مقدمة القصيدة:
"إبراز المعاني من حرز الأماني":
وقد أخبرني بهذه القصيدة عن ناظمها جماعة من أصحابه، وقرأتها على شيخنا أبي الحسن المذكور مرارا، وأخبرني أنه قرأها على ناظمها غير مرة، ومات -﵀- سنة تسعين وخمسمائة في جمادى الآخرة، ومولده في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة فيكون عمره أقل من اثنتين وخمسين سنة.
[ ١ / ٨ ]
قال -تغمده الله برحمته وجمع بيننا وبينه في جنته:
١-
بَدَأْتُ بِبِسْمِ اْللهُ فيِ النَّظْمِ أوَّلاَ تَبَارَكَ رَحْمَانًا رَحِيمًا وَمَوْئِلاَ
أي: قدمت لفظ: بسم الله الرحمن الرحيم في أول نظمي هذا يقال بدأت بكذا إذا قدمته فالباء الأولى لتعدية الفعل والثانية هي التي في أول البسملة: أي بدأت بهذا اللفظ. والنظم الجمع ثم غلب على جمع الكلمات التي انتظمت شعرا فهو بمعنى منظوم أو مصدر بحاله؛ واللام في النظم للعهد المعلوم من جهة القرينة وهي قائمة مقام الإضافة كقوله تعالى:
﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ ١.
أي أدنى أرض العرب أي في نظمي نزله منزلة المعروف المشهور تفاؤلا له بذلك أو أراد في هذا النظم نزله منزلة الموجود الحاضر فأشار إليه كقوله تعالى:
﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ٢.
أو يكون المصدر في موضع الحال أي منظوما وأولا نعت مصدر محذوف أي في أن نظمت نظما أول أي أنه مبتكر لم يسبق إليه وهو نظم قصيدة على روي واحد في مذاهب القراء السبعة موجزة بسبب ما اشتملت عليه من الرموز وقد تشبه به قوم في زماننا، فمنهم من سلك مسلكه مختصرا لها ومنهم من غير الرموز بغيرها ومنهم من نظم في مذاهب القراء العشرة، زاد رواية أبي جعفر المدني ويعقوب الحضرمي وخلف البزار فيما اختار والفضل للمتقدم الذي هو أتقى وأعلم فالألف في قوله أولا على هذا الوجه للإطلاق؛ لأنه غير منصرف، ويجوز أن تكون الألف بدلا من التنوين على أن يكون أولا ظرف زمان عامله بدأت أو النظم أي بدأت في أول نظمي "بسم الله" أو بدأت بسم الله في نظمي الواقع أولا فهو كقول الشاعر:
فساغ لي الشراب وكنت قبلا٣
والبركة كثرة الخير وزيادته واتساعه وشيء مبارك أي زائد نامٍ وما لا يتحقق فيه ذلك يقدر في لازمه وما يتعلق به كقوله تعالى:
﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ ٤، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ٥.
أي كثير خير ذلك وما يتعلق به من الأجر وتبارك تفاعل منه كتعاظم من العظمة وتعالى من العلو، وقيل إنه فعل لم يتصرف أصلا لا يقال يتبارك وغيره، ثم كمل لفظ البسملة بقوله رحمانا رحيما وزاد قوله وموئلا وهذا المعنى زاد دخول الواو فيها حسنا والموئل. المرجع والملجأ وهو وإن لم يكن لفظه ثابت الإطلاق على الله تعالى من حيث النقل فمعناه ثابت نحو:
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ ٦، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ سورة الروم، آية: ٣. ٢ سورة القصص، آية: ١٥. ٣ البيت ليزيد بن الصعق لا كما نسب إلى عبد الله بن يعرب، وأتى الشارح بصدره مستشهدا به وتمامه: أكاد أغص بالماء الفرات والصواب: الحميم. ٤ الأنبياء، آية: ٥٠. ٥ سورة الدخان آية: ٣. ٦ سورة يونس، آية: ٤. ٧ سورة فاطر، آية: ١٨.
