بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآله وسلم
الحَمْدُ لله الذي جَعلَ كِتابه العزيز نورًا نهتدي به إذا أظلمت الأمور، وسُورًا نتحصَّن فيه عند نُزولِ المحذُور، وضياءً تَستَهْدِيهِ البصائرُ فلا تَحيدُ عن الحقِّ ولا تَحُور، وشفاءً لما في الصُّدُور، وشَفيعًا إذا بُعْثِرَ ما في القُبور.
أحْمَدُهُ على ما خَصَّنا مِنْ حَمْلِهِ، وأسألُه أن يجعلَنا من أهلهِ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً سليمةً من الأهواء، بريئةً ممن أَلْحَدَ في الأسْمَاءِ، طيبةً، أصلُها ثابتٌ وفرعها في السَّماءِ.
وأشهد أنَّ مُحمدًا -ﷺ- عبْدُه المؤيَّدُ بأوضحِ دليلٍ، المفضَّلُ على أهل كل قرنٍ وجيل المنعوتُ في التوراة والإنجيل، المبعوثُ بالكتاب الساطعِ بيانُه، القاطعِ (^١) برهانُه، المُسْكِتِ لكل ذي لَسَنٍ لسانَه، المودَعِ من الحِكَمِ ما ليس في كتاب، المنزَّلِ على سبعة أحرفٍ من سبعة أبواب، المبرَّأِ من التغير والتبديل على الآباد، المشهورِ بتوفر الدواعي عليه على تطاول الآماد، المحروسِ بمن يختاره الله [لميراثه، المصون المحفوظ بهم عن تخليط السواد] (^٢) التي لهج بها المبطلون.
﴿وإنَّ مِنْهمْ لَفَرِيقًا يَلوُون أَلْسِنَتَهم بالكِتَب لِتَحْسَبُوه مِنْ الكِتَبِ وما
_________________
(١) قوله: [القاطع برهانه] في (ع) [الصادع برهانه].
(٢) مابين المعقوفتين أثبتناه من (ع) وهو في الأصل مشوب بسواد.
[ ١ / ١٠٧ ]
هو من الكِتَبِ، ويقولون هو منْ عندِ اللهِ وما هو مِنْ عِنْدِ اللهِ ويَقُولُون على الله الكَذِبَ وهُمْ يعلَمُون﴾ (^١).
فلا يَخْلَقُ على كثرةِ التَكْرير والترديد، ﴿لايأْتِيه البَاطِلُ مِنْ بين يَدَيه ولا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حميدٍ﴾ (^٢).
وعِيدُهُ يَصدعُ قلوبَ الخَائفين، وتَوْحِيدُهُ يجمعُ علومَ العارفين، وأحكامُه تحْسُم مادةَ الخصامِ، وفرقانُه مميِّزٌ بين الحلالِ والحرامِ؛ فكلُّ عالمٍ اغْتَرَف مِنْ بحرهِ ووقفَ فيه عند قدره.
اللهمَّ اجْعَلْنا ممن ساعدَتْهُ على القيام به جوارِحُه وأوصالُه، واستنارت بتلاوته غُدواتُه وآصَالُه (^٣)، وَلانَ إلى ذِكْرك قلبُه، وتَوكَّفَ لخشيتك جَفْنُه (^٤)، وسمح بالدمع غَرْبه (^٥)، ولقيك متقرِّبًا إليك من تلاوته بأفضل عملٍ نائلًا لديك شفاعته فوق الأمل.
اللهمَّ وصلِّ على المنزَّل عليه فضْلَ صلاةٍ وأكمل، واخْصُصه بأطيبِ ذكرٍ وأجمل، وعلى أهله وصحبه السَّلام ماهَطَلَت السَّحَائبُ الهُمَّل (^٦)، وبعد
_________________
(١) الآية (٧٨) من سورة آل عمران.
(٢) الآية (٤٢) من سورة فصلت.
(٣) أول النهار وآخره عند الغروب مختار الصحاح (غدا) ص/ ٤٧٠.
(٤) قَطَر الجفن بالدمع خشيةً لله.
(٥) جاد بالدمع دلوه.
(٦) أي: الفائضة بالمطر. انظر: مختار الصحاح لأبي بكر الرازي مادة (همل) ص/ ٦٩٩.
[ ١ / ١٠٨ ]
فإنِّي أَذْكُرُ (^١) في هذا الكتابِ بحولِ اللهِ وقوتهِ شرحَ قصيدةِ الشيخِ الإمامِ شرفِ الحفاظِ والقرَّاءِ، عَلَمِ الزُّهادِ والكُبراءِ أبي القاسم بنِ فِيرُّه بن أبي القاسم الرُّعيني الشَّاطبي ﵀ الملقبة بـ «حِرْز الأماني ووجه التهاني» لما جمَعَتْهُ من الفوائدِ، وحَوَتْه من حسن المقاصد وسمَّيْتُه (^٢): «فتح الوصيد في شرح القصيد».
وماعلمتُ كتابًا في هذا الفنِّ منها أنفعَ وأجلَّ قَدْرًَا وأرفع إذْ ضَمَّنَها كتابُ التيسير في أوجز لفظٍ وأقربه، وأجْزَلِ نظيرٍ وأغْرَبِهِ.
والتيسيرُ كتابٌ معدومُ النظير للتحقيق الذي اختصَّ به والتحرير، فحقائقُه لائحةٌ كَفَلَقِ الصَّباحِ، وجَوادُه متضحةٌ غايةَ الاتضاح، وقد أَرْبَتْ هذه القصيدةُ عليه فزادت، ومنحتْ الطَّالبِين أمانيهم وأفادتْ.
جعله الله سَعيًا مُقرِّبًا إليه، وفِعْلًا مُزلِفًا لديه، وأَعُوذُ به من الشَّوائبِ المُحْبِطات للأعمال، وأسألُه التوفيقَ لمحابه في الأفعالِ [والأقوالِ، وأن يعودَ على زللي] (^٣) بتجاوزه وغفرانه، وعلى خَطَئي بتلافيه (^٤) وجنَانِه، وأن يجعلَني ممن سَعِد بِكِتَابِه، وحظي فيه بجزيلِ ثَوابه، ووفَّقَهُ في جميع أمورِهِ، فما التوفيقُ إلا بِهِ.
_________________
(١) قوله: [أذكر] في (ت) [ذكرتُ].
(٢) قوله: [وسميته] في (ع) [وأسميه].
(٣) خرم في الأصل.
(٤) أي: بتداركه.
[ ١ / ١٠٩ ]