روى القلب ذكر الله فاستسق مقبلا ولا تعد روض الذّاكرين فتمحلا
روى القلب أي ريه يقال روى من الماء يروي روى ومعنى استسق اطلب السقيا لقلبك بالذكر ليروى ويحيا في حال إقبالك على الذكر بقلبك ولسانك غير غافل ولا تعد روض الذكرين أي لا تتجاوز رياض الذاكرين، والروض جمع روضة وهي الأرض الخضرة فتمحلا أي فتصادف محلا
[ ٣٩٤ ]
فلا يحصل لك ري ولا شرب، والمحل القحط: وأشار بروض الذاكرين إلى قوله ﷺ: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال حلق الذكر فإن لله تعالى سيارة من الملائكة يطلبون حلق الذكر فإذا أتوا عليهم حفوا بهم»، رواه ابن عمر ﵄.
وآثر عن الآثار مثراة عذبه وما مثله للعبد حصنا وموئلا
آثر من الإيثار: أي قدم مثراة عذب الذكر على كل شيء آخذ بذلك الإيثار عن الآثار والأخبار الواردة عن النبي ﷺ في فضيلة الذكر والمثراة من قولهم هذا مثراة للمال أي مكثرة له، والعذب. الحلو، وقوله وما مثله أي وما من شيء للعبد أنفع من الذكر فهو كالحصن والموئل له يتحصن به من الشيطان ونزغاته وآفاته ويلجأ إليه.
ولا عمل أنجى له من عذابه غداة الجزا من ذكره متقبّلا
أشار إلى قوله ﵊ «ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر
[ ٣٩٥ ]
الله» وقوله: غداة الجزا يعني يوم القيامة. وسمي يوم الجزاء لأن الخلق يجازون فيه بأعمالهم، وقوله من ذكره أي من ذكر الله في حال كونه متقبلا.
ومن شغل القرآن عنه لسانه ينل خير أجر الذّاكرين مكمّلا
أشار إلى قوله ﵊: «يقول الرب ﷿ من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين»، وقول الناظم خير أجر الذاكرين يشمل كل ذاكر لله تعالى من القارئ وغيره لكن قارئ القرآن من أفضل الذاكرين وجزاؤه أفضل الجزاء، وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: «قراءة القرآن في الصلاة أفضل من قراءته في غير الصلاة، وقراءة القرآن في غير الصلاة أفضل من التسبيح والتكبير والتسبيح والتكبير أفضل من الصدقة والصدقة أفضل من الصيام والصيام جنة من النار».
وما أفضل الأعمال إلّا افتتاحه مع الختم حلّا وارتحالا موصّلا
أخبر أن أفضل الأعمال افتتاح القرآن مع ختمه أي في حال ختمه للقرآن يشرع في أوله فهو
[ ٣٩٦ ]
حالّ في هذه مرتحل من هذه يقال حل بالموضع حلا وحلولا ومحلا، ونبه بقوله موصلا على عدم الفصل، وأشار بهذا البيت إلى حديث أخرجه أبو عيسى الترمذي ﵁ قال قال رجل: يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال الحالّ المرتحل»، وقد ضعف واختلف في تفسيره على تقدير صحته فأوله القراء، وقد روي التفسير فيه مدرجا فقيل يا رسول الله ما الحالّ المرتحل قال الخاتم المفتتح يعني للقرآن قيل وقد يكون الخاتم المفتتح أيضا في الجهاد وهو أن يغزو ويعقب قيل وكذلك الحال المرتحل.
