كان القرن السادس الهجري قد شهد كثيرًا من التحولات، فقد كانت النهظة العلمية في ذروتها، حيث شهدت بغداد، ومصر، وبلاد الشام نهضةً علمية، ساعد ذلك وجود الرجلين المصلحين: الملك نور الدين وصلاح الدين، وقد عدَّ المؤرخون نور الدين سادس خلفاء الراشدين (^١).
كذلك وجود علماء مخلصين، ومستشاريين مؤتمنين، ففي مصر كان القاضي الفاضل عبدالرحيم بن علي، وهو الذي بنى المدرسة للإمام الشاطبي والتي تعرف بالمدرسة الفاضلية، فكان قاضيًا ورعًا ذا عقلٍ حصيف، ورأي سديد، رأى هذه السمات الملك صلاح الدين فاتخذه مستشارًا له يشاوره في كثيرٍ من أموره الخاصة والعامة، وقال عنه: لم أفتح البلاد بسيفي، وإنما برأي القاضي الفاضل (^٢).
كذلك وجود الشيخ عبدالقادر الجيلاني وامتداد مدرسته التي خرجت العلماء المخلصين في بغداد، ومن ثم إرسالهم إلى الثغور في بلاد الشام وقد تعلموا العلوم الشرعية، وملئت قلوبهم إيمانًا وتضحية لهذا الدين.
ومن بين هؤلاء العلماء المؤثرين في قلوب الناس في النصح والوعظ والتذكير الشيخ ابن النجا المتوفى سنة (٥٩٩ هـ)، وغيره من العلماء والقادة العسكريين (^٣).
وقد أبدعت شخصيات في إدارة الحكم، فكانت نموذجًا لرجال الإدارة والحكم وأظهرت مهارات في التخطيط والتنفيذ.
_________________
(١) الكواكب الدرية ٥٦.
(٢) البداية والنهاية ١٣/ ٢٤.
(٣) البداية والنهاية ١٣/ ٣٥.
[ ١ / ٣٤ ]
كذلك توحيد القيادات الفكرية والسياسية، حيث اعتمدت على آراء العلماء المختصين، فكان للسلطان نور الدين مجلس دوري يلتقي فيه القادة العسكريون مع العلماء المختصين (^١).
انتشرت المدارس النورية والصلاحية في العالم الإسلامي أكثر من أي فترة زمنية مرت على العالم من قبل، فقد بنى الملك نور الدين كثيرًا من مكاتب الأيتام لتعليمهم الخط والقراءة، وشيد كثيرًا من المدارس مثل المدرسة الحلاوية في حلب وهي من أعظم المدارس صيتًا وأكثرها طلابًا، كذلك المدرسة النورية الصغرى، ومدرسة جامع القلعة، والمدرسة العمادية نسبةً لمدرسها العماد الأصفهاني، والمدرسة الصلاحية، والمدرسة العادلية في حلب، والنورية الكبرى (^٢)، وكان عهد الملكين نور الدين وصلاح الدين من أكثر العهود انتشارًا للمدارس، وكان ابن الشيخ عبدالقادر واحدًا من هؤلاء المدرسين في هذه المدارس، ومن المستشارين المؤتمنين الإمام موفق الدين عبدالله بن قدامة المقدسي (^٣) الذي كان مسشارًا لدى السلطان صلاح الدين، وعلمًا من أعلام الفقه الحنبلي.
كان أعظم إنجازٍ حققه الملك الناصر صلاح ومازال في صحيفته هو تحويل الأزهر إلى جامعةٍ سنية تدرس مذاهب أهل السنة بعد أن أنشأه الفاطميون لتدريس مذهبهم الفاطمي.
كذلك انتشرت دور القرآن والحديث والأربطة (^٤) وأجرى عليها أوقافًا ماتزال إلى يومنا هذا.
_________________
(١) نور الدين محمود ص ٣٩٩.
(٢) الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة ص ١١٠، ونور الدين محمود ص ٢٣٩.
(٣) شذرات الذهب ٥/ ١٩.
(٤) مفرج الكروب في أخبار بني أيوب ٢/ ٥٤.
[ ١ / ٣٥ ]