من مذهبه القصر ويمد من مذهبه المد فخرج من هذا أن للبزي والسوسي القصر ولقالون والدوري خلاف تقدم، لكن على رواية المد لهما يتجه ههنا خلاف آخر مأخوذ من قوله: وإن حرف مد قبل همز مغير البيت قد تقدم شرحه، والباقون على المد فقوله: وذو البدل يعني من ذكرنا أن الهاء في مذهبه بدل من الهمزة عنه وجهان في حال تسهيله فلا يكون ذلك إلا في مذهب الدوري وقالون على رواية أما السوسي فإنه من ذوي القصر مذهبا، وأما ورش فلا ألف في قراءته فلا مد، وعلى الوجه الآخر الذي أبدل فيه الهمزة ألفا: مده بمقدار نطقه بألف نحو قال وباع لا زيادة عليه بقي من ذوي البدل هشام فله المد قولا واحدا؛ لأنه ليس بمسهل وكل هذا تفريع على أن "ها" للتنبيه لأصحاب البدل وغيرهم أما إذا قلنا إن الهاء بدل من الهمزة فالكل مستوون في المد بمقدار ألف كما يقرءون: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ ٢.
وكما يقولون: قال وباع؛ لأنها ألف بين همزتين فليس هذا من المد المنفصل ولا المتصل، وقول الناظم وذو البدل وإن كان يعني به بدل الهاء من الهمز فلم يقل ذلك ليبني الخلاف على البدل؛ ذ لا مناسبة في ذلك، وإنما ذكره تعريفا لمن عنه الوجهان لا شرطا، فقال من ذكرنا: إن الهاء مبدلة من همزة في مذهبه إذا فرعنا على أنها أيضا في حقه للتنبيه هل يكون له مد نظر، إن كان مسهلا فوجهان؛ لأن الألف حرف مد قبل همز مغير وإن كان محققا مد بلا خلاف وهو هشام، هذا قياس مذهبهم وما يقتضيه النظم والمعنى فلا تختلف القراءة بالمد والقصر إلا على قولنا إن ها للتنبيه فما فرع الناظم إلا على هذا القول، ولم يفرع على قول البدل لوجهين؛ أحدهما: أن كون ها للتنبيه هو الأصح على ما اخترناه في شرح البيت السابق، الثاني: أنه ترك التفريع على ذلك لظهوره؛ لأنه لا يقتضي تفاوتا في المد للجميع؛ لأن التقدير تقدير: أنهم أدخلوا ألفا بين همزتين بعضهم جرى على أصله وبعضهم خالف في ذلك أصله وإدخال ألف بين همزتين لا يختلف في النطق
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب، آية: ١٨. ٢ سورة يس، آية: ١٠.
[ ١ / ٢٩٣ ]
٤٠٢-
وَأُمِّي وَأَجْرِي سُكِّنَا "دِ"ينُ "صُحْبَةٍ" دُعَاءِي وَآباءِي لِكُوفٍ تَجَمَّلا
أراد: ﴿وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ﴾، و﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا﴾ حيث جاء زاد على فتحهما ابن عامر وحفص، ونصب قوله: دين صحبة على أنه مصدر مؤكد مثل: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ و﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ .
