أنزل ربُّ العالمين القرآن على سبعة أحرفٍ تسهيلًا وتخفيفًا على هذه الأمة، فقد أخرج الإمام الترمذي عن أُبيّ بن كعب قال: «يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز، والشيخ الكبير، والغلام، والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابًا قط قال: يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف» (^١).
وكانت القبائل العربية متعددة اللهجات، لكل قبيلة لهجة اعتادت النطق بها، وكان من الصعب تغييرها؛ كالهمز عند بني تميم، والإمالة عند أهل نجد من قيس، وأسد، والفتح عند أهل الحجاز، فاقتضت حكمة الله أن ينزل القرآن على سبعة أحرف ليسهل على العرب قراءته إذ لو ألزمهم بحرف واحد لعسر عليهم تطويع ألسنتهم حسب ذلك الحرف ولاسيما أنه قال عن نفسه: ﴿ولقد يسَّرْنا القرآن للذكر﴾ (^٢).
وكان الصحابة يختلفون في قراءة القرآن وفق تلقيهم عن رسول الله -ﷺ-، فيأتون إلى رسول الله -ﷺ- يريد كل واحد منهم أن يصحح قراءته، فيستمع ويقول للأول: اقرأ فيقرأ، فيقول: هكذا أنزل، ثم يقول للثاني: اقرأ فيقرأ، فيقول: هكذا أنزل ثم يقول لهما إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ماتيسر منه (^٣).
«ولقد هيأ الله الخليفة عثمان بن عفان حيث جمع القرآن في مصحف واحدٍ، فقد روي أنَّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان بن عفان، وكان يغازي أهل الشام
_________________
(١) جامع الترمذي ٥/ ١٩٤، ١٩٥، وقال عنه: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) الآية (١٧) من سورة القمر.
(٣) صحيح البخاري بشرح السندي ٢/ ٢٢٦. باب أنزل القرآن على سبعة أحرف.
[ ١ / ٢١ ]
في فتح أرمينية، وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: ياأميرالمؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها ثم نردها إليك، فأرسلت بها إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبدالله بن الزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيءٍ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردَّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بماسواه من القرآن في كل صحيفة أومصحف أن يحرق.
وأرسل إلى الأمصار المصاحف التي نسخها وهي أربعة: نسخة إلى الكوفة، وإلى البصرة، وإلى الشام، وأبقى واحدة لنفسه» (^١).
وأرسل مع كل مصحفٍ قارئًا يقرئهم القرآن حسب لغتهم ولهجتهم، فانتشرت القراءات في الأمصار.
وقال علي بن أبي طالب -﵁-: لو وليت لفعلت في المصاحف الذي فعل عثمان.
وفي رواية أخرى عن علي -﵁-: اختلف الناس في القرآن على عهد عثمان، فجعل الرجل يقول للرجل: قراءتي خير من قراءتك، فبلغ ذلك عثمان فجمعنا أصحاب رسول الله -ﷺ- فقال: إن الناس اختلفوا اليوم في القراءة، وأنتم بين ظهرانيهم، فقد رأيت أن أجمع على قراءة واحدة (^٢).
_________________
(١) انظر: المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار لأبي عمرو الداني ص/ ٤٨، المرشد الوجيز لأبي شامة ص/ ٥٤.
(٢) انظر: المقنع ص/ ٨، والمرشد الوجيز ص/ ٥٤.
[ ١ / ٢٢ ]
«وقال أبو مجلز - لاحق بن حميد - وهو من جلة تابعي البصرة -: يرحم الله عثمان لو لم يجمع الناس على قراءة واحدة لقرأ الناس القرآن بالشعر» (^١).
بعد ذلك قام التابعون فتلقوا القرآن الكريم غضًا طريًا عن الصحابة الكرام، فأصبح كل واحدٍ منهم يقرأ ويقرئ كما تلقى عن النبي -ﷺ-.
ثم جاء عصر التدوين، وظهرت الكتب في فن القراءات ككتاب (الجامع في القراءات) لمحمد بن عيس الرازي الأصبهاني (ت ٢٥٣ هـ)، وكتاب (السبعة) لابن مجاهد، وهكذا تواكبت كتب القراءات كتابًا إثر كتابٍ حتى نُظِم هذا العلم بمنظوماتٍ عذبةٍ حتى سهل العلم على طلابه.
_________________
(١) انظر: المقنع ص/ ٩، المرشد الوجيز ص/ ٧٠.
[ ١ / ٢٣ ]