هو الإمام علي بن محمد بن عبد الصمد بن عبد الأحد بن غالب، علم الدين، أبو الحسن الهمْداني السَّخَاوي، المقرئ المفسِّر النَّحْوي (^١)، شيخ القراء بدمشق في زمانه.
ولد سنة ثمانٍ أوتسع وخمسين وخمس مائة (بسخا) ونُسِبَ الإمامُ السَّخَاوي إلى (سخا) وهي مدينة في مصر، قال ياقوت الحموي (^٢): سخا: كورة بمصر وقصبتها سخا بأسفل مصر، وهي الآن قصبة كورة الغربية، ودار الوالي بها، وهي من فتوح خارجة بن حنظلة بولاية عمرو بن العاص حين فتح مصر أيام عمر -﵁- اهـ.
قلت: والنسبة إلى (سخا) سَخَوِي لأن القاعدة: أنَّ الاسم إذا كانت فيه الألف الأصلية ثالثةً قلبت واوًا كعَصًا وعَصَوِيٍّ، وفَتَىً وفَتَوِيٍّ، فتصبح النسبة في سَخَا سَخَوي قال ابن مالك:
لشبهها المُلْحِق، والأصليِّ ما … لها؛ وللأصليٍّ قَلبٌ يُعْتَمِي
قال ابن عقيل (^٣) عند هذا الموضع: إنَّ ألف الإلحاق المقصورة كألف التأنيث في وجوب الحذف إن كانت خامسةً كَحَبَرْكي، وحَبَرْكيٍّ.
_________________
(١) ذيل الروضتين ١٧٧، وفيات الأعيان ٣/ ٣٤٠، غاية النهاية ١/ ٥٦٨، طبقات السبكي ٨/ ٢٩٧، معرفة القراء ٢/ ٦٣١، النجوم الزاهرة ٦/ ٣٥٤.
(٢) معجم البلدان ٣/ ١٩٦.
(٣) شرح ابن عقيل جـ ٤/ ١٥٥.
[ ١ / ٦٦ ]
وأما الألف الأصلية؛ فإن كانت ثالثةً قُلِبَت واوًا كعَصًَا وعَصَوِيٍّ.
وأما هذه النسبة وهي السخاوي فهي من قبيل إطلاق الناس عليه، ويطلق عليه من شواذ النسب.
كان مبدؤه الاشتغال بالفقه على مذهب الإمام مالك بمصر، ثم انتقل إلى مذهب الإمام الشافعي، وسكن بمسجدٍ بالقرافة يؤمُّ فيه مدة طويلةً، ولما قدم الإمام الشاطبي بلاد مصر لازمه، وأخذ عنه الشاطبية حيث قرأ عليه الشاطبية أكثر من مرةٍ، قال في شرحه فتح القصيد (^١): «والآن أبدأ بشرح حرز الأماني مستعينًا بالله، وهو خير مُعين.
قال ﵀، وقرأتها عليه غير مرةٍ عارضًا ومقيدًا»، وبعد أن أتم القراءة رحل إلى دمشق مع الأمير موسك بن جكو (^٢) ابن خال الملك صلاح الدين الأيوبي، حيث كان يعلم أولاده، ثم استوطن دمشق إلى أن مات.
صفاته:
قال الإمام ابن الجزري (^٣): «كان إمامًا علامةً مقرئًا محققًا بصيرًا بالقراءات وعللها، إمامًا في النحو واللغة والتفسير، عالمًا بالفقه وأصوله، طويل الباع في الأدب، مع التواضع والدين والمودة وحسن الأخلاق، من أفراد العالم وأذكياء بني آدم، مليح المجاورة، حلو النادرة، حاد
_________________
(١) انظر قسم التحقيق من هذه الرسالة ١/ ٤٧.
(٢) النجوم الزاهرة ٦/ ١١٠.
(٣) غاية النهاية ١/ ٥٦٩.
[ ١ / ٦٧ ]
القريحة، مطرح التكليف، وافر الحرمة، كبير القدر، محببًا إلى الناس، ليس له شغلٌ إلا العلم والإفادة».
ولما جاء إلى دمشق وقرأ على علمائها لمع نجمه وعلا صيته، وأقبل الناس إليه يقرؤون، فصارت له حلقة بجامع دمشق، ثم ولي مشيخة الإقراء بتربة أم الصالح، وبها كان مسكنه.
وقد وصفه القاضي ابن خلكان قائلًا (^١): «رأيته مرارًا راكبًا بهيمةً إلى الجبل - جبل قاسيون بدمشق - وحوله اثنان وثلاثة يقرؤون عليه دفعةً واحدة في أماكن من القرآن مختلفة وهو يرد على الجميع».
وقد أنكر الإمام الذهبي هذا العمل عندما ترجم للإمام السخاوي، فقال (^٢): ما أعلم أحدًا من المقرئيين ترخَّص في إقراء اثنين فصاعدًا إلا الشيخ علم الدين، وفي النفس من صحة تحمل الرواية على هذا الفعل شيءٌ فإنَّ الله ماجعل لرجلٍ من قلبين في جوفه.
ولا ريب في أنَّ ذلك أيضًا خلاف السنة، لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ (^٣)، وإذا كان هذا يقرأ في سورة، وهذا في سورة، وهذا في سورة في آنٍ واحدٍ، ففيه مفاسد:
أحدها: زوال بهجة القرآن عند السامعين.
_________________
(١) وفيات الأعيان ٣/ ٣٤٠.
(٢) معرفة القراء ٢/ ٦٣٣.
(٣) الآية (٢٠٤) من سورة الأعراف.
[ ١ / ٦٨ ]
وثانيها: أن كل واحدٍ يشوش على الآخر، مع كونه مأمورًا بالإنصات.
وقد دافع الإمام ابن الجزري عن فعل الإمام السخاوي، وردَّ على قول الإمام الذهبي فقال (^١): في النفس شيء، ألم يسمع وهو يرد على الجميع مع أنَّ السخاوي لانشك في ولايته.
قلت: لا يمنع أن يكون دقة الشيخ وقوة حفظه وضبطه من السماع لاثنين أثناء القراءة، ولكن الأفضل أن يقرأ التلاميذ عليه واحدًا واحدًا فإنه أكثر ضبطًا لكتاب الله.
_________________
(١) غاية النهاية ١/ ٥٦٩ - ٥٧١.
[ ١ / ٦٩ ]