تقدم في أواخر مقدمة الكتاب حد الوقف وأنه به حالتان: إحداهما ما يوقف عليه، والثانية ما يوقف به وذكر الأولى هناك ونذكر الثانية؛ ومناسبة لما تقدم أنه لما ذكر
في الباب قبله الوقف على المغلظ وفي الباب قبله الوقف على الراء والروم فيها والسكون تعين معرفة ذلك عقيبة؛ وللعرب في الوقف وجوه: كالنقل والتضعيف والسكون والروم والإشمام، والمستعمل في القراءة أفصحها وهو السكون الذي هو الأصل والروم والإشمام.
والأصل في الوقف السّكون ولهم في الرّفع والضّمّ اشممنّه ورم
سمى الوقف وقفا لأنه ترك الحركة، فهو مأخوذ من قولهم وقفت عن كذا إذا لم تأت به، وإنما كان الأصل فيه السكون لأن الوقف يقتضي السكون والابتداء يقتضي الحركة، فجعل لكل منهما ما يناسبه؛ فخص الابتداء بالحركة لتعذر الابتداء بالسكون، ولما كان الوقف محل الاستراحة ناسبه لخفته قوله:
(ولهم) أي ولأئمة القراء يجوز في الوقف على المرفوع الذي هو من حركات الإعراب والمضموم الذي هو من حركة البناء الروم والإشمام، ولا يجوز ذلك في النصب ولا في الفتح ولكن يجوز الروم في الجر والكسر كما سيأتي، وفائدتهما
[ ١٤١ ]
بيان حركة الوصل ولذلك امتنعا في الحركة العارضة وميم الجمع وهاء التأنيث كما سيأتي.
وامنعهما في النّصب والفتح بلى في الجرّ والكسر يرام مسجلا
أي وامنع الروم والإشمام للقراء في النصب والفتح وأجازه النحاة؛ لأن المنصوب إن كان منونا وقف عليه بالألف، وإن لم يكن فلخفة حركته لا يتبعض، فإن الفتحة إذا خرج بعضهما خرج كلها؛ وإنما أتى ببلى التي هي حرف إيجاب هنا، لأنه جواب سؤال مقدر كأنه لما ذكر جوازهما في الرفع والضم ومنعهما في النصب والفتح قيل فهل يرام أو يشم في الجر والكسر؛
والرّوم الاتيان ببعض الحركة إشمامهم إشارة لا حركه
الروم عند القراء: عبارة عن النطق ببعض الحركة. وقال بعضهم تضعيف الصوت بالحركة حتى يذهب معظمها، والمعنى واحد؛ وعند النحاة النطق بالحركة بصوت خفي، وهو الذي ذكره الشاطبي رحمه الله تعالى. والإشمام عبارة عن الإشارة إلى الحركة من غير صوت، وقال بعضهم أن تجعل شفتيك على صورة الضمة إذا لفظت بها وكلاهما واحد.
وعن أبي عمرو وكوف وردا نصّا وللكلّ اختيارا اسندا
يعني أنه ورد النص بالوقف بالروم والإشمام عن أبي عمرو والكوفيين، ولكن المختار عند أئمة القراءة الأخذ بهما لجميع القراء حتى صار الأخذ بهما شائعا لكلهم مجمعا عليه لجميعهم مسندا إذا وإن لم يرد نصا.
وخلف ها الضّمير وامنع في الأتم من بعد يا أو واو أو كسر وضم
أي اختلف القراء في الإتيان في هاء الضمير بالروم والإشمام؛ فذهب كثير منهم إلى الإشارة مطلقا كما في التيسر وغيره، وهو اختيار ابن مجاهد، وذهب آخرون إلى المنع مطلقا كما هو ظاهر كلام الشاطبي والوجهان حكاهما الداني في غير التيسير، وذهب كثير من المحققين إلى التفصيل فمنع الإشارة بهما إذا كان قبلهما ياء أو واو أو كسر أو ضم نحو «خذوه، وليرضوه، وأمره، وفيه، وإليه، وبه» طلبا للخفة، وأجازوهما إذا لم يكن ذلك نحو «منه، واجتباه، ولن تخلفه» حيث لم يكن ثقل، وهذا أعدل المذاهب وأتمها كما قطع به مكي وابن شريح
[ ١٤٢ ]
والحافظ أبو العلا وأشار إليه الشاطبي والداني في الجامع، وتظهر المذاهب الثلاثة من كلام الناظم شكر الله سعيه ونفع بعلومه.
وهاء تأنيث وميم الجمع مع عارض تحريك كلاهما امتنع
هاء منصوب بنزع الخافض، والمراد بهاء التأنيث الهاء التي تلحق الأسماء وقفا بدلا من التاء نحو «الجنة، ورحمة، والملائكة» قوله: (وميم الجمع) يعني في قراءة من ضمها ووصلها بواو، وقوله عارض تحريك، يعني الحركة العارضة إما بالتقاء الساكنين نحو «قم الليل، ولقد استهزئ» أو بالنقل نحو «من إستبرق، وقل أوحى» قوله: (كلاهما امتنع) أي الروم والإشمام ممتنعان في الوقف بهاء التأنيث وميم الجمع والحركة العارضة.