ودُفِنَ يوم الاثنين في مقبرة البِيسَانِي، وتُعْرَف تلك الناحيةُ (بسارية)، وصلى عليه أبو إسحاق المعروف بالعراقي (^١) إمامُ جَامِعِ مصر يومئذ.
أخذ القراءةَ عن الشيخ الإمام الزَّاهد أبي الحسن بن هُذَيْل (^٢)، عن أبي داود (^٣)، عن أبي عمروٍ الداني (^٤) ﵏.
_________________
(١) أبو إسحاق إبراهيم بن منصور بن المسلَّم، الفقيه الشافعي المصري، المعروف بالعراقي، الخطيب بجامع مصر، كان فقيهًا فاضلًا، شرح كتاب المهذب، ولم يكن بالعراق، وإنما سافر إلى بغداد واشتغل بها مدة فنسب إليها لإقامته بها تلك المدة ثم عاد إلى مصر، وتولى الخطابة بجامعها العتيق والإمامة به، ولم يزل إلى حين وفاته، توفي سنة ست وتسعين وخمسمائة بمصر. (وفيات الأعيان ١/ ٣٣)
(٢) الإمام علي بن محمد بن علي بن هذيل البلنسي، المقرئ، الزاهد، لازم أبا داود، ونشأ في حجره لأنه كان زوج أمه، فقرأ عليه القراءات، وسمع منه شيئًا كثيرًا، وهو أجلُّ أصحاب أبي داود وأثبتهم، كان منقطع القرين في الفضل والدين والورع، والزهد مع العدالة والتواضع والإعراض عن الدنيا، صوامًا، قوامًا، كثير الصدقة، قرأ عليه الشاطبي وخلق لا يحصون. توفي سنة أربعٍ وستين وخمسمائة. (معرفة القراء الكبار ٢/ ٥١٧ - غاية النهاية ١/ ٥٧٣)
(٣) هو سليمان بن أبي القاسم نجاح أبو داود المقرئ شيخ الإقراء ومسند القراء وعمدة أهل الأداء، أخذ القراءات عن أبي عمرو الداني ولازمه، قرأ عليه خلق كثير منهم: أبو عبد الله بن سعيد الداني، وأبو علي الصدفي، وأبو العباس الثقفي كان من جملة المقرئين وفضلائهم، عالمًا بالقراءات وطرقها حسن الضبط، ثقة. توفي سنة ست وتسعين وأربعمائة. (معرفة القراء ١/ ٤٥٠ - غاية النهاية ١/ ٣١٦)
(٤) هو عثمان بن سعيد بن عثمان أبو عمرو الداني القرطبي، الإمام، العلم المعروف في زمانه، قرأ على خلف ابن إبراهيم بن خاقان، وأبي الفتح فارس وابن غلبون، قرأ عليه ابن الفصيح، وابن الدش، وأبو داود سليمان ابن نجاح، كان أحد الأئمة في علم القرآن، رواياته وتفسيره، ومعانيه وطرقه وإعرابه، مجاب الدعوة، مالكي المذهب، من أهل الحفظ والذكاء، والتفنن، دينًا فاضلًا، ورعًا سنيًا، توفي سنة أربع وأربعين وأربع مائة. (معرفة القراء، ١/ ٤٠٦ - غاية النهاية ١/ ٥٠٣)
[ ١ / ١١٣ ]
وأخذها أيضًا عن أبي عبد الله محمد بن أبي العاص النَّفْزِي (^١)، وقد رأيت أنْ أَذْكُرَ ما كتباه له لما في ذلك من معرفة سنده المتصل بالأئمة السبعة -﵃-، ثم أذكرَ إن شاءَ الله عند ذكرِ الأئمة السبعة اتصالَ قراءاتهم برسول الله -ﷺ-، إذ لابد من معرفة ذلك لمن ترجع قراءته إلى هذا السند.