[ ١ / ٩ ]
وانتصاب الثلاثة على التمييز أو الحال: أي تبارك من رحمن رحيم أو في حال كونه كذلك أو يكنَّ منصوبات على المدح وتم الكلام على تبارك، وهذا نحو قولهم: الحمد لله الحميد ويتعلق بهذا البيت أبحاث كثيرة ذكرناها في الكبير واستوفينا ما يتعلق بشرح البسملة في كتاب مفرد وغيره والله أعلم:
٢-
وَثَنَّيْتُ صَلَّى اللهُ رَبِّي عَلَى الِرَّضَا مُحَمَّدٍ الْمُهْدى إلَى النَّاسِ مُرْسَلاَ
أي ثنيت بصلى الله أي بهذا اللفظ كما قال بدأت ببسم الله أو على إضمار القول أي بقولي صلى الله أو ثنيت بالصلاة فقلت صلى الله فموضع صلى الله نصب على إسقاط الخافض في الوجه الأول وعلى أنه مفعول مطلق أو مفعول به إن قلنا إنه على إضمار القول وصلى الله لفظه خبر معناه دعاء والرضى بمعنى ذي الرضى أي الراضي من قوله تعالى:
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ١.
أو المرضي أي الذي ارتضاه الله تعالى أو الذي يرضيه يوم القيامة أي يعطيه ما يرضيه من الشفاعة وغيرها فيرضى، وقرئ قوله تعالى في آخر طه:
"لعلك تَُرضى"٢.
بفتح التاء وضمها جمعا بين المعنيين وقوله محمد بدل أو عطف بيان والمهدَى اسم مفعول من أهديت الشيء فهو مهدَى؛ لأن الله تعالى أهداه إلى خلقه تحفة لهم فأنقذ به من أسعده من النار وأدخله الجنة مع الأبرار، وعن الأعمش عن أبي صالح قال: كان النبي رسول الله -ﷺ- يناديهم:
"يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة".
أخرجه أبو محمد الدارمي في مسنده هكذا منقطعا، وروي موصولا بذكر أبي هريرة فيه وفي معناه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٣.
ومرسلا حال من الضمير في المهدَى، ويجوز أن يكون تمييزا كما سبق في تبارك رحمانا أي المهدى إرساله والله أعلم:
٣-
وَعِتْرَتِهِ ثُمَ الصَّحَابَةِ ثُمّ مَنْ تَلاَهُمْ عَلَى اْلأِحْسَانِ بِالخَيْرِ وُبَّلاَ
سئل مالك بن أنس -﵀- عن عترة رسول الله -ﷺ- فقال: هم أهله الأدنن وعشيرته الأقربون، وقال الجوهري: عترة الإنسان نسله ورهطه الأدنون.
قلت: وهو معنى قول الليث: عترة الرجل أولياؤه يعني الذين ينصرونه ويهتمون لأمره ويعنون بشأنه
_________________
(١) ١ سورة الضحى، آية: ٤. ٢ سورة طه، آية: ١٣٠. ٣ سورة الأنبياء، آية: ١٠٧.
[ ١ / ١٠ ]
وليس مراد الناظم بالعترة جمع من يقع عليه هذا الاسم من عشيرة النبي -ﷺ- وإنما مراده المؤمنون منهم وهم الذين جاء فيهم الحديث: "وإني تارك فيكم ثقلين: كتاب الله وعترتي" وفي رواية موضع عترتي: "وأهل بيتي".
وكأن ذلك تفسير للعترة وأهل بيته: هم آله من أزواجه وأقاربه، وقد صح: أن النبي -ﷺ- سئل عن كيفية الصلاة عليه فقال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد" وفي رواية: "على محمد وعلى أزواجه وذريته".
