إنَّ قصيدة الشاطبية غزيرة المادة العلمية، جزلة في العبارة، مشرقة في بلاغتها وبيانها، حلوة في عبارتها، عميقة في أفكارها، بليغة في جملها قد نُظمت على البحر الطويل، وكانت لامية القافية، وقد نظم أولها في شاطبة في الأندلس (^١) إلى قوله:
جَعَلْتُ أبَا جَادٍ عَلَى كُلِّ قَارِئٍ دَلِيلًا عَلَى المنْظُومِ أَوَّلَ أَوَّلا
ثم بعد ذلك رحل إلى مصر وأكمل نظم القصيدة فيها، ويلاحظ فيها براعة الإمام الشاطبي، وسهولة النظم، واختيار الألفاظ العذبة، وألبسها ثوبًا أدبيًا جميلًا متواضعًا، فقال:
وألْفَافُهَا زَادَتْ بنَشْرِ فَوَائدٍ فَلَفَّتْ حَيَاءً وجْهَهَا أَنْ تُفَضَّلا
ويلاحظ عليها إخلاص مؤلفها وخوفه من الله -﷿- فقال:
ونَادَيْتُ اللَّهُمَّ يَا خَيْرَ سَامِعٍ … أَعِذْنِي مِنْ التَّسْمِيعِ قَوْلًا وَمِفْعَلا
أخِي أَيُّهَا المُجْتَازُ نَظْمِي بِبِابِه … يُنَادَى عَلَيْهِ كَاسِدَ السُّوقِ أَجْمِلا
ويلاحظ فيها غيرته على كتاب الله وعلى القراءات ورده على النحاة الذين جعلوا النحو ميزانا يَزِنُون القراءات فإذا خالفت قراءة قارئٍ قاعدةً في النحو عندهم طعنوا في هذه القراءة وضعَّفوها فقال:
فلا تلم … مِنْ مُلِيمي النَّحْوِ إِلا مُجَهِّلا
وبالجملة فإن القصيدة تحتوي على علوم كثيرة في القراءات والنحو والبلاغة والأدب والأخلاق وإليك بعضًا من ذلك:
_________________
(١) غاية النهاية ٢/ ٢٢.
[ ١ / ٥٨ ]
وَفِي الفَجْرِ بِالوَادِي دَنَا جَرَيَانُهُ … وَفِي الوَقْفِ بِالوَجْهَينِ وَافَقَ قُنْبُلا
وَحَيْثُ أَتَاكَ القُدْسِ إِسْكَانُ دَالِهِ … دَوَاءٌ وَلِلبَاقِينَ بِالضَّمِّ أُرْسِلا
وَنَقْلُ قُرَانٍ وَالقُرَانِ دَوَاؤُنَا … وَفِي تُكْمِلُوا قُلْ شُعْبَةُ المِيمَ ثَقَّلا
انظر إلى هذه الأبيات كيف جمع القراءات فيها بإسلوب جميلٍ بديع، فقال: (بالوادي دنا جريانه) حيث ذكر جريان الوادي ليأتي برمز ابن كثير وهو (د) من (دنا)، وفي البيت الثاني أتى بكلمة القدس بإسكان الدال وهي قراءة ابن كثيرٍ، وأتى برمزه وهو الدال من (دواء)، وكذلك كلمة (قرآن والقرآن) في القرآن كله حيث قرأها ابن كثير بنقل الهمزة، وأتى بكلمة (دواؤنا) ليأخذ حرف الدال وهو رمز ابن كثير، وأتى بكلمة دواؤنا من الدواء وهو العلاج، ليبين أن القرآن دواء القلوب.
وبالجملة فإن القصيدة لو نظر وتأمل فيها أحد لاستخرج منها كنوزًا وفنونًا عديدة، فقد روى السخاوي عن شيخه الشاطبي أنه قال (^١): «لو كان في أصحابي خيرٌ أو بركة لاستنبطوا من قصيدتي هذه مالم يخطر ببالي».
وقال أبو شامة في شرحه على الشاطبية (^٢): رأيت الشيخ الشاطبي في المنام، وقلت له: ياسيدي حكى لنا عنك الشيخ أبو الحسن السخاوي أنك قلت: كيت وكيت، فقال: صدق.
_________________
(١) إبراز المعاني ٨.
(٢) مختصر الفتح المواهبي ٥٨.
[ ١ / ٥٩ ]