أبدل من الهمزة في القارئ حرف مدٍ على غير قياسٍ ومثله لا يبدل حرف مدٍ إلا سماعًا، ولكنه يجوز لضرورة الوزن، وقد قرئ ﴿مِنْسَاتَه﴾ (^٤)
_________________
(١) كنز العمال ١/ ٤٤٥.
(٢) البيت لسحيم بن وثيل. وهو في كتاب سيبويه ٢/ ٧، واللسان (جلا) ١٨/ ١٦٥.
(٣) سنن الترمذي ٥/ ١٧٨ وسنن الدارمي ٢/ ٤٣٠.
(٤) الآية (١٤) من سورة سبأ.
[ ١ / ١٩٢ ]
و﴿سَالَ سايل﴾ (^١) عند مَنْ لم يجعله مِنْ سال. يسأل، وعليه أنشد سيبويه (^٢):
سالتْ هُذَيلٌ رسولَ اللهِ فِاحِشَةً … ضَلَّتْ هُذيلٌ بما سالَتْ ولم تُصبِ
ومنه قولهم: (هما يتساولان) ولك أن تجعله مِنْ قرأ يقرأ أي: يتبع، وجمع أومن قُرئ يقرئ أي: أضاف، والأول أولى، وإن علقت به القارئ قضيت بزيادة الباء كقوله:
… نضربْ بالسيفِ ونرجو بالفرج (^٣)
ولك أن تعلقه بمحذوفٍ أي: مغتبطًا به ونحوه فيكون متمسِّكًا على هذا حالًا بعد حالٍ، ويجوز أن يكون معناه: عليك به متمسِّكًا، ولك أن تعلقه بمتمسِّكًا على إرادة التأخير، والعامل في الحال: القارئ، وكذلك إذا قدرت زيادة الياء، والنداء هاهنا لمن قرأ القرآن متمسِّكًا مجِّلًا مبجلًا في جميع الأحوال.
فمِن إجلال القرآن ترك الجدال والمِرَاء فيه. جاء في الحديث: «اقرؤوا القرآن ماائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه» (^٤). وفي
_________________
(١) الآية (١) من سورة المعارج.
(٢) البيت لحسان بن ثابت وهو في ديوانه ص/ ٦٧، وانظر كتاب سيبويه ٢/ ١٣٠.
(٣) صدر البيت: «نحن بنو ضبة أصحابُ الفَلَج». وهو في المغني ١/ ١٠٨، والدر المصون ٨/ ٣٢٩ كان ينبغي أن يقول: نضرب بالسيف ونرجو الفرج، ولكن لما جعل الفرج متعلقةً بالسيف زاد لها الباء للاتباع.
(٤) رواه البخاري في فضائل القرآن باب اقرؤا القرآن مااتلفت قلوبكم ١/ ٢٣٧، والدارمي في سننه ٢/ ٤٤١. ومعنى ذلك داوموا على قراءته ما اجتمعت ودامت قلوبكم تألف القرآن، فاقرؤوه على نشاط منكم فإن مللتم وغابت قلوبكم عن التدبر والتفهم فقوموا عنه إلى وقت تعودون في محبة قراءاته. اهـ انظر: فيض القدير ٢/ ٩٣.
[ ١ / ١٩٣ ]
الحديث أيضًا «وإياكم والاختلاف فإنما هلك من كان قبلكم باختلافهم» (^١). وقال -ﷺ- «المِرَاء في القرآن كُفْر» (^٢).
ومن إجلاله: اجتناب حامله كل ما يشين من الأفعال المستقبحة.
قال ابن مسعودٍ: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله/ إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبتواضعه إذا الناس يتكبِّرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون.
وقال الفضيل: ينبغي لحامل القرآن ألا يكون له حاجةٌ إلى أحدٍ من الخلق إلى الخليفة فمن دونه، وينبغي أن تكون حوائج الخلق إليه، وقال: حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي أن يلغوَ مع مَنْ يلغو، ولا أن يسهوَ مع من يسهو، ولا أن يلهو مع من يلهو.
ومِنْ إجلال القرآن إجلالُ حَمَلَته، وتوقيرُ نَقَلَتَه، فإنهم أهل الله وخاصته، وقد سبق الحديث «وإجلالُ حاملِ القُرْآنِ غيرِ الغالي فيه ولا الجافي عَنه» (^٣).
