لم يُرِد أنّ الحمد لله الرتبة الثالثة، ولكن وقع في البداءة كذلك، ألا تراه يقول: (وما ليسُ مبدوءًا بِهِ)، ويجوز فتح «أن» وكسرها فالفتح على حذف الباء، والمعنى «بأن»، والكسر على إضمار القول، أو على الهاء بمعنى أنها نعم كما قال:
… فقلتُ إنَّهْ (^١)
وكقوله: (إن وراكبها) (^٢)، وهو مما قيل في ﴿إنَّ هَذَانِ لَسَحِرَانِ﴾ (^٣).
وعلى هذا القول ترفع «الحمد» بعدها، ويجوز النصب على المصدر، وعليه قراءة من قرأ ﴿الحمدَ لله﴾ (^٤) ومع فتح (أن) يجوز النصب، ويجوز أيضًا الرفع على الحكاية. والجذم: أصله القطع، والهاء في (به) عائدة على (الحمد)، أوعلى الله ﷾ على حذف مضاف أي: باسمه،
_________________
(١) تمامه: ويقلن شيبٌ قد علا … ك وقد كبرت فقلت إنه البيت لعبد الله بن قيسٍ الرقيات في ديوانه ٦٦ واللسان (أنن) ١٣/ ٣١.
(٢) القائل: عبدالله بن الزبير حين قال له أحدهم: لعن الله ناقةً حملتني إليك. الخزانة ٤/ ٦٢، ورصف المباني ١٢٤.
(٣) الآية (٦٣) من سورة طه، وهي قراءة نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي. النشر في القراءات العشر ٢/ ٣٢١.
(٤) قراءة شاذة وهي قراءة هارون العتكي ورؤبة وسفيان بن عيينة. انظر: البحر المحيط ١/ ١٨.
[ ١ / ١٧٠ ]
أو بذكره، و(ما) بمعنى الذي، «مبدوءًا» خبر ليس، و«أجذم العلا» خبر (ما)، و«العلا» بالفتح والمد: الرفعة والشرف، وما قصر الممدود وإنما هو من باب الوقف على الهمز، وأصله علاو فقلبت واوه همزةً إذ لا يمكن قلبها ألفًا لئلا يجتمع ألفان، كما قلبت في كساء هربًا من التقاء الساكنين.
فأما في الوقف فلا يمتنع كما يقف على زيد وعمرو فتقول: الواو هاهنا تحركت وانفتح ما قبلها لأنَّ ألف الفتح ليست بحاجزٍ حصينٍ، فقلبت ألفًا من باب الوقف في جواز اجتماع الساكنين وهو أولى من قصر الممدود لأنه من باب الضرورة.
و«أجذم» لا ينصرف، ويجوز أن ترفع العلا على البدل من الضمير في أجذم على أنه فاعل أو تنصبه على التشبيه بالمفعول، أو تخفضه بالإضافة وعليها ينشد بيت النابغة:
ونُمْسِكْ بعده بِذِنابِ عَيْشٍ … أجبِّ الظهرِ ليس له سنامُ (^١)
الرفع على أنه فاعل، والنصب والخفض على ما ذكرت، و«دائمًا» منصوب على الحال.
وروى أبو هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «كلُّ أمر ذي بالٍ لا يُبْدَأُ فيه بحمد الله فهو أقطع» (^٢)
_________________
(١) محل الشاهد في هذا البيت (أجبِّ الظهر) يروى بالرفع والنصب والجر والبيت للنابغة في ديوانه ص/ ٢٣٢.
(٢) سنن ابن ماجه برقم ١٨٩٤ كتاب النكاح ١/ ٦١٠. وقال النووي: حديث حسنٌ. رياض الصالحين. باب حمد الله تعالى ص/ ٥٢٨.
[ ١ / ١٧١ ]