بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله.
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، وعلى آله وصحبه، ومن والاه.
وبعد: فيقول العبد الفقير إلى لطف ربه الغنى «عبد الفتاح بن عبد الغنى القاضى» لقبا، الدمنهورى مولدا، الشافعى مذهبا، الأزهرى تربية، النقشبندى طريقة: هذا شرح وجيز لنظمى المسمّى «النظم الجامع، لقراءة الإمام نافع» عمدتّ فيه إلى سهولة العبارة، وسلامة التركيب، وتجنبت فيه الحشو، والفضول ما استطعت إلى ذلك سبيلا. والله أسأل، وبحبيبه أتوسّل (١)، أن يجنّبنى زلة الفكر، وعثرة القلم (٢)، ويمنحنى الإخلاص الدائم لخدمة كتابه المجيد، ويجعله شفيعا لى يوم الدين، فهو حسبى ونعم الوكيل.
وقد رمزت إلى النظم بهذا الحرف «ص» ورمزت إلى الشرح بهذا الحرف «ش».
ص- بحمد منشى العالمين أبتدى ثمّ الصّلاة والسّلام الأبدى
على رسول الله خير الخلق ومرشد الورى لنور الحقّ
وآله وصحبه الأعلام وقارئى القرآن بالإحكام
ش- الحمد: هو الثناء على الله تعالى بالجميل، على جهة التعظيم والتبجيل، و«منشئ» مأخوذ من الإنشاء، وهو الإبداع والاختراع على غير مثال سابق و«العالمين» جمع عالم- بفتح اللام- والعالم اسم لما سوى الله تعالى من إنس،
_________________
(١) التوسل: التقرب إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته، وبالأعمال الصالحة التى يقوم بأدائها المتوسل، وبدعاء الصالحين الأحياء له .. مصححه.
(٢) عثرة القلم: زلة القلم، والعثار: الزلل. وعلى الشيء عثرا، وعثورا: اهتدى إليه، وفى القرآن الكريم «فإن عثر على أنّهما استحقّا إثما» مصححه.
[ ١٠ ]
وجن وغير ذلك، وسمّى بذلك لأنه علامة، وأمارة على وجود الخالق ﷻ، والصلاة من الله تعالى الرحمة المقرونة بالتعظيم، والسلام: التحية والأمان اللائقان بمقامه ﷺ، والورى الخلق، وآل الرسول هم أقاربه المؤمنون به من بنى هاشم، وبنى المطلب، و«صحبه» اسم جمع لصاحب والمراد به هنا الصحابى، وهو من اجتمع بالنبى ﷺ مؤمنا به بعد نبوته ومات على الإيمان، و«الأعلام» جمع علم- بفتح العين واللام- وهو الجبل- والإحكام بكسر الهمزة الإتقان.
ابتدأت نظمى بالثناء على بارئ العالمين ومبدعهم على غير مثال سابق تأسيا بالكتاب العزيز، وعملا بقوله ﷺ «كل أمر ذى بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع» والمراد بالأمر ما يعم القول كالقراءة، والفعل كالتأليف، ومعنى ذى بال صاحب شأن عظيم يهتم به شرعا، ومعنى كونه «أقطع» أنه عديم النفع، لا بركة فيه، فهو- وإن تمّ حسّا- لا يتم معنى.
ثم ثنيت بالصلاة والسلام الدائمين الأبديّين على رسول الله سيدنا ومولانا محمّد ﷺ صفوة خلقه، ومرشدهم لنور الحق، والهدى بما جاءهم به عن ربه من العقائد والأحكام التى تكفل لمن أخذ بها سعادة الآخرة والأولى.
ثم ثلثت بالصلاة والسلام على آله ﷺ، وأصحابه الذين هم كالجبال فى رسوخ قدمهم فى الدين، وعلوّ شأنهم ورفعة منزلتهم، حتى كانوا جديرين بقوله ﷺ فى حقهم «أصحابى كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم»، وعلى قارئى القرآن الذين أتقنوا حروفه، وجوّدوا كلماته، ومهروا فيه حفظا وأداء، فاستحقوا بذلك ثناء رسول الله عليهم، وإشادته بذكرهم، ووعده إياهم بجزيل الأجر، وحسن المثوبة. قال ﷺ: إن لله أهلين من الناس، قيل ومن هم يا رسول الله قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته» (١) وقال «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة» (٢).
ص- وهذه أرجوزة ضمّنتها حروف نافع وقد هذّبتها
قالون عنه وهو عيسى قد نقل والثّان ورش وهو عثمان الأجلّ
ش- أى هذه المنظومة أرجوزة أفعولة من الرّجز، وهو نوع من أنواع الشعر.