والدين: العادة أي هي عادة صحبة إسكان ياءات الإضافة أي مذهبهم وطريقتهم وما يتدينون به في قراءة القرآن، وقيل نصبه على الحال من الإسكان المفهوم من قوله: سكنا أي أوقع الإسكان فيهما في حال كونه دين صحبة، وعبر في هذا الباب تارة بالفتح وتارة بالإسكان على قدر ما سهل عليه في النظم كما فعل في باب حروف قربت مخارجها عبر تارة بالإدغام وتارة بالإظهار، فمن أول الباب إلى هنا كان كلامه في الفتح، وفي هذا البيت وما بعده إلى انقضاء الكلام فيما بعده همزة مكسورة كلامه في الإسكان، وما بعد ذلك يأتي أيضا تارة فتحا وتارة سكونا، وتعبيره في هذا الباب بالإسكان أولى من تعبيره بالفتح؛ لأنه إذا قال فلان أسكن تأخذ لغيره بضد الإسكان وهو التحريك المطلق، والتحريك المطلق هو الفتح على ما تقرر في شرح الخطبة، وأما إذا قال: افتح فليس ضده أسكن إنما ضده عند الناظم اكسر، ولو قال: موضع الفتح حرك بفتح لصحت العبارة كما أن عادته أن يقول في الضم والكسر والفتح وحرك عين الرعب ضما ومحرك؛ ليقطع بكسر اللام، وليحكم بكسر، ونصبه بحركة؛ فإن ضد ذلك كله الإسكان لأجل لفظ التحريك وأما: ﴿دُعَائي إِلَّا﴾ في نوح١، ﴿مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ﴾ في يوسف٢ فأسكنهما الكوفيون فزاد على فتحهما ابن كثير وابن عامر، وقوله: لكوف متعلق بتجملا وهو خبر دعائي وآبائي والألف ضمير التثنية أي حسنا في نظرهم بالإسكان فأسكنوهما فقوله: تجملا بالجيم، ويأتي في سورة النساء بالحاء على ما نبينه إن شاء الله تعالى.
٤٠٣-
وَحُزْنِي وَتَوْفِيقِي "ظِـ"ـلاَلٌ وَكُلُّهُمْ يُصَدِّقْنِيَ انْظِرْنِي وَأَخَّرْتَنِي إِلى
﴿وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ و﴿مَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾: أسكنهما الكوفيون وابن كثير، فيكون قد زاد على فتحهما ابن عامر، وظلال جمع ظل أي هما ذوا ظلال لمن استظل بهما وهو المتصف بهما، وفقنا الله تعالى للحزن على ما فرطنا فيه من أعمارنا أي حزنه على ما سلف وتوفيق الله إياه لطاعته ظلال واقية من النار، ثم قال: وكلهم؛ أي: وكل القراء أسكنوا ستة ألفاظ ذكر في هذا البيت منها ثلاثة والباقي في البيت الآتي، وليست من جملة العدة السابقة والسبب في ذكره المتفق على
_________________
(١) ١ آية: ٦. ٢ آية: ٣٨.
[ ١ / ٢٩٤ ]
إسكانه هنا: هو ما ذكرناه عند ذكر ما اتفق على إسكانه فيما بعده همزة مفتوحة غير أنه في ذلك النوع بدأ بذكر المتفق على إسكانه وهنا ختم به هذا النوع وأراد: ﴿يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ﴾ في القصص١، ﴿أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ﴾ في الأعراف والحجر وص٢، ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ في آخر المنافقين٣، وأما قوله تعالى في سبحان: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٤ فمذكور في باب ياءات الزوائد وحكم ياءات الزوائد أن من أثبتها لا يفتحها إلا في المواضع المستثناة وهي ثلاثة في النمل والزمر والزخرف ففيهما اختلاف وسيأتي ذكر الذي في الزخرف آخر هذا الباب والذي في النمل والزمر في باب الزوائد.
فإن قلت: كيف يلفظ في البيت بقوله: "يصدقني"، "أنظرني"؟
قلت: يحتمل وجهين، وكلاهما لا يخلو من ضرورة: أحدهما بضم القاف على قراءة عاصم وحمزة فيلزم من ذلك وصل همزة القطع في: "أَنْظِرْنِي"، وحذف الياء؛ لالتقاء الساكنين والثاني بإسكان القاف على قراءة الجماعة فيلزم من ذلك فتح الياء وهي لم يفتحها أحد من القراء مع وصل همزة القطع ويجوز أن يعتذر عن هذا بأن يقال: لم يصل همزة القطع على هذا الوجه بل نقل حركة الهمزة إلى الياء كما تقول العرب: أبتغي أمره فالياء على هذا كأنها ساكنة في التقدير؛ لأن الفاء جاء من عارض نقل حركة الهمزة وليس الفتح من باب فتح ياء الإضافة.
فإن قلتَ: فحذف الهمزة من: "أَنْظِرْنِي" لا يقرأ به أحد.