وقال عمر -﵁-: إني لأحب أن أنظر إلى القارئ أبيض الثياب. اهـ وما أراد إلا تعظيم شأنه وقد كان مَنْ مضى يعظمون حملة القرآن،
_________________
(١) رواه البخاري ١٣/ ٢١٩، ومسلم برقم ١٣٣٧.
(٢) رواه أبو داود في سننه باب النهي عن الجدال في القرآن ٤/ ١٩٩. ومعنى المراء: الخوض به والمجادلة في متشابهه المؤدي إلى الجحود والفتن، وإراقة الدماء. انظر: فيض القدير ٦/ ٢٩٥.
(٣) سنن أبي داود باب تنزيل الناس منازلهم ٤/ ٢٦١.
[ ١ / ١٩٤ ]
حتى قال الشافعي ﵀: مَنْ حفظ القرآن عظمت حرمته، ومَن طلب الفقه نبل قدره، ومَن كتب الحديث قويت حجته، ومَن نظر في النحو رقَّ طبعه، ومن لم يَصُنْ نفسه لم يصنْه العلم.
وقال عبد الله بن عمر ﵄: أربعة رهطٍ لا أزال أحبهم بعدما سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «استقرئوا القرآنَ من أَربعةٍ: مِنْ عبدالله بِنِ مسعودٍ، وسالمِ مولى أبي حذيفة، وأبي بنِ كعب، ومعاذِ بِن جبلٍ» (^١).
ويجب على المتعلم توقير من يقرأ عليه، والمبالغة في إجلاله، وقد قال عليٌّ -﵇-: من حق العالم إذا أتيت مجلسه أن تُسَلِّم على القوم وتخصَّه دونهم بالتحية، وتجلس أمامه، ولا تُشيرنَّ عنده برأيٍ، ولا تغمزنَّ بعينك، ولا تقولنَّ له قال فلان خلافًا لقوله، ولا تغتابنَّ عنده أحدًا، ولا تُسارِّهِ، ولا تأخذ بثوبه، ولا تُلِحَّ عليه إذا كسل، ولا تعرض عن صحبته، فإنما هو بمنزلة النخلة تنتظر أن يسقط عليك منها شيءٌ فَتَجْنِيه.
ومن إجلال القرآن حُسنُ الاستماع له، والإنصات لتلاوته، وقد أمر الله تعالى عباده بذلك فقال سبحانه: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وَأنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحمُون﴾ (^٢) مناقَضَةً لقول ﴿وقَالَ الذِّين كَفَرُوا لاتَسْمَعُوا لهَذَا القُرْآنِ والْغَوا فِيه لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُون﴾ (^٣). قيل: نزلت في ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام، وقيل في ترك الكلام في خطبة يوم الجمعة. وقيل:
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه في باب المناقب ٢/ ٣٠٧.
(٢) الآية (٢٠٤) من سورة الأعراف.
(٣) الآية (٢٦) من سورة فصلت.
[ ١ / ١٩٥ ]
سببها أنَّ الكفار كانوا إذا سمعوا رسول الله -ﷺ- يقرأ رفعوا أصواتهم وأكثروا اللغو لئلا يستمع أتباعهم وأبناؤهم كلام الله -﷿- فيسلموا، فتركت أدبًا ليخالفوا عادة أولئك.
وعلى الجملة فاللفظ عامٌّ فينبغي أن يكون المستمع متدبِّرًا لما يسمع متِّعظًا به، وقد تحدث بعض من خلا والقارئ يقرأ، فقيل لهما: ألم يقل الله -﷿- ﴿وإذا قُرِئَ القرءانُ فاسْتَمِعُوا﴾ فقالا: إنما ذلك في الصلاة، فنظر إلى السبب ولم ينظر إلى عموم الأمر بالإنصات فإنه لم يقيد بالسبب ولم يقصر عليه.
وقوله: ﴿لعلَّكم تُرْحمون﴾ مطابق لما جاء في الحديث عن رسول الله -ﷺ- «ما تجالس قومٌ في بيتٍ من بيوت الله -﷿- يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكةُ، وغشيتهم الرحمةُ، وذَكَرَهم اللهُ فيمن عندَه» (^١). وهذا يعمُّ القارئ والمستمع، فندب المستمع إلى الإنصات ليرحم مع التالين.