شَهِدَ العلماء بولاية الإمام الشاطبي وتناقلوا بعضًا من أخبار كراماته، قال عنه الإمام ابن السبكي (^١): «كان الشاطبي من العلماء المتورعين وأولياء الله المخلصين».
وقال عنه الحافظ ابن الجزري (^٢): «هو وليُّ الله».
وقد ذكر تلميذه وخليفته من بعده الإمام السخاوي بعضًا من هذه الكرامات قال (^٣): «وذكرتُ له يومًا جَامِعَ مصر، وقلتُ: قد قيل: إنَّ الأذَانَ يُسمَعُ فيه مِنْ غَيْرِ المؤذِّنين ولايُدرى ماهو؟.
فقال: قد سَمِعْتُه مِرَارًَا لا أُحصيها عند الزَّوَال.
وقال لي يومًا: جَرَتْ بيني وبين الشيطان مخاطبةٌ، فقال لي: فعلتَ كذا فسأُهلِكُك
فقلتُ له: واللهِ ما أبالي بك.
وقال لي يومًا: كنتُ في الطريق وتخلَّفَ عنَّي من كان معي، وأنا على الدابَّةِ، وأقبل اثنانِ فسَبَّني أحدُهما سبًَّا قبيحاَ، وأقبلتُ على الاستعاذة، وبَقي كذلك ما شاء الله، ثم قال له الآخر: دَعْهُ، وفي تلك الحال لَحِقَني من كان معي، فأخبرتُه بذلك فطلبَ يمينًا وشِمَالًا فلم يَجدْ أحدًا».
وكان ﵀ يَعْذِلُ أصحابَه في السِّر على أشياء لا يعلمها منهم إلا الله -﷿-.
_________________
(١) طبقات السبكي ٧/ ٢٧٠.
(٢) غاية النهاية ٢/ ٢٠.
(٣) انظر: قسم التحقيق من هذه الرسالة ص ١/ ١٠.
[ ١ / ٤٥ ]
قال الحافظ ابن الجزري (^١): كان الشاطبي يصلي الصبح ثم يجلس للإقراء، فكان الناس يتسابقون السُّرى إليه ليلًا، وكان إذا قعد لايزيد على قوله: من جاء أولًا فليقرأ، ثم يأخذ على الأسبق فالأسبق: فاتفق بعض الأيام أن بعض أصحابه سبق أولًا، فلما استوى الشيخ قاعدًا قال: من جاء ثانيا فليقرأ، فشرع الثاني في القراءة وبقي الأول لا يدري حاله، فأخذ يتفكر فيما وقع منه بعد مفارقة الشيخ من ذنب أوجب حرمان الشيخ له، فتذكر أنه أجنب تلك الليلة ولشدة حرصه على النوبة نسي ذلك لمَّا استيقظ من نومه، فبادر إلى النوبة، فاطلع الشيخ على ذلك، فأشار للثاني بالقراءة، ثم إنَّ ذلك الرجل بادر إلى الحمام المجاور للمدرسة فاغتسل به، ثم رجع قبل فراغ الثاني، فلما فرغ الثاني قال الشيخ: من جاء أولًا فليقرأ، فقرأ.
قال الإمام السخاوي (^٢): سمعت أبا عبدالله الكردي يقول: حججت سنة ثمانين وخمسمائة فسمعت جماعةً من المغاربة يقولون: من أراد أن يصلي خلف رجلٍ لم يعص الله قطُّ في صغره ولاكبره فليصلِّ خلف أبي القاسم الشاطبي.
مؤلفاته:
١ - ألّف الإمام الشاطبي قصيدته المشهور المسماة بـ «حرز الأماني ووجه التهاني»، وقد سماها في القصيد قال:
وسَمَّيتُهَا حِرْزَ الأمَانِي تَيَمُّنَا … ووَجَهَ التَّهَانِي فَاهْنِهِ مُتَقَبَّلا
_________________
(١) غاية النهاية ٢/ ٢١.
(٢) ذكره القسطلاني في كتابه. مختصر الفتح المواهبي ص ٥٠.
[ ١ / ٤٦ ]
وقال عنها: «لايَقْرأُ أحدٌ قصِيدَتي هذه إلاويَنْفَعُه الله -﷿- بها لأنني نَظَمْتُهَا للهِ سُبحَانه» (^١).
وهي من أنفس ماكتب ونظم في هذا الفن حيث نظم كتاب التيسير لأبي عمرو الداني.
