هذا الباب أيضا من إدغام حروف قربت مخارجها. وأحكام جمع حكم وإنما جمع لأن للنون الساكنة والتنوين هنا أحكاما من الإظهار والإدغام والقلب والإخفاء، وقد أفردت لهما تصنيفا وقدم الكلام في الإدغام فقال:
وكلّهم التّنوين والنّون أدغموا بلا غنّة في اللّام والرّا ليجملا
أخبر أن القراء كلهم يعني السبعة أدغموا التنوين والنون الساكنة المتطرفة في اللام والراء من غير غنة نحو هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢] وثَمَرَةٍ رِزْقًا [البقرة: ٢٥] ولكِنْ لا يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٣] ومِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: ٥]، وقوله: ليجملا أي ليجملا في اللفظ بهما من غير كلفة وسيأتي بيان الغنة في باب مخارج الحروف.
وكلّ بينمو أدغموا مع غنّة وفي الواو واليا دونها خلف تلا
أخبر أن كل القراء السبعة أدغموا النون الساكنة والتنوين في حروف ينمو الأربعة وهي الياء والنون والميم والواو إدغاما مصاحبا للغنة فالياء نحو من يقول وبرق يجعلون والنون نحو من نور ويَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ [الغاشية: ٨]، والميم نحو مِمَّنْ مَنَعَ [البقرة: ١١٤] ومَثَلًا ما بَعُوضَةً [البقرة: ٢٦]، والواو نحو مِنْ والٍ [الرعد: ١]، وغِشاوَةٌ [البقرة: ٧]، [الجاثية: ٢٣]، ولهم وقوله وفي الواو واليا إلخ أخبر أن خلفا قرأ بإدغام النون الساكنة والتنوين في الواو والياء بدون غنة أي بغير غنة:
وعندهما للكلّ أظهر بكلمة مخافة إشباه المضاعف أثقلا
أمر ﵀ بإظهار النون الساكنة لكل القراء عندهما أي عند الياء والواو وإذا جاءت النون قبلهما في كلمة واحدة نحو الدنيا وبنيان وقنوان وصنوان فلا يدخل التنوين في ذلك لأنه مختص بالأواخر ثم علل بقوله مخافة أشباه المضاعف يعني أن النون الساكنة إذا وقعت
مع الياء والواو في كلمة واحدة وأدغمت النون فيهما فإنه يشبه المضاعف الذي أدغم فيه الحرف في مثله فيصير لفظ صنوان صوان وبنيان بيان فيقع الالتباس ولم يفرق السامع بين ما أصله النون وبين ما أصله التضعيف فأبقيت النون مظهرة مخافة أن يشبه المضاعف في حال كونه ثقيلا والمضاعف هو الذي في جميع تصرفاته يكون أحد حروفه الأصول مكررا نحو حيان ورمان وشبه ذلك.
[ ١٠١ ]
وعند حروف الحلق للكل أظهرا ألا هاج حكم عمّ خاليه غفّلا
أخبر أن النون الساكنة والتنوين أظهرا لكل القراء السبعة إذا كان بعدهما أحد حروف الحلق وسواء كان ذلك في كلمة أو في كلمتين، ثم بين حروف الحلق بأوائل هذه الكلمات وهي الهمزة من قوله: ألا والهاء من قوله هاج والخاء من قوله حكم والعين من قوله عم والخاء من قوله خاليه والغين من قوله غفلا، فمثال النون الساكنة والتنوين عند الهمزة من آمن وكل آمن وينأون وعند الهاء من هاجر وجرف هار ومنها وعنها وعند الحاء مَنْ حَادَّ اللَّهَ [المجادلة: ٢٢] ونارٌ حامِيَةٌ [القارعة: ١١] ولِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر: ٢]، وعند العين وَمَنْ عاقَبَ [الحج: ٦٠] وبُكْمٌ عُمْيٌ [البقرة: ١٨] وأَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧]، وعند الخاء من خزي يومئذ ويومئذ خاشعة والمنخنقة وعند الغين من غل قولا غير فسينغضون وشبه ذلك:
وقلبهما ميما لدى البا وأخفيا على غنّة عند البواقي ليكملا
أخبر أن النون الساكنة والتنوين يقلبان ميما عند الباء لجميع القراء إذا وقعت الباء بعدهما نحو من بعدهم وأنبئهم وصُمٌّ بُكْمٌ [البقرة: ١٨]، وقوله: وأخفيا على غنة إلخ الإخفاء حالة بين الإظهار والإدغام وهو عار من التشديد. أخبر أن النون الساكنة والتنوين يخفيان مع بقاء غنتهما عند باقي حروف المعجم غير الثلاثة عشر المتقدمة
وهي ستة الإدغام وستة الإظهار وواحد للقلب فالذي بقي من حروف المعجم خمسة عشر حرفا جمعتها في أوائل كلمات هذا البيت فقلت:
تلائم جادر ذكا زاد سل شذا صفا ضاع طاب ظل في قرب كملا
وهي التاء والتاء والجيم والدال والذال والزاي والسين والشين والصاد والضاد والطاء والظاء والفاء والقاف والكاف فهذه حروف الإخفاء لا خلاف بين القراء في إخفاء النون الساكنة والتنوين عند هذه الحروف وسواء اتصلت النون بهن في كلمة أو انفصلت عنهن في كلمة أخرى، فالإخفاء عند التاء نحو من تحتها وينتهون وجنات تجري، وعند الثاء نحو من ثمرة ومنثورا وجميعا ثم، وعند الجيم إن جاءكم فأنجيناكم وشيئا جنات وعند الدال نحو من دابة وأندادا وقنوان دانية وعند الذال نحو من ذكر ومنذرون وسراعا ذلك وعند الزاي فإن زللتم فأنزلنا ويومئذ زرقا، وعند السين أن سلام ومنسأته وعظيم سماعون، وعند الشين نحو
من شاء وينشأ وعليم شرع وعند الصاد نحو أن صدوكم وينصركم ورِيحًا صَرْصَرًا [القمر: ١٩]، وعند الضاد نحو إن ضللت ومنضود وقوما ضالين وعند الطاء نحو وإن طائفتان وينطقون وقَوْمًا طاغِينَ [الصافات: ٣٠]، وعند الظاء نحو إِنْ ظَنَّا [البقرة:
٢٣٠]، وينظرون وقوما ظلموا وعند الفاء نحو وإن فإنكم وانفروا وعمى فهم وعند القاف نحو لئن قلت ومنقلبون وشيء قدير وعند الكاف نحو من كان وينكثون وعادا كفروا وشبه ذلك فذلك خمسة عشر حرفا وخمسة وأربعون مثالا للإخفاء. وقوله: ليكملا أي الأحكام: