أما الأجرة: فمنعها أبو حنيفة (١) والزهرى وجماعة؛ لقوله ﵇: «اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به» (٢).
ولأن حصول العلم متوقف على معنى (٣) من قبل المتعلم [فيكون ملتزما بما] (٤) لا يقدر على تسليمه؛ فلا يصح.
قال فى «الهداية»: وبعض المشايخ (٥) استحسن الإيجار على تعليم القرآن اليوم؛ لأنه قد ظهر التوانى فى الأمور الدينية، وفى الامتناع من ذلك تضييع حفظ القرآن، فأجازها (٦) الحسن (٧) وابن سيرين (٨) والشعبى (٩) إذا لم يشترط.
_________________
(١) هو النعمان بن ثابت بن كاوس بن هرمز. ينتسب إلى تيم بالولاء. الفقيه المجتهد المحقق الإمام، أحد أئمة المذاهب الأربعة، قيل: أصله من أبناء فارس، ولد ونشأ بالكوفة. كان يبيع الخز ويطلب العلم، ثم انقطع للدرس والإفتاء. قال فيه الإمام مالك «رأيت رجلا لو كلمته فى هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته»، وعن الإمام الشافعى أنه قال: «الناس فى الفقه عيال على أبى حنيفة». له «مسند» فى الحديث، و«المخارج» فى الفقه، وتنسب إليه رسالة «الفقه الأكبر» فى الاعتقاد، ورسالة «العالم والمتعلم». ينظر: الأعلام للزركلى (٩/ ٤)، والجواهر المضية (١/ ٢٦)، و«أبو حنيفة» لمحمد أبى زهرة، والانتقاء لابن عبد البر (١٢٢ - ١٧١)، وتاريخ بغداد (١٣/ ٣٢٣ - ٤٣٣).
(٢) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٨/ ٣٤٤) (٨٨٢٣) عن أبى هريرة بلفظ: «اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه تعلموا القرآن » الحديث وذكره الهيثمى فى المجمع (٧/ ١٧١) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط عن شيخه المقدام بن داود وهو ضعيف وله شاهد من حديث عبد الرحمن بن شبل الأنصارى. أخرجه أحمد (٣/ ٤٢٨، ٤٤٤) ولفظه: «اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به » الحديث. وقال الهيثمى فى المجمع (٧/ ١٧٠، ١٧١): رواه أحمد والبزار بنحوه ورجال أحمد ثقات.
(٣) فى م: معين.
(٤) سقط فى ز، م.
(٥) فى ص: الأشياخ.
(٦) فى د: وأجازوها.
(٧) هو الحسن بن يسار البصرى، أبو سعيد. تابعى، كان أبوه يسار من سبى ميسان، ومولى لبعض الأنصار. ولد بالمدينة وكانت أمه ترضع لأم سلمة. رأى بعض الصحابة، وسمع من قليل منهم. كان شجاعا، جميلا، ناسكا، فصيحا، عالما، شهد له أنس بن مالك وغيره. وكان إمام أهل البصرة. كان أولا كاتبا للربيع بن سليمان والى خراسان، ولى القضاء بالبصرة أيام عمر ابن عبد العزيز. ثم استعفى. نقل عنه أنه قال بقول القدرية، وينقل أنه رجع عن ذلك، وقال: الخير والشر بقدر. ينظر: تهذيب التهذيب (٢/ ٢٦٣ - ٢٧١)، والأعلام للزركلى (٢/ ٢٤٢)، و«الحسن البصرى» لإحسان عباس.
(٨) هو محمد بن سيرين الأنصارى مولاهم أبو بكر البصرى إمام وقته. روى عن مولاه أنس وزيد بن ثابت وعمران بن حصين وأبى هريرة وعائشة وطائفة من كبار التابعين. وروى عنه الشعبى وثابت، وقتادة وأيوب ومالك بن دينار وسليمان التيمى وخالد الحذاء والأوزاعى وخلق كثير قال أحمد: لم يسمع من ابن عباس. وقال خالد الحذاء: كل شىء يقول نبئت عن ابن عباس إنما سمعه من عكرمة أيام ⦗٦٨⦘ المختار قال ابن سعد: كان ثقة مأمونا عاليا رفيعا فقيها إماما كثير العلم. وقال أبو عوانة: رأيت ابن سيرين فى السوق فما رآه أحد إلا ذكر الله تعالى وقال بكر المزنى: والله ما أدركنا من هو أورع منه وروى أنه اشترى بيتا، فأشرف فيه على ثمانين ألف دينار، فعرض فى قلبه منه شىء فتركه. وقال جرير بن حازم: سمعت محمدا يقول رأيت الرجل الأسود ثم قال: أستغفر الله ما أرانا إلا قد اغتبناه. وروى أنه كان يصوم يوما ويفطر يوما قال حمّاد بن زيد: مات سنة عشر ومائة. ينظر: الخلاصة (٢/ ٤١٢ - ٤١٣).