قلتُ: حذف الهمزة لا بد منه في الوجهين المذكورين فما فيه إثبات الياء أولى مما فيه حذفها إلا أنه يعارض هذا أن فتح الياء قراءة وحذفها معلوم يوهم أنه؛ لالتقاء الساكنين فالوجهان متقاربان؛ لتعارض الكلام
_________________
(١) ١ آية: ٣٤. ٢ الأعراف، آية: ١٤، والحجر، آية: ٣٦، ص آية: ٧٩. ٣ آية: ١٠. ٤ آية: ٦٢.
[ ١ / ٢٩٥ ]
فيهما ويحتمل وجهًا ثالثًا بإسكان القاف وحذف الياء مع بقاء كسرة النون وتبقى همزة: "أَنْظِرْنِي" ثابتة مفتوحة بحالها، ويكون هذا أولى بالجواز من قوله قبل ذلك وقل: "فطرن" في هود فإنه حذف الياء من: "فَطَرَنِي" وأسكن النون فحذف الياء مع بقاء كسرة النون أولى.
٤٠٤-
وَذُرِّيَّتِي يَدْعُونَنِي وَخِطَابُهُ وَعَشْرٌ يَلِيهَا الهَمْزُ بِالضَّمِّ مُشْكَلا
أراد: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ﴾، ﴿مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ في يوسف١، وأراد بقوله: وخطابه أن يأتي هذا اللفظ بالتاء وهو موضعان في غافر: ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾، و﴿لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ فهذه أربع ياءات، وتقدم خمس فالمجموع تسع مجمع على إسكانها في ستة ألفاظ تكرر واحد مرتين، وهو: "تَدْعُونَنِي". بالخطاب وتكرر آخر ثلاثا وهو: "أَنْظِرْنِي".
ثم ذكر النوع الثالث فقال: وعشر أي وعشر ياءات تليها الهمزة المضمومة ومشكلا حال من الهمز يقال: شكلت الكتاب وأشكلته وقد تقدم ذكره في آخر باب الهمزتين من كلمتين والعشر قوله: ﴿إِنِّي أُعِيذُهَا﴾، ﴿إِنِّي أُرِيدُ﴾ في المائدة والقصص، ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ﴾، ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ في الأنعام والزمر٢، ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ﴾، ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾، ﴿أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾، ﴿إِنِّي أُلْقِيَ﴾؛ فتحها جميعا نافع وحده وأسكنها الباقون وأجمعوا على إسكان ياءين وقد ذكر ذلك في قوله:
_________________
(١) ١ آية: ٣٣. ٢ الآيتان: ٤١ و٤٣.
[ ١ / ٢٩٦ ]
٤٠٥-
فَعَنْ نَافِعٍ فَافْتَحْ وَأَسْكِنْ لِكُلِّهِمْ بِعَهْدِي وَآتُونِي لتَفْتَحَ مُقْفَلا
يريد قوله تعالى: ﴿بِعَهْدِي أُوفِ﴾، ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ﴾ .
وإنما ذكرهما للمعنى الذي ذكرناه في المفتوحة والمكسورة ولم يتعرض صاحب التيسير لذكر المجمع عليه من ذلك لا في التي قبل الهمزة المفتوحة ولا المكسورة ولا المضمومة، وكأنه اتكل على بيان المختلف فيه في آخر كل سورة، وحسنت المقابلة في قوله: لتفتح مقفلا بعد قوله: وأسكن، أي: لتفتح بابا من العلم كان مقفلا قبل ذكره والله أعلم.
