سميت هاء الكناية لأنها يكنى بها عن الاسم الظاهر الغائب نحو به وله عليه وتسمى هاء الضمير أيضا والمراد بها الإيجاز والاختصار وأصلها الضم.
ولم يصلوا ها مضمر قبل ساكن وما قبله التّحريك للكلّ وصّلا
أخبر ﵁ أن القراء كلهم لم يصلوا هاء الضمير إذا وقعت قبل ساكن لأن الصلة تؤدي إلى الجمع بين الساكنين بل تبقى على حركتها ضمة كانت أو كسرة نحو قوله تعالى: يَعْلَمْهُ اللَّهُ [البقرة: ١٩٧]، رَبِّهِ الْأَعْلى [الليل: ٢٠]، وكذا إذا كانت الصلة ألفا وذلك في ضمير المؤنث المجمع على صلته بها مطلقا فإن صلتها تحذف للساكن بعدها نحو من تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [البقرة: ٢٥]، وقوله تعالى: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ [مريم:
٢٣]، وقوله: لَمْ يُصَلُّوا [النساء: ١٠٢]، هاء مضمر عام يشمل ضمير المذكر والمؤنث وإن كان خلاف القراء واقعا في المذكر لا غير ولا يرد على هذا الإطلاق إلا موضع واحد في عبس قوله تعالى: عَنْهُ تَلَهَّى [عبس: ١٠]، في قراءة البزي ثم قال وما قبله التحريك أي والذي تحرك ما قبله من هاءات الضمير المذكر التي ليس بعدها ساكن فكل القراء يصلونها بواو إن كانت مضمومة، وبياء إن كانت مكسورة نحو قوله تعالى: أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ [عبس:
٢١]، وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ [الجاثية: ٢٣]، واعلم أن الصلة تسقط في الوقف إلا الألف في ضمير المؤنث ثم انتقل إلى المختلف فيه فقال:
وما قبله التّسكين لابن كثيرهم وفيه مهانا معه حفص أخو ولا
أي والذي قبله من هاءات الضمير ساكن فإنه موصول لابن كثير وحده نحو قوله تعالى: اجْتَباهُ وَهَداهُ [النحل: ١٢١]، وعَقَلُوهُ [البقرة: ٧٥]، وفيه وعليه وإليه فإن لقي الهاء ساكن لم يصل على ما سبق تقريره نحو قوله تعالى يَعْلَمْهُ اللَّهُ [البقرة: ١٩٧]، وقرأ باقي القراء بترك الصلة في كل ما قبله ساكن وعلم ذلك من الضد لأن ضد الصلة تركها
ووافقه حفص على صلة ويخلد فيه مهانا، فهذا معنى قوله: فِيهِ مُهانًا [الفرقان: ٦٩]، معه حفص أي مع ابن كثير أخو ولا أي أخو متابعة لأن الولاء بكسر الواو والمد بمعنى المتابعة وقصره الناظم. واعلم أن هشاما وافق ابن كثير على الصلة في أرجئه في الموضعين كما سيأتي:
وسكّن يؤدّه مع نولّه ونصله ونؤته منها فاعتبر صافيا حلا
أراد يؤدي إليك موضعان بآل عمران ونُوَلِّهِ [النساء: ١١٥]، ونُصْلِهِ [النساء:١١٥] بالنساء ونُؤْتِهِ مِنْها [الشورى: ٢٠] موضعان بآل عمران وموضع بالشورى أمر بتسكين الهاء في هذه السبعة موضع لمن أشار إليهم بالفاء والصاد والحاء في قوله:
[ ٤٥ ]
فاعتبر صافيا حلا وهم حمزة وشعبة وأبو عمرو فتعين للباقين التحريك لأنه ضد الإسكان وإذا تعين للباقين التحريك فهو بالكسر فمنهم من يصل الهاء بياء ومنهم من يختلسها وعلم الاختلاس من قوله وفي الكل قصر الهاء.
توضيح: اعلم أن القراء في هذا البيت على أربع مراتب منهم من سكن هاءاتها قولا واحدا وهم حمزة وشعبة وأبو عمرو، ومنهم من يحركها بكسرة مختلسة قولا واحدا وهو:
قالون ومنهم من له وجهان أحدهما تحريكها بكسرة مختلسة، والثاني: تحريكها بكسرة موصولة بياء وهو هشام ومنهم من يحركها بكسرة موصولة بياء قولا واحدا وهم الباقون وقد لفظ بالكلمات المذكورات في هذا البيت على ما تأتي له في النظم فسكن يؤده ونوله ووصل نصله واختلس نؤته ونبه بقوله فاعتبر صافيا حلا على صحة وجه القراءة وثبوتها.
