أي هذا باب يذكر فيه مذاهب القراء في الاستعاذة قبل الشروع في القراءة فهو خبر مبتدأ محذوف، وكذلك كل ما يأتي من الأبواب، وكذا قول العلماء في كتبهم باب أو فصل أو كتاب أو فرع، وبدأ به لأن الاستعاذة أول ما يبدأ به عند الشروع في القراءة، والاستعاذة: طلب العوذ من الله تعالى، والعوذ مصدر عاذ بكذا: أي استجار به وامتنع.
وقل أعوذ إن أردت تقرا كالنّحل جهرا لجميع القرّا
أمر القارئ أن يقول إذا أراد القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كما ورد في سورة النحل، (١) وهذا اللفظ هو أدنى الكمال عندهم، وهو المختار لجميع القراء، وقد
حكى عن غير واحد من الأئمة الاتفاق على هذا اللفظ بعينه، وإنما نص على هذا اللفظ بعينه لينبه على أنه لا يجوز أستعيذ ولا استعذت ولا نحو ذلك، وما ورد عن حمزة في ذلك فلا يصح، وذلك أن المستعيذ طالب العوذ، بخلاف العائذ، وفرق بين الفاعل وطالب الفعل كما أوضحه في النشر فأمر منه بلفظ أعوذ ووكل باقية إلى ما في سورة النحل، وكذلك المختار لجميع القراء الجهر وإن كان ورد عن بعضهم إخفاؤه كما سيأتي ذكره، واللام في قوله جميع يتعلق بقل وبتقرأ وتجهرا.
وإن تغير أو تزد لفظا فلا تعد الّذي قد صحّ ممّا نقلا
أي وإن تغير شيئا من لفظ الاستعاذة المتقدم كما أشار إليه أو تزد في لفظه
_________________
(١) سورة النحل الآية «٩٨».
[ ٤٤ ]
فلا تتجاوز به ما ورد عن السلف وصح عن الأئمة نقله، فمن ذلك: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وأعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وأعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم، وورد أيضا غير ذلك من زيادة ونقص، وفي صحته نظر، وفي قوله: وإن تزد، إشارة إلى أنه لم يصح عنده نقص من اللفظ المختار. وقول الشاطبي ﵀. وإن تزد لربك تنزيها، صريح في إطلاق الزيادة، وهو مشكل. قال الجعبري رحمه الله تعالى في شرحه: هذه الزيادة وإن أطلقها وخصها فهي مقيدة بالرواية وعامة في غير التنزيه.
وقيل يخفى حمزة حيث تلا وقيل لا فاتحة وعلّلا
هذا كالاستدراك على قوله: جهرا لجميع القراء، وهو أنه ورد عن حمزة روايتان في إخفاء التعوذ سوى الجهر، وهو الإخفاء مطلقا: أي حيث قرأ سواء كان أول سورة أو أثناءها، والثاني الإخفاء إلا في فاتحة الكتاب كما ذكره في النشر، والأصح عنه الجهر كما تقدم، وكذلك نقل عن نافع الإخفاء مطلقا ولكنه من غير طريق كتابنا، ووجه إخفاء حمزة ليفرق بين القرآن وغيره، ووجه تخصيص الفاتحة بالجهر الفرق بين ابتداء القرآن وغيره، وذلك أن القرآن عنده كالسورة الواحدة، ولهذا آثر وصل السورة بالسورة من غير فصل بين السورتين ببسملة ولا غيرها، ولأن أبا هريرة ﵁ جهر بها في أول الفاتحة، (١) والألف في عللا للتثنية: أي والقولان معلولان: أي ضعيفان، ويحتمل أن يراد أن لكل منهما علة:
أي وجه.
وقف لهم عليه أوصل واستحب تعوّذ وقال بعضهم يجب
أي يجوز لكل واحد من القراء الوقف على التعوذ ووصله بما بعده سواء كان بسملة أو غيرها، وهذه مسألة عزيزة قلّ من تعرض لها، وقد أشار إليها الداني في كتابه الاكتفاء، والأستاذ أبو جعفر بن الباذش في كتاب الإقناع، وأجاد في ذلك في كتاب النشر (قوله: واستحب) يشير إلى مسألة مهمة وإن لم تتعلق بالقراءة، وهي التعوذ واجب أو مستحب، فالذي ذهب إليه الجمهور أنه مستحب
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن (٢/ ٤٥) وورد في كنز العمال رقم (٢٥١٩).
[ ٤٥ ]
قبل القراءة على كل حال في الصلاة وغيرها، وحملوا الأمر في ذلك على الندب، وذهب آخرون إلى الوجوب، وجنح الإمام الرازي في تفسيره وحكاه عن عطاء بن أبي رباح، وأوضح ذلك وبالغ داود الظاهري وأصحابه في ذلك حتى أبطلوا صلاة من لا يستعيذ، وهو قول ظاهر القوة: أعني القول بالوجوب، وأما ما ينقل عنهم أو عن غيرهم من الاستعاذة بعد القراءة لظاهر الآية فليس بصحيح عنهم ولا عن غيرهم كما بينه في النشر.