نقلتُ من كتاب أبي عبد الله محمد بن أبي العاص النَّفْزِي الذي كتبه له:
الحَمدُ لله الواحدِ الصَّمدِ الذي لم يلدْ ولم يولدْ، ولم يكنْ لَه كفوًا أحد، هو الذي خلق الأنامَ بحكمتهِ، وفَطرَ السمواتِ والأرضَ بقدرتهِ، الأولُ بلا عديل، والآخرُ بلا مثيل، والأحدُ بلا نظير، والقاهرُ بلا ظهير، ذو العظمةِ والملكوتِ، والعزةِ والجبروتِ (^٢)، هو الذي لا يؤوده حفظُ ما ابتدأ، ولا تدبير ما بدأ، جَلَّ عن تحديدِ الصِّفات، فلا يُرام بالتدبير، وخَفيَ عن الأفْهَامِ، فلا يُقاسُ بالتفكير، لا تتصرف به الأحوالُ، ولا يُضربُ له الأمثالُ، له المثلُ الأعلى والأسماءُ الحسنى.
أحمَدُهُ حَمْدَ مَنْ شَكرَ نعماءه، ورَضِي في الأمورِ بكُلِّ ما قضاه، وأُومنُ
_________________
(١) الإمام أبو عبد الله محمد بن العاص النفزي المقرئ، أخذ القراءات، وجوَّدها عن أبي عبد الله بن سعيد الداني، وكان دينًا خيرًا بصيرًا بالروايات، وعنه أخذ أبو عبد الله بن سعادة، وأبو القاسم الرعيني الشاطبي، وهو قديم الوفاة، وأظنه توفي قبل ابن هذيل. توفي سنة بضعٍ وخمسين وخمسمائة. (معرفة القراء الكبار ٢/ ٥٤٦ - غاية النهاية ٢/ ٢٠٤)
(٢) قوله: [والعزة والجبروت، هو الذي] في (ع) و(ت) [والعزة والجبروت، الحي الذي لا يموت هو الذي]
[ ١ / ١١٤ ]
به إيمانَ من أخلصَ عبادتَه، واستشعَرَ طاعتَه، وأَتوكلُ عليه توكلَ مَنْ وِثِقَ به وفوَّضَ إليه.
وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له شهادةَ منِ اعترف له بالوحدانيةِ والربوبية، وأُقِرُّ له/ بالصَّمَدَانيةِ والأُلوهية.
وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُه المُصْطَفَى، ورسُولُه المُرتَضى، بعثَه إلى الثَّقَلين بالدين القيم، والبُرهانِ المُبين، بكتابٍ عزيزٍ حكيم، معجزِ التآليف والنظامِ، بائِنٍ عن جميع الكلام، خارجٍ عن تحبيرِ المخلوقين، ﴿تنزيلٌ مِنْ رَبِّ العَلِمِين﴾ (^١).
فرَضَ فيه الفَرائِضَ، وأَوْضحَ فيه الشَّرَائعَ، وأَحَلَّ وحَرَّمَ، وأَدَّبَ وعَلَّمَ، وأَنزلَه بأيسر الوجوه وأفصحِ اللغاتِ، وأَذِنَ فيه بتغايرِ الألفاظِ واختلافِ القراءاتِ، وجَعلَه مُهيمَنًا على كلَّ كتابٍ أنزلَه قبلَ القُرآنِ، ووعدَ مَنْ تلاه حقَّ تلاوته بجزيل الأجرِ والثوابِ والرضوان (^٢)، وحفظه اللهُ من تحريفِ المبطلين، وخطل الزائفين، وأورثه من اصطفاه من خليقته، وارتضاه من بريته، فهم خاصُّ عبادِه، ونورُ بلادِه، فلله الحَمْدُ على ما أنعم وأولى، ووهب وأعطى من الآية التي لا تحصى، ونَعْمَائِهِ التي لاتَخْفَى.
وصلَّى اللهُ على نبيه محمدٍ أمينِ وحيهِ، وخاتمِ رسلهِ، صلاةً زاكيةً تامةً على مرِّ الزمن، وتتابع الأممِ، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه المنتخَبِين، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين، ثم السَّلام عليه وعليهم أجمعين.
_________________
(١) الآية (٤٣) من سورة الحاقة.
(٢) قوله: [والثواب والرضوان] في (ع) [والثواب والغفران والرضوان].
[ ١ / ١١٥ ]