وعنهم وعن حفص فالقه ويتّقه حمى صفوه قوم بخلف وأنهلا
وقل بسكون القاف والقصر حفصهم ويأته لدى طه بالإسكان بجتلا
وفي الكلّ قصر الهاء بان لسانه بخلف وفي طه بوجهين بجّلا
الواو في قوله: وعنهم فاصلة عاطفة أي من المذكورين في بيت وسكن يؤده وهم حمزة وشعبة وأبو عمرو ثم قال وعن حفص أي عن المذكورين وعن حفص في فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ بالنمل إسكان الهاء فبقي على إسكان فألقه حمزة وعاصم وأبو عمرو فتعين للباقين التحريك كما سيأتي ثم استأنف فقال ويتقه حمى صفوه قوم بخلف أراد بقوله: وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ [النور: ٥٢]، بالنور فأشار إلى تسكين هائه بلا خلاف للمشار إليهما بالحاء والصاد في قوله حمى صفوه وهما أبو عمرو وشعبة والمشار إليه بالقاف من قوله قوم وهو خلاد بخلاف عنه فعلم أن الوجه الآخر هو التحريك ولم يذكر بعد ذلك مع أصحاب القصر الذي هو الاختلاس فعلم أن الوجه الثاني هو الكسر والصلة ومعنى وأنهلا سقاه النهل وهو الشرب الأول ثم قال وقل بسكون القاف والقصر حفصهم يعني أن حفصا قرأ ويتقه بسكون القاف
وقصر حركة الهاء أي باختلاسها وقوله ويأته لدى طه بالإسكان يجتلا أراد وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا [طه: ٧٥]، بطه فأخبر أن المشار إليه بالياء من قوله يجتلا وهو السوسي قرأ يأته بسكون الهاء فتعين للباقين التحريك كما سيأتي ويجتلا ينظر إليه وقوله وفي الكل قصر الهاء بأن لسانه بخلف يعني بالكل جميع الألفاظ المتقدمة من قوله وسكن يؤده إلى قوله ويأته لدى طه وهي سبع كلمات وأراد بقصر الهاء اختلاسها وأخبر أن قالونا وهو المشار إليه بالباء من قوله بأن قرأها كلها باختلاس كسرة الهاء بلا خلاف وإن هشاما وهو المشار إليه باللام من قوله لسانه قرأها جميعها بوجهين أحدهما باختلاس الهاء كقالون والثاني بالصلة كباقي القراء ولا يجوز أن يكون له الإسكان لأنه قد ذكر الإسكان عن الذين قرءوا به ولم يذكر هشاما منهم قوله بخلف عائد على هشام لأنه الذي يليه ولو كان الخلاف عنه وعن قالون لقال بخلفهما ولو كان عن ثلاثة أو أكثر لقال بخلفهم وليس الباء من يخلف رمزا لأن المراد منه أن القارئ الذي قبله اختلفت الرواية عنه وإنما تعينت الصلة لباقي القراء لأنه لم يذكرهم مع أصحاب الإسكان ولا مع أصحاب الاختلاس وقوله وفي طه بوجهين بجلا أخبر أن قالونا وهو المشار إليه بالباء من قوله بجلا عنه في يأته
[ ٤٦ ]
مؤمنا وجهان وقد تقدم أن السوسي وحده قرأ بالإسكان فعلمنا أن الوجهين هما الاختلاس والصلة وتعين للباقين القراءة بالصلة ومعنى بجلا أي وقر وهو عائد على الوجهين.
توضيح: قوله فألقه القراء فيها على أربع مراتب منهم من سكن هاءه قولا واحدا وهم حمزة وعاصم وأبو عمرو، ومنهم من حرك الهاء بكسرة مختلسة قولا واحدا وهو قالون، ومنهم من له وجهان أحدهما تحريكها بكسرة مختلسة، والثاني تحريكها بكسرة موصولة بياء وهو هشام ومنهم من حركها بكسرة موصولة بياء قولا واحدا وهم الباقون وأما يتقه فالقراء كلهم يكسرون قافه إلا حفصا وهم من بعد ذلك في الهاء على خمس مراتب منهم من يسكنها قولا واحدا وهما أبو عمرو وشعبة ومنهم من روى عنه وجهان أحدهما الإسكان والثاني صلتها بياء وهو خلاد ومنهم من روى عنه وجهان أيضا الاختلاس والثاني صلتها بياء وهو هشام ومنهم من له الاختلاس قولا واحدا وهما قالون وحفص ومنهم من يحركها موصولة بياء قولا واحدا وهم الباقون وأما يأته فالقراء فيه على ثلاث مراتب (١) منهم من سكن الهاء قولا واحدا وهو السوسي ومنهم من قرأ بوجهين أحدهما الاختلاس والثاني صلتها بياء وهو قالون ومنهم من وصل كسرة الهاء بياء قولا واحدا وهم الباقون.
وإسكان يرضه يمنه لبس طيّب بخلفهما والقصر فاذكره نوفلا
له الرّحب والزّلزال خيرا يره بها وشرا يره حرفيه سكّن ليسهلا
أخبر ﵀ أن المشار إليه بالياء في قوله يمنه وهو السوسي قرأ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر: ٧] بإسكان الهاء في الوصل بلا خلاف وأن المشار إليهما باللام والطاء في قوله لبس طيب وهما هشام والدوري عن أبي عمرو اختلف عنهما في الإسكان وأن المشار إليهم بالفاء والنون واللام والألف في قوله فاذكره نوفلا له الرحب وهم حمزة وعاصم وهشام ونافع قرءوا بالقصر يعني باختلاس ضمة الهاء والخلف الذي للدوري هو الإسكان والصلة والذي لهشام الإسكان والقصر، وعلم ذلك من جهة أنه ذكر هشاما مع أصحاب القصر في البيت الثاني ولم يذكر الدوري معهم فكان مع المسكوت عنهم وهم أصحاب الصلة ويجوز في قوله القصر الرفع على الابتداء والنصب بفعل مضمر والنوفل الكثير العطاء يقال رجل نوفل أي كثير النوافل والنفل الزيادة.
