وفيه عدة مباحث:
المبحث الأول: أهمية قصيدة الشاطبية في علم القراءات:
تُعَدُّ قصيدة الشاطبية المسماة بـ (حرز الأماني ووجه التهاني) من أهم وأبدع ما أُلِّف في علم القراءات حيث نظم فيها كتاب التيسير لأبي عمرو الداني (^١) فكانت قوية متينةً، اشتهرت في الآفاق والبلدان، وطارت بها الركبان، وأثنى عليها علماء القراءات وغيرهم.
قال الإمام أبو شامة (^٢): «ثم إن الله تعالى سهَّل هذا العلم على طالبيه بما نظمه الشيخ الإمام العالم الزاهد أبو القاسم الشاطبي ﵀ من قصيدته المشهورة المعروفة بحرز الأماني التي نبغت في آخر الدهر أعجوبة لأهل العصر، فنبذ الناس من مصنفات القراءات، وأقبلوا عليها لما حَوَتْ من ضبط المشكلات، وتقيد المهملات مع صغر الحجم وكثرة العلم».
قال الإمام الذهبي (^٣): «وقد سارت الركبان بقصيدته (حرز
_________________
(١) كتاب التيسير لأبي عمرو الداني وقد طبع بتصحيح الأستاذ أوتريرتزل.
(٢) إبراز المعاني لأبي شامة ص ٨.
(٣) معرفة القراء ٢/ ٥٧٤.
[ ١ / ٥٥ ]
الأماني)، وحفظها خلق لا يحصون، وخضع لها فحول الشعراء وكبار البلغاء وحذاق القراء فلقد أبدع وأوجز وسهَّل الصعب».
وقال الإمام ابن الجزري في وصف القصيدة الشاطبية (^١): «ولقد رزق هذا الكتاب من الشهرة والقبول مالا أعلمه لكتاب غيره في هذا الفن، بل أكاد أقول: ولا في غير هذا الفن، فإني لا أحسب أنَّ بلدًا من بلاد الإسلام تخلو منه، بل ولا أظن أنَّ بيت طالبِ علم يخلو من نسخة منه، ولقد تنافس الناس فيه ورغبوا في اقتناء النسخ الصحاح حتى إنه كان عندي نسخة جامعة للقصيدة اللامعة بخط السخاوي فأعطيت وزنها فضة ثمنا لها فلم أقبل».
قال في مرآة الجنان (^٢): «نظم القصيدتين اللتين سارت بهما الركبان وخضعت لبراعة نظمها فحول الشعراء وأئمة القراء والبلغاء».
وقد مدحها زكي الدين بن سفيان فقال (^٣):
لله درُّ الشَّاطبي الذي … أهدى لنا الدُّرَ بنظمٍ غَلا
قصيدةٌ جَلَّت عن الشِّعر بل … عروسُ حُسْنٍ قد غَدَت تُجْتَلا
«حِرز الأماني» أحرزت للمنى … وجه التهاني فاهنها مُتَقَبَّلا
يقول من ذاق جنا شهدها: … لله ما أعذبَ ما أنهلا
_________________
(١) غاية النهاية ٢/ ٢٢ - ٢٣.
(٢) / ٤٦٧.
(٣) مختصر الفتح المواهبي ص/ ٦٥.
[ ١ / ٥٦ ]
أعجوبةٌ تُعْجِبُ كلَّ الورى … لكنها تُعْجِزُ كُلَّ المَلا
تكاد تُعدُّ له آية … تُعْجِزُ مَنْ قد رام أو مَثَّلا
فلو يشاء مُبْتَكِرٌ مثلها … قالت قَوافيها الكلُّ: لا
قلت: ومن بركة إخلاص مؤلفها عموم النفع والشهرة التي طارت في الأفاق، فكل طالب علم من عصر مؤلفها إلى يومنا هذا إذا أراد تعلم القراءات فأول ما يبدأ به هو حفظ القصيدة الشاطبية.
ولقد أصبحت من المراجع الأساسية حتى إنها تدرس في جامعات العالم الإسلامي إذ إنها حوت القراءات السبعة المتواترة بأسلوب جميل.
وكان طالب العلم إذا أراد تعلم القراءات يحفظ كتابًا من كتب القراءات كالتيسير وغيره، فجاء الإمام الشاطبي وفتح هذا العلم بنظمه البديع حتى سهَّل العلم على طالبيه.
لذلك تنافس الطلاب على مرِّ العصور بحفظها والوقوف على معانيها، وغدت من أمهات المتون.
[ ١ / ٥٧ ]