كان منهج الإمام السخاوي في كتابه فتح الوصيد على النحو التالي:
١ - مقدمة فيها ثناءٌ وتمجيد لرب العالمين، ثم اسم الكتاب وأهمية حرز الأماني، وأهمية كتاب التيسير.
٢ - ترجمة وجيزة لشيخه الإمام الشاطبي وفيها صفاته وأحواله وشيء من كراماته، ثم وفاته والصلاة عليه ومكان دفنه.
٣ - إجازات الإمام الشاطبي من شيوخه، وأهمهم الإمام المقرئ أبي عبد الله النفزي، وابن هذيل.
٤ - ذكر القراء السبعة وأسانيدهم.
٤ - ذكر فيه بعض قصائد الإمام الشاطبي التي نظمها في حياته.
٥ - شرح مفصل للقصيدة الشاطبية.
أسلوب الإمام السخاوي في الشرح:
كان كتاب فتح الوصيد شرحًا وافيًا شاملًا واسعًا للقصيدة الشاطبية، فعند قراءة الكتاب والعيش معه في تحقيقه شعرت أنني أمام كتاب واسعٍ، فيه مادة علمية غزيرة، فهو كتاب حوى عدة كتبٍ.
في علم القراءات، حلّ القصيدة وشرح غموضها، وبَيَّن مراد الناظم في الرموز، فكان هذا الكتاب نبعًا معينًا لشروح الشاطبية من بعده، وحَكَمًا بين شراح القصيد إذا اختلفوا في أبيات الناظم.
كذلك بَيَّن أقوال علماء النحو والصرف في كثير من الكلمات اللغوية، وبين وزنها الصرفي، وناقش آراء النحاة وردّ عليهم لأنهم حكَّموا القرآن
[ ١ / ٨٨ ]
على قواعد النحو مما دفعهم للطعن في كثيرٍ من القراءات المتواترة، فكان ردّه عليهم ردًا علميًا واسعًا، يدلك على دقته ورسوخه في علم النحو والصرف فمثلًا: في حقيقة الإشمام في: «قيل» «وحيل».
يقول (^١): وزعم قومٌ من أهل الأداء أنَّ حقيقة الإشمام في ذلك: أن يُشمَّ أوله ضمًا مختلسًا، وهذا أيضا باطل؛ لأنَّ مايختلس من الحركات ولا يتم الصوت به كهمزة بين بين، وغيرها، لا يقع أبدًا أوَّلًا، وذلك لقربه بالتضعيف والتوهين من الساكن المحض، وإنما دخل الوهم على هؤلاء وعلى قومٍ من جهلة النحاة من أجل العبارة عنه بالإشمام.
ردّ على النحاة لطعنهم في قراءة ابن عامر في قوله تعالى: ﴿وكذالك زُيِّنَ لكثيرٍ من المشركين قتلُ أولادَهُم شُركائِهِم﴾، وخاصة إنكار الإمام الزمخشري قراءة ابن عامر قال الإمام السخاوي (^٢): وقد اشتد نكيرُ النحاةِ البصريين على ابن عامرٍ وسلك المتأخرون مسلكهم في الطعن والردِّ حتى قال بعضهم (^٣): «إنَّ ذلك لو كان في مكان الضرورات وهو الشعر لكان سَمِجًَا مردودًا، كما سَمُجَ ورُدَّ:
… زجَّ القلوص أبي مزادة
فكيف به في الكلام المنثور، فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته؟. قال: والذي حمله على ذلك أنْ رأى في بعض المصاحف
_________________
(١) انظر قسم التحقيق من هذه الرسالة ٢/ ٣٧٧.
(٢) انظر قسم التحقيق من هذه الرسالة ٢/ ٥٤١.
(٣) القائل هو الزمخشري في تفسيره. انظر: تفسيره ١/ ٥٣٠.
[ ١ / ٨٩ ]
شركائهم مكتوبًا بالياء، ولو قرأ بجر فقد أورد شواهد من أشعار العرب على صحة القراءة، ثم ردَّ السخاوي فقال:
وإذا ثبتت القراءة عن إمامٍ من أئمة القراءة فما وجه الطعن فيها؟، وأما الخطُّ فما اعتمدت اللغة عليه إلا مع النقل، وقد جاءت التفرقة بين المضافين في الكلام والشعر، وقد حكى ابن الأنباري عن العرب: هو غلام إن شاء الله أخيك.
وقد اهتم الإمام السخاوي بالشواهد الشعرية في كتابه فقد أورد العديد من شواهد كأدلة على صحة القراءة.