توضيح: قوله: يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر: ٧]، القراء فيه على خمس مراتب، منهم من له الإسكان فقط وهو السوسي ومنهم من له الوجهان الإسكان واختلاس الضمة وهو هشام ومنهم من له وجهان أيضا الإسكان وصلة الضمة بواو وهو الدوري ومنهم من له اختلاس الضمة فقط وهم حمزة ونافع وعاصم ومنهم من له صلة الهاء بواو فقط وهم الباقون قوله والزلزال اسم لسورة إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ [الزلزلة: ١] أمر إسكان الهاء في الموضعين في قوله خَيْرًا يَرَهُ [الزلزلة: ٧] وشَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٨]، للمشار إليه باللام من قوله ليسهلا وهو هشام وعلم أن قراءة الباقين بتحريك الهاء بالضم وصلتها بواو مما تقرر في أصل الباب من أن هاء الضمير إذا وقعت بين متحركين فإن حكمها الصلة والألف من قوله ليسهلا للتثنية أي ليسهل الحرفان بالإسكان وقوله بها بسورة الزلزال احترز من الذي في سورة البلد وهو قوله: يَرَهُ أَحَدٌ [البلد: ٧].
_________________
(١) قول ابن القاصح: وأما يأته فالقراء فيه على ثلاث مراتب، الظاهر من القصيد أن القراء فيه على أربع مراتب، لأن هشاما له وجهان: قصر الهاء وصلتها كقالون وإنما لم يذكر الشارح ذلك لأن حذف الصلة لهشام قال فيه بعضهم إنه من زيادات القصيد والأولى أن لا يقرأ به لأنه لم يذكره المحقق وتبعه على ذلك كثير من المحققين فالشارح ﵀ ممن تبع المحقق ولم يتبع القصيد. أه.
[ ٤٧ ]
وعى نفر أرجئه بالهمز ساكنا وفي الهاء ضمّ لفّ دعواه حرملا
وأسكن نصيرا فاز واكسر لغيرهم وصلها جوادا دون ريب لتوصلا
أخبر ﵁ أن المشار إليهم بنفر وهم ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر حفظوا أرجئه بالهمزة الساكن في الموضعين بالأعراف والشعراء فتعين للباقين ترك الهمز فيهما ومعنى وعى أي حفظ وليست العين من وعى برمز لأن الواو أصلية فصارت العين متوسطة والرمز الحرفي لا يكون إلا في أول الكلم ثم انتقل إلى الكلام في الهاء فقال وفي الهاء ضم أخبر أن المشار إليهم باللام والدال والحاء في قوله لف دعواه حرملا يضمونها وهم هشام وابن كثير وأبو عمرو ثم أمر بإسكانها للمشار إليهما بالنون والفاء من قوله نصيرا فأزوهما
عاصم وحمزة ثم قال واكسر لغيرهم أمر بكسرها لغير الذين ضموا الذين سكنوا وهم نافع والكسائي وابن ذكوان ثم أمر بالصلة للمشار إليهم بالجيم والدال والراء واللام من قوله جواد دون ريب لتوصلا وهم ورش وابن كثير والكسائي وهشام.
توضيح: أرجئه فيها ست قراءات الأولى لقالون أرجه بترك الهمز لأنه ليس من نفر وبكسر الهاء لأنه داخل فيمن أراد بقوله واكسر لغيرهم وبالقصر لأنه لم يذكره في أصحاب الصلة الثانية لورش والكسائي مثل قراءة قالون إلا أنهما يصلان الهاء بياء لأنه ذكرهما في أصحاب الصلة فصار اللفظ أرجه الثالثة لابن كثير وهشام وذلك أنهما قرآ أرجئهو بالهمز لأنهما من نفر وبضم الهاء وصلتها بواو لأنه يذكرهما مع أصحاب الصلة الرابعة لأبي عمرو وذلك أنه قرأ مثل ابن كثير وهشام إلا أنه لم يصل الهاء لأنه لم يذكره مع أصحاب الصلة فصار اللفظ أرجئه الخامسة لابن ذكوان وذلك أنه قرأ أرجئه بالهمز لأنه من نفر وبكسر الهاء لأنه داخل فيمن أراد بقوله واكسر لغيرهم وبترك الصلة لأنه لم يذكره مع أصحابها السادسة لعاصم وحمزة قرءا أرجه بترك الهمز لأنهما ليسا من نفر وبإسكان الهاء لأنه نص لهما على ذلك والهاء في قوله دعواه للضم، والحرمل نبت معروف، والجواد الفرس الجيد والرجل السخي والريب: الشك.