العرب تستعير الحبل في العهد والوصلة والمودة، وانقطاعه في نقيض ذلك كما قال (^١):
إني بحبلك واصلٌ حَبْلِي …
وفي الكتاب العزيز ﴿وتَقَطَّعَتْ بهمُ الأسبابُ﴾ (^٢)، وفيه ﴿واعْتَصِمُوا بحبْلِ اللهِ﴾ (^٣) جاء في التفسير أنه القرآن، وقال الشاعر:
ألَمْ يحزنكَ أنَّ حِبالَ قيسٍ وتغلبَ قد تباينتِ انقِطَاعا (^٤)
وعن علي -﵇- عن رسول الله -ﷺ-: «أنها ستكون فتنة، قيل: فما المخرج منها يارسول الله؟.
قال: كتاب الله؛ فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحُكْمُ مابينكم، هو الفصل ليس بالهزْل، مَنْ تركه مِنْ جبار قصمه الله، ومَنْ ابتغى الهدى في غيره أضله الله.
هو حبل الله المتين، وهو الذِّكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لاتزيغ به الأهواء، ولا يلتبس به الألسن، ولاتشبع منه العلماء، ولا يخْلَقُ على ردٍ، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجنُّ إذ سمعته إلاّ أن قالوا إنا سمعنا قرآنًا عجبًا، فمن قال به صُدِّقْ، ومن عَمِلِ بها أُجِرَ ومن حَكَمَ به عدل» (^٥).
_________________
(١) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص/ ٢٣٩ وفي اللسان (حبل) ١١/ ١٣٥ وعجزه: وبريشِ نَبْلك رائشٌ نبلي
(٢) الآية (١٦٦) من سورة البقرة.
(٣) الآية (١٠٣) من سورة آل عمران.
(٤) البيت للقطامي وهوفي ديوانه ص ٣٢، الدر المصون ٨/ ١٤٨.
(٥) رواه الترمذي في سننه وقال: هذا حديث لانعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول. سنن الترمذي بشرح ابن العربي باب ماجاء في فضل القرآن ١١/ ٣١ ورواه الطبراني وفيه عمرو بن واقد وهو متروك. انظر مجمع الزوائد للهيثمي ٧/ ١٦٤، وكذلك أورده الدارمي في سننه ٢/ ٤٣٥.
[ ١ / ١٧٢ ]
وفي بعض طرقه: «ومَنْ خاصم به فلح ومَنْ دعا إليه هُدِيَ إلى صراطٍ مستقيم»
وفي بعضها: «ومَنْ استعصم به هُدِيَ إلى صراطٍ مستقيم».
وفي آخر «طرف بيده، وطرف بأيديكم».
أعلى بحفظه وحراسته من الغوائل، أما الطرف الذي بيده فلا تناله حيلة مبطل، وجعل بأيدي أهل القرآن طرفًا تشريفًا وتقويةً لاعتصامهم به، فامتنع دخول الوسائط بينه وبينهم، وقد التحق بهم من شرح صدره للإقتداء بهم والاهتمام بما اهتموا به في شأن القرآن، وللتعرض لما تعرضوا له من الرحمة.
والحبل الداهية، والجمع حبول، و«العِدا» اسم جمع للأعداء وليس بجمع والمشهور فيه الكسر، وقد حكى ثعلب (^١) ضمّه، فإذا قيل عُداة فالضم لا غير، [ويكون كقاضٍ وقضاة ويقولون: أشمت الله بك عاديك] (^٢).
ويقال تَحَبَّل الصيدَ، واحتبله أخذه بالحِبالة، وهي الشبكة وجمعها حبائل و«متحبلا» منصوب على الحال، أي: انصب الأعداء بالقرآن المكايد كما يفعل الصائد، أو اجعله حِبالةً تصيد به من تهديه وتريه الحق، و(به) يجوز أن يتعلق بمتحبلا، أو بقوله فجاهد، وتعليقه بمتحبلا أبلغ في المعنى، فيكون القرآن هو الحِبالة، ويصير تقدير الكلام: فجاهد حبل العدا متحبلًا به، والآخر وجه حسن.
_________________
(١) هو أحمد بن يحيى النحوي المعروف بثعلب، إمام الكوفيين في النحو واللغة، كان محدثًا، مشهورًا بالحفظ وصدق اللهجة، ثقة حجة. توفي سنة إحدى وتسعين ومائتين. (تاريخ بغداد ٥/ ٢٠٤، وإنباه الرواة ١/ ١٣٨)
(٢) مابين المعقوفتين سقط من (ب).
[ ١ / ١٧٣ ]
«وبعد» مبني لشبه الحرف لأنّ الحرف ناقص معناه في غيره، والظرف كقبل، وبعد لا يفيد إلا مضافًا، فإذا حذف ما يضاف إليه بقي ناقصًا، فأشبه الحرف من حيث صار معناه في غيره فَبُني، وإنما بُني على الضمِّ لأنه صار غاية بعد أن كان وسطًا فأعطى غاية الحركات في الثقل، ومعناه: وبعد هذه البَدْأة.