سماه حرًا لأنه لم تسترقه دنياه ولم يستعبده هواه، وكيف يقع في ذلك مَنْ فَهِم قوله تعالى: ﴿وماالْحَيوةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الغُرُورِ﴾ (^١) وقول رسول الله -ﷺ-: «لو كانت الدنيا تزِنُ عند الله جناحَ بعوضةٍ ماسَقَى كافرًا منها شَرْبةَ ماءٍ» (^٢). وقوله -ﷺ- «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن» (^٣).
قال ابن عيينة: [يستغن به] (^٤)، وكذلك قال أبو عبيد، واحتج بقول من دخل على سعد دخلت عليه وعنده متاعٌ رثٌّ فقال قال رسول الله: ليس منا من لم يتغن بالقرآن» قال أبو عبيد: فذكر رثاث المتاع عند هذا الحديث دليل على أنه أراد الاستغناء وليس الصوت من هذا في شيء، وقد قال ابن مسعود: مَنْ قرأ آل عمران فهو غني، وقال: نعم كنز الصعلوك آل عمران يقوم بها آخر الليل.
وفي الحديث: «مَنْ قرأ القرآن فرأى أنَّ أحدًا أُعْطِي أفضلَ مما أُعْطي فقد عظَّم صغيرًا وصغَّر عظيمًا» (^٥).
_________________
(١) الآية (١٨٥) من سورة آل عمران.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه باب ما جاء في هوان الدنيا على الله -﷿- ٤/ ٥٦٠. وقال: صحيح غريب.
(٣) رواه البخاري في فضائل القرآن ٦/ ١٠٧ وأبو داود في سننه ٢/ ٧٤.، واختلف العلماء في تفسير الترجيع في هذا الحديث فذهب البعض إلى ماذكره السخاوي نقلًا عن ابن عيينة، وذهب آخرون وهو الذي رجحه ابن حجر العسقلاني في شرحه فتح البارئ قال: والجمع بين القولين أن يحسن صوته جاهرًا به مترنمًا مستغنيًا عن غيره من الأخبار طالبًا به غنى النفس. انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري باب من لم يتغن بالقرآن ٩/ ٧٢.
(٤) مابين المعقوفتين سقط من (ش).
(٥) رواه الطبراني وفيه إسماعيل بن رافع وهو متروك. مجمع الزوائد ٧/ ١٥٨.
[ ١ / ١٧٨ ]
قال أبو عبيد (^١): ومعنى الحديث: أنه لا ينبغي لحامل القرآن أن يرى أنَّ أحدًا من أهل الأرض أغنى منه، ولو ملك الدنيا برحبها، ولو كان وجْهه ما تأوله بعض الناس من الترجيع بالقراءة وحسن الصوت لكانت [العقوبة] (^٢) قد عظمت في ترك ذلك أن يكون من لم يرجع صوته بالقرآن فليس من النبي -ﷺ-، قال: وتقول العرب وتغنيت تغنيًا وتغانيت تغانيًا بمعنى استغنيت.
قال الأعشى:
وكنتُ امرأً زمنًا بِالعِراقِ … عفيفَ المُنَاخِ طَويلَ التَّغَن (^٣)
يريد الاستغناء.
وقال آخر (^٤):
كِلانَا غَنِيٌ عن أخيهِ حياتَه ونحن إذا مِتْنا أشدُّ تغانيًا
قلت: ولو كان معنى الحديث ترجيع الصوت للزم أن يكون النبي -ﷺ- وأصحابه كانوا يقرؤون ترجيعًا، إذ قال: «ليس منا من لم يتغن». أي: نحن نتغنى بالقرآن فمن لم يفعل فقد خالفنا وخرج عن جماعتنا وهذا باطل، فقد نعتت أم سلمة قراءة رسول الله -ﷺ- فوصفت قراءةً مفسرةً حرفًا حرفًا (^٥).
_________________
(١) غريب الحديث لأبي عبيد ٢/ ١٧١.
(٢) قوله: [العقوبة] في (ب) [العرب].
(٣) من قصيدة يمدح فيها قيس بن معد يكرب الكندي. ديوان الأعشى ص ٢٥.
(٤) البيت للمغيرة بن حَبْنَاء التميمي في الحماسة البصرية ٢/ ٥٥، واللسان (غنا) ١٥/ ١٣٧، والمغني برقم ٢٠٤
(٥) رواه أبو داود في سننه/ باب استحباب الترتيل في القراءة برقم ١٤٦٦، ٢/ ٧٤.
[ ١ / ١٧٩ ]
وروى عبد الرحمن عن أبي بكرة عن أبيه قال: «كانت قراءة النبي -ﷺ- المدَّ ليس فيها ترجيع» (^١).