٤٠٦-
وَفِي اللاَّمِ لِلتَّعْرِيفِ أَرْبَعُ عَشْرَةٍ فَإِسْكَانُهَا "فَـ"ـاشٍ وَعَهْدِي "فِـ"ـي "عُـ"لا
هذا النوع الرابع وهو ما بعده همزة وصل بعدها لام التعريف ومجموع الهمزة واللام عند قوم هو المعرف وتقدير قوله: وفي اللام أي وفي قبل اللام، فحذف المضاف للعلم به، ولو قال: وفي قبل اللام لكان على حذف الموصول تقديره وفي الذي قبل اللام وكل ذلك قد جاءت له نظائر في اللغة، ونون قوله: أربع عشرة ضرورة، كما قال العرجي:
فجاءت تقول الناس في تسع عشرة
وجوز الفراء الإضافة مع التنوين في الشعر قال في كتاب "المعاني" أنشدني أبو ثروان:
كلف من عنائه وشقوته بنت ثماني عشرة من حجته
قلت: فعلى هذا يجوز في بيت الشاطبي أربع عشرة برفع أربع وجر عشرة مع التنوين، فأسكن الأربع عشرة جميعها حمزة ووافقه غيره في بعضها، وقوله فاشٍ: أي منتشر شائع خلافا لما نقل عن الكسائي عن العرب من ترك ذلك وقد تقدم ذكره ووافق حفص حمزة على إسكان: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ .
٤٠٧-
وَقُلْ لِعِبَادِي "كَـ"ـانَ "شَـ"رْعًا وَفِي النِّدَا "حِـ"ـمًى "شَـ"ـاعَ آيَاتِي "كَـ"ـمَا "فَـ"ـاحَ مَنْزِلا
أراد: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وافق على إسكانها ابن عامر والكسائي، ووافق على إسكان عبادي إذا جاء بعد حرف النداء أبو عمرو والكسائي وذلك في موضعين: في العنكبوت: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾، وفي الزمر: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ ١، وهو ملبس بالتي في أول الزمر: ﴿يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ العنكبوت، آية: ٥٦ والزمر آية: ٥٣. ٢ آية: ١٠.
[ ١ / ٢٩٧ ]
وإنما لم يأت فيها خلاف؛ لأن الياء محذوفة منها في الرسم باتفاق، وإذا لم تكن ياء فلا فتح وأما: "آيَاتِي" ففي الأعراف: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ﴾ ١، وافق ابن عامر على إسكانها، وتقدير معنى البيت: كان إسكانه شرعا وهو في الندا حمى شاع، وفاح: أي تضوع وظهرت رائحته ومنزلا تمييز ثم عد هذه الأربع عشرة ياء فقال:
٤٠٨-
فَخَمْسَ عِبَادِي اعْدُدْ وَعَهْدِي أَرَادَنِي وَرَبِّي الَّذِي آتَانِ آياتِي الحُلا
٤٠٩-
وَأَهْلَكَنِي مِنْهَا وَفِي: ص مَسَّنِي مَعَ الأَنَبِيَا رَبِّي فِي الَاعْرَافِ كمَّلا
تقدم ذكر عهدي وآياتي وثلاثة من لفظ عبادي وبقي اثنان: ﴿عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ ﴿عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ وأما ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ﴾، فيأتي في باب الزوائد وأنث لفظ الخمس بحذف الهاء منه على تأويل إرادة الكلمات، وقوله: أرادني، أراد: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرّ﴾، ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي﴾، ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ .
في مريم٢ وأما: ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ .
فيأتي ذكره في باب الزوائد، والحلا جمع حلية وهي صفة للكلمات المذكورة وحذف الياء من آتاني ضرورة، ويجوز إثبات الياء وفتحها نقلا لحركة همزة آياتي إليها على حد قوله: ﴿حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾ .
ولو حذف الياء ثم وأثبت الهمزة لكان سائغا كما فعل هنا في: "آتان"، "آياتي".
فالحاصل: أن كل واحد من الموضعين يجوز فيه ما نظمه في الآخر ومنها: ﴿إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾، ﴿مَسَّنِيَ الضُّرّ﴾ في الأنبياء٣، ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ في ص٣، ﴿حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ في الأعراف٤، فهذه أربع عشرة ياء، وعدها صاحب التيسير ست عشرة فزاد ما في النمل والزمر:
_________________
(١) ١ آية: ١٤٦. ٢ آية: ٣٠. ٣ آية ٨٣. ٤ آية: ٤١.
[ ١ / ٢٩٨ ]
﴿آتَانِيَ اللَّهُ﴾، "فبشر عبادي الذين".
