أي: الزمها، وبادر إليها منافسًا، وهو منتصب على الحال، و«العلا» إن جعلته جمع عليا كتبته بالياء، وإن جعلته/ مفردًا كتبته بهما، فالياء على مذهب الكوفيين فيما كان من ذوات الواو مضموم الأول أو مكسوره.
وفي الحديث: «أنَّ رجلًا قال يارسول الله: أي النَّاس خير؟ قال: مَنْ طال عمره وحسن عمله، قال: فأي الناس شرٌّ، قال: من طال عمره وساء عمله» (^١).
وروى البخاري أنَّ النبي -ﷺ- قال: «أعْذَرَ اللهُ إلى امرئٍ أخَّرَ أجَلَه حتى بلَغَ ستين سنةً» (^٢).
وقال بعض الصحابة عند موته: اللهم إني لم أكن أريد البقاء في الدنيا لغرس الأشجار، ولا لكري الأنهار، وإنما كنت أريد البقاء فيها للظماء في الهواجر، ومزاحمة العلماء في حِلَقِ الذكر بالركب (^٣) اهـ. فعلى مثل هذه الأعمال كان حرصهم.
ورغب النبي -ﷺ- مرةً في الجهاد، ورجلٌ من الأنصار يأكل تمراتٍ في يده، فقال: إني لحريصٌ على الدنيا إن جلست حتى أفرغ منهنَّ، ورمى ما في يده وقاتل حتى قتل (^٤).
_________________
(١) رواه الترمذي في سننه في كتاب الزهد ٤/ ٥٦٥.
(٢) ورواه أحمد في المسند بلفظ: «من عمره الله تعالى ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر».
(٣) هذا القول للصحابي معاذ بن جبل وذلك عند موته، فلما حضرته الوفاة، قال: «مرحبًا بالموت، مرحبًا بزائرٍ جاء على فاقةٍ، لا أفلح من ندم، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء …» جامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبر ١/ ٥١.
(٤) السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٦٦٦.
[ ١ / ٢٠٠ ]
وروى جابر بن عبدالله -﵁- أنَّ النبي -ﷺ- قال: «لا تمنُّوا الموت، فإنَّ هول المطلع شديدٌ، وإنَّ من السعادة أن يطول عمر العبد حتى يرزقه الله الإنابة» (^١).
وقال عليٌ -﵇-: بقية عمر المؤمن لا ثمن لها يدرك بها ما فات، ويحي ما أمات ونظمه بعضهم فقال:
بقية العمر عندي مالها ثمن … وإن غدا غير محمود من الزمن
يستدرك المرء فيه ما أفات ويُحْ … يي ما أمات ويمحو السوء بالحسن
و«الدنيا»: يعني بها الدنية من حيث اتصفت مبدأً ومآلًا كما قيل (^٢):
ما بال مَنْ أولُهُ نطفةٌ … وجيفةٌ آخرُهُ يفخرُ
و«بأنفاسها»: أي: بأرواح طيبها التي هي علًا في المبدأ والمآل، قال الله تعالى معلمًا بمنزلة من اتصف بها ونافس بها: ﴿إنَّ الذِّينَ قَالُوا ربَّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (^٣) إلى آخره.