وأحد البحور الخمسة عشر المشهورة وأجزاء كل بيت «مستفعلن» ست مرات،
_________________
(١) أخرجه البزار، وابن ماجة.
(٢) رواه البخارى ومسلم، وتمام الحديث (والذى يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران».
[ ١١ ]
ومعنى «ضمنتها» جعلتها متضمنة ومشتملة على حروف نافع والحروف جمع حرف. ومعناه فى اللغة الطرف من كل شىء، وواحد حروف التهجى.
والمراد به هنا الكلمة القرآنية التى يقرؤها نافع بوجه معين، فحروف نافع عبارة عن الكلمات القرآنية التى يقرؤها نافع بهيئة خاصة، وفى إطلاق الحرف على الكلمة مجاز مرسل من إطلاق الجزء وإرادة الكل.
ونافع هو أحد الأئمة القراء الذين اشتهر ذكرهم فى جميع الآفاق، ووقع على فضلهم وجلالتهم الاتفاق، وهو نافع بن عبد الرحمن بن أبى نعيم، وكنيته أبو رويم، وهو مدنىّ نسبة إلى مدينة رسول الله ﷺ، وأصله من أصبهان، وهو من الطبقة الثالثة بعد الصحابة، وكان أسود شديد السواد، وكان ﵁ عالما خاشعا مجابا فى دعائه، إماما فى علم القرآن، وعلم العربية. أمّ الناس فى الصلاة بمسجد رسول الله ﷺ ستين سنة، قرأ على سبعين من التابعين، وقرأ على مالك ﵁ الموطأ، وقرأ عليه مالك القرآن، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالمدينة وأجمع عليه الناس بعد شيخه أبى جعفر، وقرأ عليه مائتان وخمسون رجلا، وكان إذا تكلم تشم من فيه [فمه] رائحة المسك فقيل له يا أبا عبد الرحمن: أتطيب كلما قعدتّ تقرئ الناس القرآن؟ فقال: ما أمس طيبا، ولكنى رأيت فيما يرى النائم النبى ﷺ وهو يقرأ فى فىّ، وفى رواية يتفل فى فىّ فمن ذلك الوقت تشمّ من فىّ هذه الرائحة.
ولد ﵁ سنة سبعين، وتوفّى بالمدينة سنة تسع وستين ومائة، وروى أنه لما حضرته الوفاة قال له أبناؤه أوصنا فقال لهم: اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين.
وقد نقل عن نافع راويان: قالون، وورش. فأما قالون فهو عيسى بن مينا بن وردان بن عيسى بن عبد الصمد بن عمر بن عبد الله المدنى، وكنيته أبو موسى. قرأ على نافع سنة خمسين ومائة، ولازمه كثيرا، ويقال إنه كان ربيبه، ولقبه قالون، قيل إن شيخه نافعا هو الذى لقّبه به لجودة قراءته؛ فإن معنى قالون بلغة الروم جيد، وكانت مدة قراءته على نافع خمسين سنة، وكان ﵁ قارئ المدينة ونحويّها، قيل كان أصمّ لا يسمع البوق (١)، فإذا قرئ عليه القرآن سمعه، وقيل
_________________
(١) البوق: آلة ينفخ فيها فتحدث صوتا قويا، ويتخذها اليهود ليجتمعوا للصلاة كما ورد فى حديث الأذان. مصححه.
[ ١٢ ]
أصابه الصمم فى آخر حياته بعد أن أخذت القراءة عنه، وكان مولده سنة عشرين ومائة فى زمن هشام بن عبد الملك، وتوفّى سنة عشرين ومائتين فى زمن المأمون.
وأما ورش: فهو عثمان بن سعيد بن عدى بن غزوان بن داود بن سابق المصرى، وكنيته أبو سعيد، ولقبه ورش لقّب به لشدة بياضه لأن الورش شىء يصنع من اللبن يقال له الأقط فشبّه به، وقد رحل إلى المدينة ليقرأ على نافع. فقرأ عليه عدة ختمات سنة خمس وخمسين ومائة، ثم رجع إلى مصر فانتهت إليه رئاسة الإقراء بها، فلم ينازعه فيها منازع. مع براعته فى العربية، وكان جيد القراءة حسن الصوت. قيل كان إذا قرأ على نافع غشى على كثير من الجلساء.
وكان مولده سنة عشر ومائة وتوفى بمصر سنة سبع وتسعين ومائة فى أيام المأمون.