وإنما بين سورتي "مسني" دون سور باقي الياءات؛ لأن في الأعراف: ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ مجمعا على فتحه، وإنما عد الشاطبي ياءات هذا النوع دون الأنواع التي سبقت؛ لئلا تشتبه بغيرها نحو: ﴿شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ﴾، ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ﴾، ﴿بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾؛ لأنه لم يذكر المجمع عليه من هذا القسم؛ لكثرته فرأى عده أيسر عليه، والمجمع عليه من هذا القسم مفتوح، والمجمع عليه من ما مضى مسكّن، ثم ذكر النوع الخامس فقال:
٤١٠-
وَسَبْعٌ بِهَمْزِ الوَصْلِ فَرْدًا وَفَتْحُهُمْ أَخِي مَعَ إِنِّي "حَـ"ـقَّهُ لَيْتَنِي "حَـ"ـلا
أي وسبع ياءات إضافة بعدها همزة الوصل دون لام التعريف، فلهذا قال: فردا وهو حال من الهمز، ثم أخذ يذكرها واحدة بعد واحدة ولم يعمها بحكم لأحد كما فعل في الأنواع السابقة؛ لأن كل واحدة منها تختص برمز إلا واحدة وافقت أخرى في الرمز بهذا البيت فجمعهما، وبدأ بهما فقال: "أخي" مع إني أراد: ﴿أَخِي، اشْدُدْ﴾ في طه، فهمز الوصل بعدها في قراءة من فتحها وغيره، وهي همزة قطع في قراءة ابن عامر كما يأتي وفي الأعراف: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾، فتحهما ابن كثير وأبو عمرو وانفرد أبو عمرو بفتح: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ﴾، وهو يفتح الجميع وابن كثير يفتح ما عدا: ﴿يَا لَيْتَنِي﴾ في رواية البزي، ونافع يفتح ما عدا هذا البيت ثم تممها فقال:
٤١١-
وَنَفْسِي "سَمَا" ذِكْرِي "سَمَا" قَوْمِي "ا"لرِّضَا "حَـ"ـمِيدُ "هُـ"دًى بَعْدِي "سَمَا صَـ"فْوُهُ وِلا
_________________
(١) ١ النمل آية: ٣٦ والزمر آية: ١٧.
[ ١ / ٢٩٩ ]
أراد في طه: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي، اذْهَبْ﴾، ﴿وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي، اذْهَبَا﴾ ١، فتحهما مدلول سما، وكرر لهما الرمز من غير حاجة إلى تكريره سوى ضرورة النظم، وخرج منهم قنبل في فتح: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا﴾ في الفرقان٢ وزاد مع سما أبو بكر ففتحوا: ﴿مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾، والولاء بكسر الواو والمد: المتابعة ونصبه على التمييز: أي سمت متابعة صفوة.
٤١٢-
وَمَعَ غَيْرِ هَمْزٍ فِي ثَلاَثيِنَ خُلْفُهُمْ وَمَحْياَيَ "جِـ"ـي بالْخُلْفِ وَالْفَتْحُ "خُـ"ـوِّلا
وهذا النوع السادس الذي ليس بعده همز أصلا لا همز قطع ولا همز وصل، ثم شرع يذكرها واحدة بعد واحدة فبدأ بقوله تعالى: "وَمَحْيَايَ" في آخر الأنعام فالواو من جملة التلاوة لا عاطفة، فذكر أن قالون أسكنها، ولورش فيها خلاف، وفتحها الباقون وهو لأقيس في العربية فلذا قال: خولا أي ملك وإنما ضعف الإسكان لما فيه من الجمع بين الساكنين ولا يليق بفصاحة القرآن إلا ذلك، ألا ترى كيف أجمعوا على الفتح: "مَثْوَايَ"، و"هُدَايَ"، وكلاهما مثل: "مَحْيَايَ".