٢ - عقيلة أتراب القصائد في أسنى المقاصد تبلغ مائتين وثمانية وتسعين بيتًا حيث نظم فيها كتاب المقنع لأبي عمرو الداني وهي منظومة في رسم المصاحف. يقول فيها:
الحمدُلله مَوْصُولًا كما أَمَرا … مُبارَكًا طَيِّبًا يسْتَنْزِلُ الدِّررا
ذو الفَضْل والمنِّ والإحسانِ خَالِقُنا … ربُّ العبادِ هو الله الذي قَهَرَا
ومن يَقُلْ بكلامِ اللهِ طَالَبَهم … لم يَحْلُ في العِلْمِ وِرْدًا ولا صَدَرا
مالا يُطاقُ ففي تعيينِ كُلفَتِهِ … وجائزٍ ووقوعٍ عُضلةُ البُصرا
لله درُّ الَّذي تأليفُ مُعْجِزِهِ … والانتصارِ لهُ قَدْ أَوْضحا الغُرَرا
ولم يَزَلْ حِفْظُهُ بين الصحابة في … عُلا حياةِ رسولِ الله مُبْتَدِرا
وكلَّ عامٍ على جبريل يعْرِضهُ … وقيل آخر عامٍ عَرْضَتَيْنِ قَرَا
إنّ اليمامةَ أَهْوَاها مُسَيْلَمةُ الْـ … ـكذَّابُ في زَمَنِ الصِّدِّيقِ إذْ خَسِرَا
وبعدَ بأسٍ شديدٍ حانَ مَصْرَعُهُ … وكان بأسًا على القُرَّاء مُسْتَعِرَا
نادى أبا بكرٍ الفاروقُ خِفْتُ على الـ … ـقُرَّاءِ فادِّرِك القُرآن مُسْتَطِرا
فأجمعوا جمْعَهُ في الصُّحْفِ واعْتَمَدُوا … زيدَ بن ثابتٍ العَدْلَ الرِّضَى نَظَرَا
فقامَ فيه بعونِ الله يَجْمَعُهُ … بالنُّصْحِ والجدِّ والحزْمِ الذي بَهَرَا
مِنْ كلِّ أوجههِ حتى استتمّ له … بالأحرفِ السبعة العَليا كما اشتَهَرَا
فأمسكَ الصُّحُفَ الصِّدِّيقُ ثُمَّ إلى … الفاروقِ أسلمها لمّا قَضَى العُمُرَا
_________________
(١) انظر قسم التحقيق من هذه الرسالة ١/ ١٠٩.
[ ١ / ٤٧ ]
وعند حفصةَ كانت بعدُ فاختلف الـ … ـقرَّاءُ فاعتزلوا في أحرفٍ زُمَرَا
وكان في بعضِ مغزاهُمْ مُشَاهِدَهُم … حذيفةٌ فرأى في خُلْفِهِم عِبرا
٣ - منظومة تسمى ناظمة الزهر في عدد الآي (^١)، وعدد أبياتها مائتان وسبعة وتسعون بيتًا، يقول فيها:
بدأتُ بحمد الله ناظمةَ الزهر … لِتجني بعون الله عينًا من الزهر
وعذتُ بربي من شرورِ قضائهِ … ولذتُ به في السِّرِّ والجهر من أمري
وإني استخرتُ الله ثم استعنته … على جمع آي الذِّكر في مشرع الشِّعر
وأنيطت في أسرارها سر عذبها … فسر مُحيَّاه بمثل حَيا القَطْر
وقد صحَّ في السبع المعاني وغيرها … من العدِّ والتعيين مالاح كالفَجْر
ولمّا رأى الحفاظُ أسلافَهم عُنُوا … بها دونوها عن أولي الفضل والبرِّ
فعن نافعٍ عن شيبةٍ ويزيد أو … ول المدني إذ كلُّ كوفٍ به يُقري
وحمزة مع سفيان قد أسنداه عن … عليٍّ عن أشياخٍ ثقاتٍ ذوي خُبر
والآخر إسماعيل يرويه عنهما … بنقل ابن جمَّازٍ سليمان ذي النَّشْر
٤ - منظومة في خمسمائة بيت (^٢) نظم فيها كتاب التمهيد لابن عبدالبر قال الإمام السخاوي (^٣): وأَخْبَرَنِي: أنَّه نَظَمَ في كتابِ التَّمْهِيد لابن عبدالبَر ﵀ قصيدةً داليةً في خمسمائة بيتٍ من حفظِهِ، أحاطَ بالكتابِ عِلمًا.
_________________
(١) إتحاف البررة بالمتون العشرة ص ٣٤٢.
(٢) كتاب التمهيد لابن عبدالبر طبع الآن في ستٍ وعشرين مجلدًا فكيف نظمه الشاطبي في (٥٠٠) بيت، فلعلها (٥٠٠٠) بيت. والله أعلم، ولاوجود لهذة القصيدة في المكاتب ولم يقف عليها أحد من العلماء.
(٣) انظر: قسم التحقيق من هذه الرسالة ص ١/ ١٠٩.
[ ١ / ٤٨ ]
ثناء العلماء عليه:
أثنى الأئمة والمؤرخون وعلماء الحديث على الإمام الشاطبي وملئت كتبهم بذكره حتى أفرد الإمام القسطلاني رحمه كتابًا خاصًا عن حياة الإمام الشاطبي سماه الفتح المواهبي في مناقب الإمام الشاطبي (^١).
