أشار بقوله فمنهم إلى كثرتهم. وفيه تنبيهٌ على مخالفة مَنْ قال بخلاف ذلك وردٌّ لقوله، وقد وقع في ذلك قومٌ من ضعفاء القراء، ولم ينتبهوا لموضع الغلط، والغائلة فيه، وأصل ذلك إنما وقع به أهل البدعة الذين يزعمون أنَّ القرآن زيد فيه ونقص منه وغُيِّرَ عما كان عليه، وإنما صحت في زعمهم هذه الدعوى بناءً منه على أنه لم يحفظ القرآن على عهد رسول الله -ﷺ- إلا عددٌ يسير، وتعلقوا بحديث أنس بن مالك: جمع القرآن على عهد رسول الله -ﷺ- أربعة، وفي أخرى عنه لم يجمع القرآن على عهد رسول -ﷺ- إلا لأربعة: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبلٍ، وزيد بن ثابت، وأبو زيدٍ، وفي أخرى: وأبوالدرداء (^١) وما ذكروه من الزيادة والنقصان باطل بقوله تعالى ﴿إنَّا نحنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحَفِظُون﴾ (^٢)، فما تكفل الله تعالى بحفظه فالزيادة فيه والنقص منه محالٌ، وأما حديث أنس بن مالك فلاحجة فيه.
وأما قوله: جمع القرآن أربعة فإنه لا يمنع من أن يجمعه غيرهم، وأما الرواية الأخرى فلابد من تأويلها لأنَّ جماعةً من الصحابة رضوان الله عليهم غير هؤلاء قد كانوا جمعوا القرآن كأبي بكر، وعمر، وابن عمر، وعبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وقد سأل عبد الله بن عمر رسول الله -ﷺ-: في كم يختم القرآن؟
فقال: في كلِّ سبعٍ، قال: فمازلت أناقصه حتى قال: في يومٍ وليلةٍ (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري باب القراء من أصحاب النبي -ﷺ- ٣/ ٢٢٨.
(٢) الآية ٩ من سورة الحجر.
(٣) الروايات وقفت عليها في مصادر السنة هي «في كل ثلاث» أما هذه فلم أقف عليها.
[ ١ / ٢١١ ]
وهذا يبطل العمل بظاهر رواية أنس فلابد من التأويل، فيحتمل أن يريد لم يجمع وجوهه وقراءته السبع التي أنزل عليها، أولم يجمعه عنده شيئًا بعد شيءٍ كلما نزل حتى تكامل نزوله إلا هؤلاء، أولم يجمعه عنده حفظًا من رسول الله -ﷺ- وتلقيًا منه دون غيره.
وقد ردَّ القاضي (^١) ﵀ على من زعم ذلك، وذكر أنَّ حملته على عهد رسول الله -ﷺ- ونقلته كانوا على حدٍ يحصل بنقلهم القطع؛ ويستفاد منه العلم اليقين.
وشبههم بالبدور في اتساع أنوارهم وعلو شأنهم في رئاستهم كما قال الخاقاني ﵀ (^٢):
وللسبعة القرَّاء فَضْلٌ على الورى … لإقرائهم قرآنَ ربهم الوتر (^٣)
وأراد سماء المناقب العلى وتوسطها، أنهم أخذوا عن كلِّ إمامٍ مشهور مشهودٍ له بالعلم وثقاته الفهم؛ وفيه إشارةٌ إلى من لم يتوسط هذه السماء من بدور القرّاء من قبل نقلٍ، أو كمال عقلٍ، أوحسن ظنٍ، فإنَّ لهؤلاء قراءةً
_________________
(١) إسماعيل بن إسحاق وقد تقدم.
(٢) هو موسى بن عبيد الله بن خاقان، أبومزاحم الخاقاني، إمام مقرئ، مجود، محُدِّث، أخذ القراءة عن الحسن ابن عبدالوهاب، ومحمد بن الفرج، قرأ عليه ابن شاذان. توفي سنة خمسٍ وعشرين وثلاثمائة. غاية النهاية ٢/ ٣٢٠
(٣) هي قصيدة في التجويد وأولها: أقول مقالًا معجبًا لأولى الحجر … ولا فخر إن الفخر يدعو إلى الكبر أعلِّم في القول التلاوة عائذًا … بمولاي من شرِّ المباهاة والفخر قصيدتان في التجويد للسخاوي والخاقاني. تحقيق الدكتور عبدالعزيز القارئ.
[ ١ / ٢١٢ ]
يروي بعضها روايةً ولايقرئ بها فاغترَّ ببعضها بعض الضعفاء والنحاة، فظنّ أنّ القراءة يجوز فيها الاختيار دون النقل والأثر.
قال شيخنا ﵀: فتحمل بعضها من لا علم له ولامعرفة ولاشهرة من غير بحثٍ ولاسؤالٍ اه.
و«زهرًا»: جمع زاهر يقال: زهرت النار: إذا كثر ضوءها، أوجمع أزهر، والأزهر: القمر، ولما كمل فضلًا وعلمًا وفهمًا وزمانًا قال: «وكُمَّلا».