وشنع بعض أهل العربية على نافع -﵀- متعجبا منه: كيف أسكن: "مَحْيَايَ"، وفتح بعدها: "مَمَاتِي"، وكان الوجه عكس ذلك أو فتحهما معا، والظن به أنه فتحهما معا، وهو أحد الوجهين عن ورش عنه، وهي الرواية الصحيحة فقد أسندها أبو بكر بن مجاهد في كتاب الياءات عن أحمد بن صالح عن ورش عن نافع: الياء في: "مَحْيَايَ وَمَمَاتِي" مفتوحتان، وفي أخرى عن ورش قال: كان نافع يقرأ أولا محياي ساكنة الياء، ثم رجع إلى تحريكها بالنصب. قلتُ: فهذه الرواية تقضي على جميع الروايات؛ فإنها أخبرت بالأمرين، ومعها زيادة علم بالرجوع عن الإسكان إلى التحريك فلا تعارضها رواية الإسكان؛ فإن الأولى معترف بها، ومخبر بالرجوع عنها، وكيف وإن رواية إسماعيل بن جعفر وهو أجل رواة نافع: موافقة لما هو المختار، قال ابن مجاهد: أخبرني محمد
_________________
(١) ١ الآيتان: ٤١ و٤٢. ٢ آية: ٣٠.
[ ١ / ٣٠٠ ]
ابن الجهم عن الهاشم عن إسماعيل بن جعفر عن أبي جعفر وشيبة ونافع أنهم ينصبون الياء في: ﴿مَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ .
قلتُ: وهذه الآية مشتملة على أربع ياءات: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ .
فالأولتان ساكنتان بلا خلاف في هذه الطرق المشهورة، فكأن نافعا أسكن اثنتين وفتح اثنتين، ولا ينبغي لذي لب إذا نقل له عن إمام روايتان أحداها أصوب وجها من الأخرى أن يعتقد في ذلك الإمام إلا أنه رجع عن الضعيف إلى الأقوى، ولا يغتر بما ذكره الداني في كتاب الإيجاز من اختياره الإسكان، وذكر وجهه من جهة العربية؛ فإن غاية ما استشهد به قول بعض العرب التقت حلقتا البطان وله ثلثا المال بإثبات الألف فيهما، وهذا ضعيف شاذ لم يقرأ بمثله؛ ألا ترى أن الإجماع على أن الألف محذوفة من نحو هذا مثل: ﴿ادْخُلا النَّارَ﴾، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ .
وأما استشهاده بقراءة أبي عمرو: "والَّلاى" بإسكان الياء فسيأتي الكلام عليه في سورة الأحزاب وحكمه حكم: "مَحْيَاي".
وقول الناظم: جئ بالخلف أي ائت به، وانظر في اختلاف الروايات يَبِنْ لك الصواب إن شاء الله تعالى.
٤١٣-
وَ"عَمَّ عُلا" وَجْهِي وَبَيْتِي بِنُوحِ "عَـ"ـنْ "لِـ"ـوًى وَسِوَاهُ "عُـ"ـدْ "أَ"صْلًا "لِـ"ـيُحْفَلا
يريد: ﴿وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ في آل عمران١، ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ ٢ في الأنعام، ﴿بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ ٣ وسواه يعني سوى الذي في نوح وهو:
_________________
(١) ١ آية: ٢٠. ٢ آية: ٧٩. ٣ آية: ١٢٥.
[ ١ / ٣٠١ ]
﴿بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ في البقرة والحج١، وتقدير البيت: وعم فتح وجهي علا، وفتح بيتي وارد لواء؛ أي: عن ذي لواء وشهرة قصروه ضرورة كما قال:
لو كنت من هاشم أو من بني أسد أو عبد شمس أو أصحاب اللوى الصيدِ
يريد بأصحاب اللواء بني عبد الدار بن قصي. وقوله: عد أصلا أي عده أصلا لفتح الذي بنوح؛ ليتضح عذر من عمم الفتح للجميع يقال: حفلته أي جلوته، وحفلت كذا أي باليت به، وفلان محافل على حسبه إذا صانه.
٤١٤-
وَمَعْ شُرَكَاءِي مِنْ وَرَاءِي "دَ"وَّنُوا وَليِ دِينِ "عَـ"ـنْ "هَـ"ـادٍ بِخُلْفٍ "لَـ"ـهُ "ا"لحَلا
يريد: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا﴾، ﴿مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ﴾، ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ آخر سورة الكافرين، له أي للخلف، والحلا جمع حلية.