وقد روي عن النبي -ﷺ-: «اقرؤوا القرآن بألحان العرب» (^٢) الحديث.
والحري: الحقيق، والحواري الناصح (^٣) الخالص في ولاية، وكلُّ مشمِّرٍ في نصرٍ جادٍ فهو حواري وكأنَّ عزْمَهُ خالصٌ صافٍ عن التقاعد، قال الكميت (^٤):
وألْقِ فِضَالَ الوهنِ عنكَ بوثبةٍ … حَوَارِيَّةٍ قَدْ طَالَ هَذَا التَّفَضُّلُ
الفِضال: الثياب التي تلبس في الخلوة يريد وثبةً خالصةً من الوهن والفتور.
وأصل الحور: البياض ومنه الحواري: الخبز النقي الأبيض، وقيل لنساء الأنصار: الحواريات لبياضهن وتصوِّنِهنَّ عما يكدِّر صفاء أجسامهن. قال الشاعر:
فقلْ للحَوَارِيَّاتِ يَبْكِيَن غَيْرَنَا … ولايَبْكِنا إلا الكِلابُ النَّوَابِحُ (^٥)
_________________
(١) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه من لم أعرفه. مجمع الزوائد ٧/ ١٦٩.، وفي البخاري أن النبي -ﷺ- قرأ على ناقته سورة الفتح قراءةً لينةً وهو يرجع، والمقصود بالترجيع ترديد بسب هزَّ الناقة، أو أنه إشباع المدِّ في موضعه، قال أبو جمرة: معنى الترجيع تحسين التلاوة لاترجيع الغناء. فتح البارئ بشرح صحيح البخاري باب الترجيع ٩/ ٩٢.
(٢) رواه البيهقي في شعب الإيمان ١/ ٤٢٩، والهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٦٩ وقال: فيه راوٍ لم يسم.
(٣) قوله: [الناصح] في (ع، ب) [الناصر].
(٤) ليس في ديوان الكميت، وهو في اللسان (فضل) ١١/ ٥٢٦.
(٥) البيت لأبي جلدة اليشكري وهو في الدر المصون ٣/ ٢٠٩
[ ١ / ١٨٠ ]
ويقال للقصارين: حواريون لتبييض الثياب، والكل يعود إلى معنى الصفاء في أي شيءٍ كان.
قال أبوعمرو: الحَوَرُ في العين شدة بياض البياض، وسواد السواد؛ وقال غيره: الحور في العين أن تكون كلها سوداء، وهذا يكون في الوحش.
والحواري المتنظف في دينه، وحوَّرت الثوب: غسلته ونظفته، [واحورت القدر: ابيض لحمها] (^١).
والحواريون: صفوة عيسى -﵇- وخاصته، وكانوا اثني عشر رجلًا، والحواريون مثلهم من الصحابة كلهم من المهاجرين وهم تسعة من العشرة يخرج منهم سعدٌ، ويزيد على التسعة حمزة، وجعفر بن أبي طالب، وعثمان بن مظعون.
والنقباء كلهم من الأنصار سعد بن خيثمة من بني عمرو بن عوف، وسعد ابن الربيع من بني النجار، وسعد بن عبادة من بني عبد الأشهل، وعبدالله بن رواحة، وأبو الهيثم بن التيهان، والبراء بن معرور، ورافع بن مالك الزريقي، وعبدالله بن عمرو ابن حرام وهو أبوجابر، وعبادة بن الصامت من بني سلمة، والمنذر بن عمرو من بني ساعدة ﵃ أجمعين.
ونصب حواريًا على الحال وخففه وهو جائز، وقد قرئ به [وقال قوم: لايجوز تخفيف المثقل إلا في القافية المقيّدة، وقد جاء تخفيفه في غيرها] (^٢) كما قال الشاعر:
_________________
(١) مابين المعقوفتين سقط من (ت)
(٢) مابين المعقوفتين سقط من (ب)
[ ١ / ١٨١ ]
حتى إِذَا مَا لَمْ أَجِدْ غَيرَ الشَرِ … كُنْتُ امرأً مِنْ مَالِكِ بِنِ جَعْفَرِ (^١)
والتحري: القصد، وتنبَّل: مات، يقال: تَنَبّل البعير إذا مات، أو إلى أن انتقى
الأنبل فالأنبل كما قال تعالى: ﴿فبَشِّرْ عبادِ الذِّينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحسنه﴾ (^٢)، ومعناه أنه فتح له فيه باب الهداية فلم تزلَّ قدمه، ولم يسخفه