وممن أثنى عليه تلميذه الإمام السخاوي قال (^٢): «كان عالِمًا بكتابِ اللهِ، بقراءاتِهِ وتفسيرِهِ، عَا لِمًَا بحديث رسول الله -ﷺ-، مبرِّزًَا فيه».
وكذلك قال الإمام الذهبي (^٣): «القاسم بن فِيره الشاطبي الرُّعيني كان إمامًا علامةً ذكيًا، كثير الفنون، منقطع القرين، رأسًا في القراءات وكان موصوفا بالزهد والعبادة والانقطاع»
قال أبو شامة (^٤):
رأيت جماعة فضلاء فازوا … برؤية شيخِ مصر الشاطبي
وكلهم يعظمه ويثني … كتعظيم الصحابة للنبي
قال السبكي (^٥): «كان الشاطبي من العلماء المتورعين، وأولياء الله الفائزين»، وقال أيضًا: «كان الشاطبي إمام القراءات في عصره حرّر رواياتها، ورفع على هام الجوزاء راياتها، فأصبح في وقته والناس لغيره قالون، وعقدوا عليه إجماعهم وقالوا: هو قالون، انتهت إليه الرئاسة
_________________
(١) وقد اختصره الدكتور محمد عقيل وسماه مختصر الفتح المواهبي في مناقب الإمام الشاطبي، حيث حذف الأسانيد وكان الأولى عدم اختصاره ولا سيما أنّ كتاب المناقب لم يطبع بل اختصره قبل أن يطبع.
(٢) انظر: قسم التحقيق من هذه الرسالة ص ١/ ١٠٩.
(٣) معرفة القراء الكبار ٢/ ٥٧٤.
(٤) غاية النهاية ٢/ ٢١.
(٥) طبقات السبكي ٧/ ٢٧٠.
[ ١ / ٤٩ ]
في إقراء القراءات ومعرفة وجوهها وتقرير علومها، مع المعرفة التامة بالحديث، والنحو، واللغة وغير ذلك مما انفرد به، واعترف له به أهل عصره ومن بعدهم، وانتفع به جماعة من الأجلاء، وارتقوا ببركته إلى المناصب العلية والمراقي السَّنِيَّة».
قال الإمام أبو إسحاق الجعبري (^١): «كان إمامًا في علوم القراءات، ناصحًا لكتاب الله، متقنًا لأصول العربية رُحْلَةً في الحديث، لا يجلس للإقراء إلا متطهرًا».
وقال الصلاح الصفدي (^٢): «كان إمامًا علامةً نبيلًا، محققًا ذكيًا، حافظًا للحديث كثير العناية به».
قال الإمام ابن الجزري (^٣): «هو ولي الله العلامة أحد الأعلام الكبار المشهورين في الأقطار كان إمامًا كبيرًا أعجوبة في الذكاء آية من آيات الله».
قال القسطلاني (^٤): «هو الإمامُ العارِفُ، الوَليُّ الكاشف، قطب دائرة القراء، وحامل لواء الإقراء، أربى في فصاحته على سحبان، كان علم المهتدين، وحجة السالكين، متكلمًا بنور بصيرةٍ تشرق على السرائر، ولايته أشهر من الشمس وأضوأ من القمر، فهو الولي الذي ما شكّ أحدٌ بحمد الله في صدق ولايته، والإمام الذي ودَّ كل إمام أن يصلى خلفه ليعدَّ من جماعته».
_________________
(١) كنز المعاني مخطوط ورقة ٩.
(٢) نكت الهميان ٨٢٨.
(٣) غاية النهاية ٢/ ٢٠.
(٤) مختصر المواهب ص ٤٩.
[ ١ / ٥٠ ]
وفاته:
وبعد هذه الرحلة العظيمة لهذا العالم المتقن الذي صنعته الأقدار لحفظ كتاب الله العظيم توفي إمام العلم المقرئ الكبير الإمام الشاطبي بعد صلاة العصر من يوم الأحد سنة تسعين وخمسمائة في القاهرة (^١)، ودفن يوم الاثنين بمقبرة البيساني، وصلى عليه أبو إسحاق المعروف بالعراقي إمام جامع عمرو بن العاص، وكانت جنازته مشهودة لم يتخلف عنها أحدٌ وأسف الناس لفقده.
_________________
(١) انظر قسم التحقيق من هذه الرسالة ١/ ١١٠، ١١١.
[ ١ / ٥١ ]
الفصل الثاني: قصيدة الشاطبية
وفيه عدة مباحث:
المبحث الأول: أهمية قصيدة الشاطبية في علم القراءات.
المبحث الثاني: صفاتها ومزاياها.
المبحث الثالث: الكتب التي شرحت القصيدة الشاطبية.
[ ١ / ٥٣ ]