٤١٥-
مَمَاتِي "أَ"تَى أَرْضِي صِرَاطِي ابْنُ عَامِرٍ وَفِي النَّمْلِ مَالِي "دُ"مْ "لِـ"ـمَنْ "رَ"ـاقَ "نَـ"ـوْفَلا
لو أتى بهذا البيت بعد محياي كان أولى؛ لأنه يتصل الكلام في: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾، وأراد ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾، ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾، ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى﴾ .
وراق الشيء صفا، والنوفل: السيد المعطي وهذا الكلام مليح: أي دم نوفلا لمن راق، وصفا باطنه وظاهره.
٤١٦-
وَلِي نَعْجَةُ مَا كَانَ لِي اثْنَيْنِ مَعْ مَعِي ثَمَانٍ "عُـ"ـلًا وَالظُّلَّةُ الثَّانِ "عَـ"ـنْ "جِـ"ـلا
أي وفتح هذه المواضع علا واثنين حال من قوله ما كان لي يريد: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ﴾ في إبراهيم٢، ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ﴾ في ص٣، ومعي في ثمانية مواضع:
﴿مَعِيَ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ في الأعراف٤.
_________________
(١) ١ البقرة: ١٢٥ والحج، آية: ٢٦. ٢ آية: ٢٢. ٣ آية: ٦٩. ٤ آية: ١٠٥.
[ ١ / ٣٠٢ ]
﴿مَعِيَ عَدُوًّا﴾ في التوبة١.
﴿مَعِيَ صَبْرًا﴾ ثلاثة في الكهف٢.
﴿ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ في الأنبياء٣.
﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ في الشعراء٤.
﴿مَعِيَ رِدْءًا﴾ في القصص٥.
فَتَحَ الجميعَ حفصٌ وتابعه ورش على الثاني في سورة الظلة، وهي سورة الشعراء؛ لأن فيها: ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ يريد قوله تعالى في قصة نوح: ﴿وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٦؛ أي وحرف الظلة الثاني فتحه، عن جلا أي كشف وجلوت الشيء: كشفته.
٤١٧-
وَمَعْ تُؤْمِنُوا لِي يُؤْمِنُوا بِي "جَـ"ـاوَيَا عِبَادِيَ "صِـ"ـفْ وَالحَذْفُ "عَـ"ـنْ "شَـ"ـاكِرٍ "دَ"لا
يريد: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ في الدخان٧، ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ في البقرة٨ فتحهما ورش، ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾ في الزخرف٩، فتحها أبو بكر وحذفها عن شاكر دلا أي أخرج دلوه ملأى يشير إلى قوة مذهبهم
_________________
(١) ١ آية: ٨٣. ٢ الكهف آيات: ٦٧ و٧٢ و٧٥. ٣ آية: ٢٤. ٤ آية: ٦٢. ٥ آية: ٣٤. ٦ آية: ١١٨. ٧ آية: ٢١. ٨ آية: ٦٨. ٩ آية: ٦٨.
[ ١ / ٣٠٣ ]
لأن الياء حذفت في بعض المصاحف وحذفها في باب الندا أفصح من إثباتها وأسكنها الباقون، وقوله في الزمر: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ ١ ياؤها محذوفة في جميع المصاحف، وانضاف إلى ذلك أن حذفها في النداء أفصح لغة، فلهذا لم يأت فيها خلاف في حذفها من هذه الطرق المشهورة، وإن كان قد حكي إثباتها وفتحها في طرق أخرى.
٤١٨-
وَفَتْحُ وَلِي فِيهَا لِوَرْشٍ وَحَفْصِهِمْ وَمَا لِي فِي: يس سَكِّنْ "فَـ"ـتَكْمُلا
يريد: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾، ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ﴾؛ أسكنها حمزة وحده ونصب فتكملا على جواب الأمر بالفاء أي فتكمل معرفة مواضع الخلاف في هذا الباب والله أعلم.
_________________
(١) ١ آية: ١٦.
[ ١ / ٣٠٤ ]