أي: فجاهد به حبل العدا وما أولاه، كما تقول: اجعل زيدًا لمهمَّا تك وما أخلقه.
وللتعجب لفظان: أَفْعِلْ به، وما أفعله، فلفظه في أحدهما لفظ الأمر، والفرق بينه وبين الأمر لزوم الباء له في كل أحواله، وبقاء لفظه/ على حاله والمخاطب جمع ومؤنث، فهو إذًا خبر بلفظ الأمر، وجاز ذلك كما جاء الدعاء بلفظ الخبر، وقد قيل في الفرق بينه وبين ما أفعل أنه تعجب هاهنا ودعا غيره إلى التعجب، وثَمَّ تعجب فقط «إذ ليس يخلق جدة» أي: لا تبلى جِدته كما جاء في الحديث.
ويقال: أخلق الشيء يخلَق [وخَلق يَخلُق] إذا بَلِي وما لا تبلى جدته خليق أن يجعل عدةً في مجاهدة العدا.
و«جديدًا» فعيل من الجِدّ وهو يكون بمعنى الرفعة والعز. وفي القرآن العزيز ﴿وأنه تَعَالى جَدُّ ربِّنَا﴾ (^١) كأنه قال: عزيزًا رفيعًا يعني: القرآن.
و«مواليه»: ملازمه، والجد في الأمر الاجتهاد فيه، و«جِدّةً» منصوب على التمييز، و«جديدًا» على الحال من الضمير في يخلق ولا يكون
_________________
(١) الآية (٣) من سورة الجن. (تعليق الشاملة): ما بين المعكوفين سقط من المطبوع، وأثبتناه من ط الرشد (١/ ٧٤)
[ ١ / ١٧٤ ]
حالًا من مواليه لتقدُّمه، والعامل ليس بفعل متصرفٍ، و«مواليه» ابتداء وعلى الجد خبره، ومقبلا حالٌ منه، والتقدير: مواليه مقبلًا على الجد كما تقول: زيدٌ على الحق لأنه إذا والاه مقبلًا محتفلًا متدبرًا، فهو على الجد يشير إلى ما كان الأولون عليه من الاهتمام به، كما حكي أنَّ بعضهم استأذن أميره في المقام عند أهله ليلةً واحدة فأذن له، فشرع في الصلاة حتى طلع الفجر مشغولًا بالقرآن عن أهله، ثم رجع وفاءً بعهده ولم يرهم.
وقد روى أبو ذرٍ أنَّ رسول الله -ﷺ- قام الليل بهذه الآية (^١) يرددها ﴿إِنْ تُعَذِّبْهمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ (^٢)، وبقي تميمٌ الداري ﵀ ليلةً إلى أذان الصبح في قوله تعالى: ﴿وهُمْ فِيهَا كَلِحُون﴾ (^٣)، وردد سعيد بن جبير (^٤) ﵀: ﴿وامْتَازُوا اليوَمَ أَيُّهَا المجرِمُون﴾ (^٥) حتى أصبح، فهذا معنى قوله: «على الجدِّ مقبلا».