هو الإمام القاسم بنُ فِيْرّه (^١) بن خلف بن أحمد أبو محمد وأبو القاسم الرُّعَيْنِي، الشَّاطِبي، المقرئ الضَّرِير.
وُلِدَ في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة في شاطبة - وهي إحدى مدن الفردوس المفقود تقع شرقي الأندلس وشرقي قرطبة، وهي مدينة كبيرة وقديمة، خرج منها خلق من الفضلاء (^٢).
والصحيح أنه ولد ضريرًا كما ذكر الإمام ابن الجزري حيث قال: وبلغنا أنه ولد أعمى.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه وُلِدَ مبصرًا ثم ضر وهذا القول ذكره القسطلاني (^٣)، وهو قول ضعيف لم يذكره أحدٌ في كتب التراجم ممن ترجم له.
صفاته:
كان الإمام الشاطبي مشهودًا له بالعلم والتقوى والصلاح، موصوفًا بالزهد والعبادة والانقطاع، وكان إذا جلس إليه أحد لا يحسب أنه ضرير
_________________
(١) [بكسر الفاء بعدها ياء ساكنة ثم راء مشددة بعدها هاء ومعناها بلغة العجم الحديد] ذكر القسطلاني أنه ولد مبصرًا ثم عمي وقال أبيات: وقالوا قد عميت فقلت كلا … وإني اليوم أبصر من بصير وهي أبيات تنسب لعبد الله بن عباس عندما كف بصره. (مختصر المواهبي في مناقب الإمام الشاطبي ص/ ٥٢)
(٢) معجم البلدان ٣/ ٣٠٩.
(٣) مختصر الفتح المواهبي ص ٢٨.
[ ١ / ٣٦ ]
بل لا يرتاب أنه يبصر لأنه ما كان يظهر فيه ما يظهر من الأعمى في الحركات، وقد عاش فقيرًا ومات فقيرًا، وكان ذكيًا فَطِنًا كثير الفنون، منقطع القرين، حافظًا للحديث، بصيرًا بالعربية، واسع العلم، وكان يصحح نسخ صحيح البخاري ومسلم وموطأ مالك من حفظه، ويملي النكت على المواضع المحتاج إليها، وكان لا يحب فضول الكلام، وإذا سُئِلَ عن حاله لا يقول إلا: العافية، وكان لا يشتكي ولا يتأوه ولا يظهر شيئًا من ذلك.
قال تلميذه الإمام السخاوي في وصف الإمام الشاطبي مانصه (^١): «كان عالِمًا بكتابِ اللهِ، بقراءاتِهِ وتفسيرِهِ، عَا لِمًَا بحديث رسول الله -ﷺ-، مبرِّزًَا فيه، وكان إذا قُرِئَ عليه البخاريُّ ومسلمٌ والموطأُ يُصَحِّحُ النُّسَخَ من حفظه، ويُمْلي النُّكتَ على المَوَاضِع المحتاجِ إلى ذلك فيها وكان مُبرِّزًا في علمِ النَّحو والعربية، عَارفًَا بِعِلمِ الرؤيا، حَسَنَ المقاصِدِ، مُخْلِصًَا فيما يقولُ ويفعل، وكان يجتنبُ فُضُولَ القولِ، ولايتكلمُ في سَائِر أوقاتهِ إلا بما تدعو إليه ضرورةٌ، ولا يجلسُ للإقراء إلا على طهارةٍ في هيئةٍ حَسَنةٍ، وخضوعٍ واستكانةٍ، ويمنعُ جُلَسَاءهَ من الخوضِ والحديثِ في شيءٍ إلا في العلمِ والقُرْآن.
وكان يعتلُّ العِلَّة الشَّدِيدةَ فلا يشتكي ولايتَأوَّه، وإذا سُئِل عن حالِه قال: (العافية) لايزيدُ على ذلك، وكان يَجْلِسُ إليه من لم يعرفه فَلا يَرْتاب في أنه يُبْصِرُ لأنه لذكائه لا يظهرُ منه ما يظهرُ من الأعْمَى في حركاتِهِ».
_________________
(١) انظر مقدمة الإمام السخاوي ص ١/ ١٠٩ من هذه الرسالة في قسم التحقيق.
[ ١ / ٣٧ ]
قال الإمام ابن الجزري (^١): «كان إمامًا كبيرًا أعجوبة في الذكاء كثير الفنون آيةً من آيات الله تعالى، غاية في القراءات، حافظًا الحديث، بصيرًا بالعربية، إمامًا في اللغة، رأسًا في الأدب مع الزهد والولاية والعبادة والانقطاع والكشف، شافعي المذهب، مواظبًا على السنة».
_________________
(١) غاية النهاية ٢/ ٢١.
[ ١ / ٣٨ ]