راعه يرُوعه رَوْعًا، فارتاع: أي: أفزعه، ومنه يوم الرَّوْع. والسَّنا بالقصر: الضوء و﴿سَنا بَرْقِهِ﴾ (^١) من ذلك، وتهلل وجهه: إذا أظهر فيه البشر
والبشاشة وأثر السرور. و«سننًا» منصوبٌ على الحال من الضمير المستتر في يلقاه ويكتب بالألف لقولهم: سَنَوان.
فأما النبت المعروف بالسنا فحكى أبو زيد فيه الواو والياء فيكتب بالياء والألف، ولك أن تجعل «متهللا» صفةً للسنا وحالًا بعد حالٍ من الضمير المذكور. أي: يلقاه باشًَّا، والقبر موضع الروع، وقد قال رسول الله -ﷺ- في سعد بن معاذ -﵁-: «هذا الذي تحرك له العرش وفُتحت له أبواب السماء وشهده سبعون ألفًا من الملائكة لقد ضُمَّ ضمةً ثم فُرج عنه» (^٢) يعني: ضمة القبر.
وكان عثمان -﵁- إذا وقف على قبرٍ بكى حتى تبتلَّ لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار ولا تبكي وتبكي من هذا، فقال: إنَّ رسول الله -ﷺ- قال: «إن القبر أول منزلٍ من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشدُّ منه» (^٣)، قال: وقال رسول الله -ﷺ-: «ما رأيت منظرًا قطُّ إلا والقبر أفظع منه» (^٤)، وعن أسماء بنت أبي بكر رضي
_________________
(١) الآية (٤٣) من سورة النور.
(٢) سنن النسائي باب الجنائز ضمة القبر ٤/ ١٠٠.
(٣) سنن الترمذي كتاب الزهد ٤/ ٥٥٣.
(٤) رواه الحاكم وتعقبه الذهبي بأن بجيرًا ليس عمدة لكن منهم من يقويه. وصححه السيوطي. فيض القدير ٥/ ٤٤٦.
[ ١ / ١٨٩ ]
الله عنها قالت: «قام رسول الله -ﷺ- خطيبًا، فذكر فتنة القبر التي يُفتتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضَجَّ المسلمون ضجةً» (^١).
وللقبر ظلمات لا ينورها إلا صالح الأعمال. وقد قال رسول الله -ﷺ-: «إن هذه القبورَ مملوءةٌ على أهلها ظلمةٌ وإنَّ الله لينوِّرها بصلاتي عليهم» (^٢).
قال شيخنا أبو القاسم ﵀: وكان ابن السِّمَاك كثيرًا ما ينشد:
ألا خلا في القبور ذو خَطَرِ … فزُرْهُ يومًا وانظر إلى خطرهِ
أبْرَزَه الموتُ من مساكنه … ومن مقاصرِهِ ومن حُجَرِه
قال ﵀: فحملني استحسانها على الزيادة فيها فقلت:
إلى ديار البلى فحلَّ بها … ياليت شعري ماكان من خبره
لم يُغْنِ عنه مَالٌ ولا ولدٌ … ولاحميمٌ يَعُودُ مِنْ نَفَرِه
ولم يجِدْ في ظَلامِ حُفْرتِه … نُورًَا سِوى ما أنارَ في عُمُرِه
مَنْ لم يَكنْ بالقبور متعظًا … أخفقَ في وِرْدِه وفي صَدْرِه
وقال مرةً: لم يحلَّ في ورده ولاصدره
[وقال شيخنا أيده الله وسألت أن أنظم عليها أبياتًا فقلت:
مرَّ بها ناسيًا لوحشتها … وهو إليها يجدُّ في سفره
ولم يرعه فظيع منظرها … كأنه قد أُصيب في بصره
عجبتُ من شَامتٍ بمخترمٍ … وأنَّه ذاهبٌ على أثره
ومن كبير ذنبٍ منيتُه … ولا يخاف الردَّ على كِبره
الحمد لله ما قضاه جرى … ولا يفرُّ العباد من قدره] (^٣)
_________________
(١) لم أجد له تخريجًا.
(٢) صحيح مسلم باب الصلاة على القبر ٧/ ٢٦.
(٣) مابين المعقوفتين سقط من (ش)
[ ١ / ١٩٠ ]
وقوله في ظلماته أضاف الظلمات إليه لأنها أعماله كما قال ﵇: «الظلم ظلماتٌ يوم القيامة» (^١). أو لكونه فيها أي: في ظلمات القبر.