فكأنه فسر الآل بما في الحديث الآخر، فلهذا لما صلى على النبي صلى على عترته ثم على الصحابة وإن كان بعضهم داخلا في العترة؛ ليعم الجميع ثم على التابعين لهم بإحسان، ومعنى "تلاهم" تبعهم وقوله: "على الإحسان" أي على طلب الإحسان أو على طريقة الإحسان أو على ما فيهم من الإحسان أو يكون على بمعنى الباء كما يأتي في قوله: "وليس على قرآنه متأكلا" وفي تلا ضمير مفرد مرفوع مستتر عائد على لفظ من، و"وبلا" جمع وابل وهو المطر الغزير وأصله الصفة ولذلك جمع على فعل كشاهد وشهد وهو منصوب على الحال من أحد الضميرين في تلاهم: إما المرفوع العائد على التابعين وإما المنصوب العائد على الصحابة أي مشبهين الوبل في كثرة خيرهم أو يكون حالا منهما معا كقوله: لقيته راكبين فإن كان حالا من المرفوع المفرد فوجه جمعه حمله على معنى من وبالخير متعلق بوبلا من حيث معناه أي جائدين بالخير، ويجوز أن يتعلق بتلا أي تبعوهم بالخير على ما فيهم من الإحسان وإن جعلنا على بمعنى الباء كان قوله بالخير على هذا التقدير كالتأكيد له والتفسير والله أعلم:
٤-
وَثَلَّثْتُ أنَّ اْلَحَمْدَ لِلهِ دائِمًا وَمَا لَيْسَ مَبْدُوءًا بِهِ أجْذَمُ الْعَلاَ
وثلثت مثل ثنيت في أنه فعل يتعدى بحرف الجر فيجوز في أن بعدها الفتح والكسر فالفتح على تقدير بأن الحمد والكسر على معنى فقلت: إن الحمد لله ودائما بمعنى ثابتا وهو حال من الحمد أو من اسم الله أو نعت مصدر محذوف أي حمدا مستمرا وما مبتدأ وهي موصولة وليس مبدوءا به صلتها واسم ليس ضمير مستتر يعود على ما ومبدوءا خبرها والهاء في به عائدة على الحمد أو على اسم الله تعالى على تقدير بذكره أو باسمه وبه منصوب المحل بمبدوء أو مرفوع مبدوء ضمير عائد على ما أي وكل كلام ليس ذلك الكلام مبدوءا بالحمد "أجذم العلا" أي مقطوع الأعلى أي ناقص الفضل فأجذم خبر المبتدأ الذي هو ما والجزم أصله القطع والعلاء بفتح العين يلزمه المد وهو الرفعة والشرف وأتي به في قافية البيت على لفظ المقصور وليس هو من باب قصر الممدود الذي لا يجوز إلا في ضرورة الشعر بل يمكن حمله على وجه آخر سائغ في كل كلام نثرا كان أو نظما وذلك أنه لما وقف أسكن الهمزة ثم إنه قلبها ألفا فاجتمع ألفان فحذف أحدهما كما يأتي في باب وقف حمزة وهشام على نحو السماء والدعاء وهكذا نقول في كل ما ورد في هذه القصيدة من هذا الباب في قوافيها كقوله: "فتى العلا" "أحاط به الولا" "فتنجو من البلا" "وإن افتحوا الجلا" "بعد على الولا" "عن جلا" أما ما يأتي في حشو الأبيات كقوله: وحق لوى باعد ومالي سما لوى ويا خمس أجرى فلا وجه لذلك إلا أنه من باب قصر الممدود ثم يجوز في موضع العلا أن يكون مرفوعا ومنصوبا ومجرورا؛ لأن أجذم العلا من باب حسن الوجه فهو كما في بيت النابغة:
[ ١ / ١١ ]
أجب الظهر ليس له سنام١
يروى الظهر بالحركات الثلاث وأشار بما في عجز هذا البيت إلى حديث خرجه أبو داود في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم".
قال الخطابي: معناه المنقطع الأبتر الذي لا نظام له، قلت: وروي هذا الحديث مرسلا وروي: "أقطع" موضع: "أجذم" وروي: "لم يبدأ فيه بذكر الله ".
فتكون البسملة على هذا إذا اقتصر عليها مخرجة من عهدة العمل بهذا الحديث ولو أن الناظم -﵀- قال: وثنيت أن الحمد وثلثت: صلى الله لكان أولى تقديما لذكر الله تعالى على ذكر رسوله الله -ﷺ، ووجه ما ذكر أنه أراد أن يختم خطبته بالحمدلة فإن ذكر الله تعالى قد سبق بالبسملة فهو كقوله سبحانه في آخر سورة والصافات:
_________________
(١) ١ وقبله قوله: وتمسك بعده بذئاب عيس
[ ١ / ١٢ ]