في الفقه أعطى اهتمامًا بالمسائل الفقهية وتوجيه القراءة المختلف فيها، واختلاف الفقهاء في ذلك، فمثلًا القراءة في ﴿يطهرن﴾ قال: لأنَّ يطهرن بالتخفيف يحتمل أن يراد به انقطاع الدم؛ فيكون التقدير على هذا على رأي من لا يجيز الوطء إلا بعد الغسل حتى يطهرن ويتطهرن بالماء، ويدل على ذلك قوله ﴿فإذا تَطَهَّرْنَ﴾ (^١)، وهذا كما تقول: لا تكلم زيدًا حتى يجلس فإذا طابت نفسه فكلِّمه أي: فإذا جلس وطابت نفسه فكلِّمه؛ فهذا وجه قد سما فيه عند مَنْ عوَّل عليه، وأبو حنيفة يجيز الوطء من غير اغتسال إذا انقطع الدم لأكثر مدة الحيض عنده وهو عشرة أيام.
وأباح الأوزاعي وطأها بعد انقطاع الدم إذا غسلت فرجها، وكذلك يقول مجاهد إذا توضأت وأصحاب هذه الإباحة يحتجون بظاهر اللفظ، وفي قوله: حتى يطهرن ويحملون قوله ﴿فإذا تطهرن﴾ على ذلك ويجعلونه بمعناه ويحتمل التخفيف أيضًا
_________________
(١) الآية (٢٢٢) من سورة البقرة.
[ ١ / ٩٠ ]
أن يكون حتى يطهرن بالغسل كما تقول لمن اغتسل من الجنابة: قد طهرت، وهو معنى تفسير الحسن، ومَنْ قرأ يطَّهَّرن فأصله يتطهرن فأدغمت التاء في الطاء (^١).
كذلك اختلافهم في قراءة أرجلكم قال رحمه: وقيل: لمَّا كان غَسْلُ الأرجل بصبِّ الماء فهي مَظِنَّةٌ الإسراف، وهو منهيٌّ عنه مذموم فعطفت على الممسوح لا لتُمْسَحَ ولكن ليُنَبِّهَ على وجوب الاقتصاد في صبِّ الماء عليها.
وقوله: ﴿إلى الكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة ٦] دالٌ على الغُسل لأنَّ المسح لم يُجْعَل له حدٌّ؛ وقال الشافعي ﵀: أراد بالنصب قومًا، وبالجر آخرين؛ يعني أنهما نزلتا من السماء، فأفادت إحداهما وجوب الغسل، وأفادت الأخرى المسح على الخفين؛ ولذلك قال النبي -ﷺ- في القراءتين المختلفتين: «هكذا أنزلت هكذا أنزلت»؛ فهذا يؤيد ما ذهب إليه الشافعي (^٢).
ومما يمتاز به الكتاب اعتماده على كتاب التيسير، فهو شرح القصيد لكنه رجع إلى أصل القصيد وهو كتاب التيسير فأخذ يثبت ماذكره الإمام أبوعمرو الداني.
كذلك مناقشة آراء المعتزلة، وعلى رأسهم شيخ النحاة في عصره الزمخشري ففي قراءة ابن عامر ﴿وكذالك زُيِّنَ لكثيرٍ من المشركين قتلُ أولادَهُم شُركائِهِم﴾ فقد دافع عنها وردَّ قول النحاة كما تقدَّم.
_________________
(١) انظر قسم التحقيق من هذه الرسالة ٢/ ٤٢٥.
(٢) انظر قسم التحقيق من هذه الرسالة ٢/ ٥٠٤.
[ ١ / ٩١ ]
كذلك اهتمامه بتوجيه القراءات المختلف فيها، فكان ينقل كلام أبي علي الفارسي في توجيه القراءة ويعتمد عليه إلا إذا أنكر قراءة من القراءات فكان يردُّ عليه ويخطئه.
اعتماده على أمهات كتب النحو ككتب سيبويه، وكتاب معاني القرآن للفراء، وكتاب معاني القرآن للزجاج والأخفش، فكان يورد كثيرًا من أقوالهم التي ذكروها في كتبهم لأنهم أئمة النحو في زمانهم.
اهتمامه بالأحاديث النبوية، فيأتي بها عاضدًا لصحة القراءة، ولكن قد تكون هذه الأحاديث غير صحيحة فيوردها (^١) دون النظر إلى درجة صحتها.
_________________
(١) وقد بينت الصحيح والضعيف منها في قسم التحقيق.
[ ١ / ٩٢ ]