وفيه عن المكّين تكبيرهم مع ال خواتم قرب الختم يروى مسلسلا
أي وفي القرآن أو في ذلك العمل الذي عبر عنه بالحل والارتحال، وهو وصل آخر كل ختمة بأول الأخرى، وقوله عن المكين جمع مكي أي عن القراء المكيين ولكنه حذف ياء النسب ضرورة مع الخواتم جمع خاتمة آخر السورة يروى مسلسلا أي يروي التكبير رواية مسلسلة على ما هو. والمسلسل في اصطلاح المحدثين وهو ما روى البزي عن عكرمة بن سليمان أنه قرأ على إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين قال: فلما بلغت والضحى قال لي كبر مع خاتمة كل سورة حتى تختم فإني قرأت
[ ٣٩٧ ]
على عبد الله بن كثير فأمرني بذلك وأخبرني ابن كثير أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك وأخبره مجاهد أنه قرأ على عبد الله بن عباس فأمره بذلك وأخبره ابن عباس أنه قرأ على أبيّ بن كعب فأمره بذلك وأخبره أنه قرأ على النبي ﷺ فأمره بذلك. والمسلسل في اصطلاح المحدثين ما اتصل إسناده على صفة واحدة إما في صفة الراوي كالمسلسل بالعدّ والتشبيك، أو في الرواية كالمسلسل بعن وسمعت وأخبرنا.
إذا كبّروا في آخر النّاس أردفوا مع الحمد حتى المفلحون توسّلا
أي إذا فرغوا من الختمة وكبروا في آخر سورة الناس أردفوا مع قراءة سورة الحمد قراءة أول سورة البقرة حتى يصلوا إلى قوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: ٥]، وقوله: توسلا يعني توسل القارئ إلى الله تعالى بطاعته ومعاودة درس كتابه العزيز ولا يكبر بين الحمد والبقرة، ومعنى أردفوا اتبعوا يقال ردف وأردف إذا أتبع وجاء بعد الشيء وليس التكبير بلازم لأحد من القراء لأن التكبير ليس من القرآن قال أبو الفتح فارس لا نقول إنه لا بد لمن ختم أن يفعله ولكن من فعله فحسن
[ ٣٩٨ ]
ومن لم يفعله فلا حرج عليه وهو سنة لقول البزي عن الشافعي ﵁ قال لي: إن تركت التكبير فقد تركت سنة من سنن الله ﷺ، وروي عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب ﵃ قال: «كان النبي ﷺ إذا قرأ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس: ١] قرأ الفاتحة إلى قوله الْمُفْلِحُونَ [البقرة: ٥].
وقال به البزيّ من آخر الضّحى وبعض له من آخر اللّيل وصّلا
بيّن في هذا البيت أول مواضع التكبير التي أجملها في قوله قرب الختم فأخبر أن البزي قال بالتكبير أي قرأ بالتكبير من آخر وللضحى وهو المشهور ثم قال وبعض له أي للبزي من آخر الليل وصلا أي وبعض أهل الأداء وصل التكبير من آخر سورة والليل يعني من أول سورة والضحى فهذا الوجه من زيادات القصيد وسبب اختصاص التكبير من أولها وآخرها إلى آخر الناس أن الوحي انقطع عن النبي ﷺ أياما فقال المنافقون قلى محمدا ربه أي أبغضه وهجره فجاءه جبريل ﵇ وألقى عليه والضحى إلى آخرها، فقال النبي ﷺ: الله
[ ٣٩٩ ]
أكبر تصديقا لما كان ينتظر من الوحي وتكذيبا للكفار وألحق ذلك بما بعد والضحى من السور وتعظيما لله ﷿ فكان تكبيره آخر قراءة جبريل ﵇ وأول قراءته ﷺ ومن هنا تشعب الخلاف لاحتمال أن يكون لاحقا أو سابقا أو مستقبلا فإن جعلناه لقراءة النبي ﷺ كان من أول الضحى وهو ظاهر في جعله للأوائل وأولها والضحى قال عكرمة المخزومي رأيت مشايخنا الذين قرءوا على ابن عباس ﵄ يأمرون بالتكبير من الضحى وإن جعلناه لقراءة جبريل ﵇ كان بين الضحى وأ لم نشرح وهو ظاهر في جعله للأواخر وأول السور ألم نشرح على آخر الضحى، قال مجاهد: قرأت على ابن عباس تسع عشرة ختمة وكلها يأمرني أن أكبر فيها من أول ألم نشرح ويفهم من هذا الوجه الخلاف بين الناس والفاتحة.
