وفي الحديث «من شَفَّعَ له القرآن يوم القيامة نجا» (^٣) وفيه «هو شافع مشفع» (^٤) وفيه «أنّ تبارك الذي بيده الملك تجادل عن صاحبها يوم القيامة» (^٥)، وفيه «أنّ رجلًا أوتي من جوانب قبره فجعلت سورة من القرآن ثلاثون آية تجادل حتى منعته من عذاب القبر» (^٦) قال عبد الله بن مسعود: فنظرت أنا ومسروق فلم نجدها إلا تبارك.
_________________
(١) لايعرف قائله وهو في المحتسب لابن جني ٢/ ٧٧.
(٢) الآية (١٧) من سورة الزمر.
(٣) رواه الطبراني وفيه مسلم بن إبراهيم الهجري. مجمع الزوائد ٧/ ١٦٤.
(٤) «القرآن شافع مشفع، وماحل مصدق من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار» انظر: موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ص/ ٤٤٣.
(٥) انظر: موارد الظمآن زوائد ابن حبان ص/ ٤٣٨.
(٦) انظر: مسند أحمد بتحقيق أحمد شاكر ١٥/ ١٢٧، وقال السيوطي: صحيح. انظر: فيض القدير ٢/ ٤٥٣.
[ ١ / ١٨٢ ]
وكان السلف يسمونها المنجية والواقية، وقال مسعد: ينادي منادي يوم القيامة: يامادح الله -﷿- قم فادخل الجنة، فلا يقوم إلا من كان يكثر قراءة قل هو الله أحد.
وسمع النبي -ﷺ- رجلًا يقرأ قل ياأيها الكافرون، فقال: «أمَّا هذا فقد برئ من الشرك»، ومرَّ بآخر يقرأ قل هو الله أحد، فقال: «أمَّا هذا فقد غفر الله له» (^١).
وقال رسول الله -ﷺ-: «لوجُعِل القرآن في إهابٍ وألقي في النار مااحترق» (^٢).
وأقول في معناه: إنه أراد وألقي في نار الآخرة كما ورد «أن لايعذِّبَ بالنَّارِ قلبًا وعى القرآنَ، ولاصَدْرًَا حَفَظَهُ» (^٣)، وهذا التأويل أولى من أوجهٍ ذكرها ابن قتيبة وغيره [بعيدةٍ ظاهرةِ الاختلال] (^٤). والله أعلم.
فإذا كان الشافع بهذه المنزلة (^٥) فهو أوفى شافع. ويقال: غنيٍ إذا كَثُرَ مَالُه، وغَنِيَ بالمكان: إذا أقام به، قال الله تعالى: ﴿كَأنْ لمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ (^٦). ويقال: أغنى غِنى وغِنَاءً: كفاني كفايةً، فإن شئت جعلت
_________________
(١) رواه الطبراني في الصغير والأوسط عن شيخه يعقوب بن إسماعيل ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات اهـ مجمع الزوائد ٧/ ١٤٦.
(٢) رواه الدارمي في سننه ٢/ ٤٣٠، وأحمد في مسنده، وأبو يعلى، والطبراني. وفيه ابن لهيعة. انظر مجمع الزوائد ٧/ ١٥٨.
(٣) رواه أحمد في مسنده من حديث جابر. وقال السيوطي: حسن. انظر فيض القدير ٢/ ٦٦.
(٤) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(٥) قوله: [فإذا كان الشافع بهذه المنزلة] في (ت، ع) [فإذا كان الشافع بهذه المثابة].
(٦) الآية (٢٤) من سورة يونس.
[ ١ / ١٨٣ ]
أفعل من غَنِي بمعنى أقام معناه، وأغنى مغنٍ أي: وأبقى كافٍ، وإن شئت جعلته من أغنى عنه الرباعي، كما قيل: أعطاهم للمال، وأولاهم للمعروف، وأكرم لي من زيد، وهو من الرباعي قليل.
وقال بعض النحويين: أعطاهم بُنيَ مِنْ أصله، وهوعطا يعطو، وأولاهم مِنْ ولي يلي، وزيدٌ أفقر منه من فقر، وهو الأصل وعليه جاء فقير، [وأكرم لي رد إلاكرُم] (^١).
والمشهور أن يبنى أفعل التفضيل من الثلاثي نحو: ضرب، وعلم، وحسن وغيره قليل.
أخبرني شيخنا أبو القاسم الشاطبي ﵀: أن بعض شيوخه سأله هل تجد في القرآن وفَى ثلاثيًا كما جاء الرباعي في ﴿أَوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ (^٢)، قال: قلت: نعم في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ (^٣)؛ لأن أفعل من الثلاثي. ثم قال شيخنا: فلو قال قائلٌ: لعله بني من أوفى لا من وفى،. قلنا: الكلمة إذا جاء فيها ثلاثي ورباعي فأفعل من ثلاثيها لاغير وأما أعطاهم فلم يأت منه ثلاثي.
قال: والذي يدل على أنه إنما بني من الثلاثي دون الرباعي أنَّ أكرم متعدٍ وكرم غير متعدٍ، وأكرم منك مثله غير متعدٍ ولوكان من أكرم لكان متعديًا مثله، وإن شئت قلت: بناه مِنْ غني إذا كثر ماله، فيكون «واهبًا» منصوبًا على التمييز: كقولك: هو أغناهم أبًا، وتقديره: أغنى مغنٍ واهبًا./ فإن
_________________
(١) ما بين المعقوفتين سقط من (ت).
(٢) الآية (١) من سورة المائدة.
(٣) الآية (١١١) من سورة التوبة.
[ ١ / ١٨٤ ]
جعلته مبنيًا من هذا، قالوا: فالواهب إذا كان زائد الغنى اتسع جوده كما أن الفعل قليل العطاء، وإلى هذا المعنى أومأ الشاعر بقوله:
ألم ترَ أنَّ المَرْءَ من سُوءِ حَالِهِ … يُلامُ عَلى معرُوفِه وَهُو مُحْسِن (^١)
وإن جعلته من غني بمعنى أقام، فمعناه: أن الواهب زائدٌ في دوام هبته، ويدلُّها على الاستمرار من غير انقطاع.
وإن قلت: بناه مِنْ أغنى الرباعي، فمعناه: أكفى من كل كافٍ؛ ولك أن تنصب واهبًا متفضلًا على الحال، وتقدر المعاني المتقدمة من الغنى والإقامة والكفاية في حال هبته وتفضله.