جاء في كنيته: أبو معبد، وأبو عبادة، وأبو بكر، ويعرف بالداري، والدار بطن من لخم، وقيل: هو منسوب إلى تميم الداري، وقيل: إنَّ دارين موضع بالبحرين يجلب منه الطيب. قال الأصمعي: كان عطَّارًا، والعرب تسمي العطَّار الداري، وهو مولى عمرو بن علقمة الكناني، وكان عطَّارًا بمكة، وكان يقص على الجماعة، وكان يَعِظُ أصحابه قبل القراءة، وقال الزيني: قال لي قنبل: كان ابن كثير يتعمد الوقف على ثلاثة أحرف، ويأخذ الناس بالوقف عليها في آل عمران، ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَه إِلا اللهُ﴾ (^١) وفي الأنعام ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ (^٢)، وفي النحل ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ (^٣).
وهو من أبناء فارس الذين بعثهم كسرى في السفن إلى اليمن، لما طرد الحبشة من اليمن، وكان يخضب بالحناء، ولما سأله الناس في الجلوس للإقراء بعد وفاة مجاهد بن جبر، قال:
بني كثير كثير الذنوب ففي … الحل والبل من كان سبَّه
بني كثير دهته اثنتان … رياءٌ وعجبٌ تخلل قلبه
بني كثير أكول نؤوم … وليس كذلك من خاف ربّه
بني كثير يعلم علمًا لقد أعوز … الصوف من جزَّ كلبه (^٤)
_________________
(١) الآية ٧ من سورة آل عمران.
(٢) الآية ١١٠ من سورة الأنعام.
(٣) الآية ١٠٣ من سورة النحل.
(٤) كالذي يجز كلبه وهو بحاجة إلى الصوف الحقيقي، وهذا تواضع من ابن كثير وهضمٍ لنفسه. قال الإمام الذهبي: بعض القراء يغلط، ويورد هذه الأبيات لعبدالله بن كثير، وإنما هي لمحمد بن كثير أحد شيوخ الحديث بعد المائتين. (معرفة القراء ١/ ٨٧)
[ ١ / ٢١٨ ]
قرأ على مجاهد بن جبر، وقرأ مجاهد على ابن عباس، وقرأ ابن عباس على أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وقرأ أبيُّ وزيدٌ على النبي -ﷺ-، وقرأ أيضًا على عبد الله بن السَّائب، وقرأ عبد الله على أبي، وقرأ أيضًا على دِرباس مولى ابن عباس، وقرأ على ابن عياش، ونقل الأئمة قراءته: أبو عمرو ابن العلاء، والخليل بن أحمد (^٥)، والشافعي، وغيرهم.
ويقال: «كاثر القوم» فكثَّرهم، فهو كاثر، ويقال: عدد كاثر، أي كثير.
قال الأعشى (^٦):
فلستُ بالأكثرِ منهم حصى … وإنما العزةُ للكاثِر
و«معتلا» أي: اعتلاء، واعتلاؤه، بقراءته على ابن السائب، وبلزومه مكة، وهي أفضل البقاع عند أكثر العلماء (^٧)، وإن كان ابن عامر أخذ عن أبي الدرداء عن النبي -ﷺ- ففي جمع أبي الدرداء القرآن في حياة رسول -ﷺ- لاف، وإذا رد آخر الكلام على قوله فيها مقامه سلم من الاعتراض [توفي بمكة سنة عشرين ومائة ﵀] (^٨).
_________________
(١) الخليل بن أحمد، أبوعبدالرحمن الفراهيدي، الأزدي، البصري، النحوي الإمام المشهور صاحب العروض، روى الحروف عن عاصم، وعبدالله بن كثيرٍ. توفي سنة سبعين ومائة. (غاية النهاية ١/ ٢٧٥)
(٢) البيت للأعشى من قصيدة يهجو بن علاثة، ويمدح عامر بن الطفيل. ديوان الأعشى الكبير ص/ ١٤٣.
(٣) قوله: [أكثر العلماء] في (ع) [أكثر أهل العلم].
(٤) مابين المعقوفتين زيادة من (ب).
[ ١ / ٢١٩ ]