فإن شئت فاقطع دونه أو عليه أو صل الكلّ دون القطع معه مبسملا
أخبر الناظم ﵀ أن بين آخر السورة وما بعدها ثلاثة أوجه:
أحدها: القطع دون التكبير
[ ٤٠٠ ]
وهو أن يقطع في آخر السورة ثم يستأنف التكبير.
الثاني: القطع عليه وهو أن يصل التكبير بآخر السورة ويقف عليه ثم يستأنف التسمية.
الثالث: وصل الجميع وهو أن يصل آخر السورة بالتكبير ويصل التكبير بالتسمية ويصل التسمية بأول السورة الآتية فإن قطع دون التكبير جاز القطع بعد ذلك على التكبير ثم على البسملة وجاز وصل التكبير بالبسملة والبسملة بالسورة فهذه ثلاثة أوجه أيضا جائزة مع القطع دون التكبير وإن وصل بآخر السورة جاز القطع عليه وجاز القطع بعد ذلك على البسملة وجاز وصله بالبسملة والبسملة بالسورة فهذه ثلاثة أوجه أيضا جائزة مع وصله بآخر السورة والقطع عليه ولا يجوز القطع على البسملة إذا وصلت بالتكبير لما تقدم في بابها وإذا سكت على نحو ما تقدم أعطيته حكم الوقف من إسكان وحذف وبدل وروم وإشمام ومد وأعطيت تاليه حكم المبدوء به من إثبات همزة الوصل وتفخيم الجلالة.
وما قبله من ساكن أو منوّن فللسّاكنين اكسره في الوصل مرسلا
[ ٤٠١ ]
يعني إذا وصلت التكبير بآخر السورة وكان آخر الكلمة ساكنا نحو فحدث وفارغب أو منونا نحو لخبير وحامية فاكسره لالتقاء الساكنين وقوله مرسلا أي مطلقا في الجميع.
وادرج على إعرابه ما سواهما ولا تصلن هاء الضّمير لتوصلا
يعني ما سوى الساكن والمنون وهو المحرك أي وصل ما سوى ذلك على إعرابه أي على حركته من غير تغيير نحو النعيم الله أكبر، وكذلك حركة البناء نحو الحاكمين ولا تصلن هاء الضمير نحو ربه الله أكبر، ويره الله أكبر لأن الصلة ساكنة، وقد لفيها ساكن فيجب حذفها على ما عهد في شرح قوله: ولم يصلوا ها مضمر قبل ساكن.
وقل لفظه الله أكبر وقبله لأحمد زاد ابن الحباب فهلّلا
وقل لفظه التكبير الله أكبر وقبله أي وقبل التكبير لأحمد وهو البزي زاد ابن الحباب التهليل، وابن الحباب هو أبو الحسن بن الحباب بن مخلد الدقاق روى عن البزي أنه كان يقول: لا إله إلا الله والله أكبر، وقوله زاد ابن الحباب هذا خارج عن طريق القصيد لأنه طريقة أبي ربيعة.
[ ٤٠٢ ]
وقيل بهذا عن أبي الفتح فارس وعن قنبل بعض بتكبيره تلا
قوله بهذا أي بمقالة ابن الحباب وهو زيادة التهليل قبل التكبير، عن أبي الفتح فارس بن أحمد شيخ الداني. والهاء في تكبيره عائدة على البزي أي وبعض الشيوخ تلا عن قنبل مثل تكبير البزي فتعين أن البعض الآخر لم يقل بمثل تكبير البزي والتكبير لقنبل من زيادات القصيد لأن الداني لم يذكر في التيسير تكبيرا لقنبل وقال في غيره وقد قرأت أيضا لقنبل بالتكبير وحده من غير طريق ابن المجاهد وقال بغير تكبير أخذ في مذهبه.