(٩) هو عامر بن شراحيل الشعبى. أصله من حمير. منسوب إلى الشعب (شعب همدان) ولد ونشأ بالكوفة. وهو راوية فقيه، من كبار التابعين. اشتهر بحفظه. كان ضئيل الجسم. أخذ عنه أبو حنيفة وغيره. وهو ثقة عند أهل الحديث. اتصل بعبد الملك بن مروان. فكان نديمه وسميره. أرسله سفيرا فى سفارة إلى ملك الروم. خرج مع ابن الأشعث فلما قدر عليه الحجاج عفا عنه فى قصة مشهورة. ينظر: تذكرة الحفاظ (١/ ٧٤ - ٨٠)، والأعلام للزركلى (٤/ ١٩)، والوفيات (١/ ٢٤٤)، والبداية والنهاية (٩/ ٤٩)، وتهذيب التهذيب (٥/ ٦٩).
[ ١ / ٦٧ ]
وأجازها مالك مطلقا سواء اشترط المعلم قدرا فى كل شهر، أو جمعة، أو يوم، أو غيرها، أو شرط (١) على كل [جزء] (٢) من القرآن كذا، أو لم يشترط (٣) شيئا من ذلك ودخل على الجهالة من الجانبين، هذا هو المعول عليه.
وقال ابن الجلاب (٤) من المالكية: «لا يجوز إلا مشاهرة ونحوها».
ومذهب مالك: أنه لا يقضى للمعلم بهدية الأعياد والجمع.
وهل يقضى بالحذقة- وهى الصرافة (٥) - إذا جرى بها العرف، أو لا؟ قولان، الصحيح: نعم. قال سحنون (٦): وليس فيها شىء معلوم، وهى على قدر حال الأب.
_________________
(١) فى م: أو اشترط.
(٢) سقط فى ص.
(٣) فى د: يشرط.
(٤) فى م: ابن الجلال، وهو عبيد الله بن الحسن بن الجلاب، أبو القاسم، فقيه، أصولى حافظ، تفقه بأبى بكر الأبهرى وغيره، وتفقه به القاضى عبد الوهاب وغيره من الأئمة، وكان أفقه المالكية فى زمانه بعد الأبهرى وما خلف ببغداد فى المذهب مثله، وسماه بعض العلماء بالقاضى عياض. من تصانيفه: «كتاب مسائل الخلاف»، و«كتاب التفريع فى المذهب». ينظر: شجرة النور الزكية (ص ٩٢)، وسير أعلام النبلاء (١٦/ ٣٨٣)، والعبر (٣/ ١٠)، وشذرات الذهب (٣/ ٩٣)، والنجوم الزاهرة (٤/ ١٥٤).
(٥) فى ز، ص، د: إلا صرافة.
(٦) هو عبد السلام بن سعيد بن حبيب، أبو سعيد، التنوخى القيروانى. وسحنون لقبه. من العرب صليبة. أصله شامى من حمص. فقيه مالكى، شيخ عصره وعالم وقته. كان ثقة حافظا للعلم، رحل فى طلب العلم وهو ابن ثمانية عشر عاما أو تسعة عشر. ولم يلاق مالكا وإنما أخذ عن أئمة أصحابه كابن القاسم وأشهب. والرواة عنه نحو ٧٠٠، انتهت إليه الرئاسة فى العلم، وكان عليه المعول فى المشكلات وإليه الرحلة. راوده محمد بن الأغلب حولا كاملا على القضاء، ثم قبل منه على شرط ألا يرتزق له شيئا على القضاء، وأن ينفذ الحقوق على وجهها فى الأمير وأهل بيته. وكانت ولايته سنة ٢٣٤ هـ، ومات وهو يتولى القضاء سنة ٢٤٠ هـ. من مصنفاته: «المدونة» جمع فيها فقه مالك. ينظر: شجرة النور الزكية ص (٦٩)، والديباج ص (١٦٠)، ومرآة الجنان (٢/ ١٣١).
[ ١ / ٦٨ ]
قالوا: وإذا بلغ الصبى ثلاثة أرباع القرآن لم يكن لأبيه إخراجه، ووجبت الختمة، وتوقف (١) فى الثّلثين.
فرع: (٢) هل يقضى على القارئ بإعطاء شىء إذا قرأ رواية؟ ولم أر فيها عند المالكية نصّا.
والظاهر (٣) أن حكمها حكم الحذقة (٤).
ومذهب الشافعى جواز أخذ الأجرة إذا شارطه واستأجره إجارة صحيحة.
قال الأصفونى (٥) فى «مختصر الروضة»: ولو استأجره لتعليم قرآن عيّن السورة والآيات، ولا يكفى أحدهما على الأصح.
وفى التقدير بالمدة وجهان، [أصحهما: يكفى] (٦).
والأصح: أنه لا يجب تعيين قراءة نافع أو غيره، وأنه لو كان يتعلم وينسى يرجع فى وجوب إعادته إلى العرف، ويشترط كون المتعلم مسلما أو يرجى إسلامه. انتهى.
وأما قبول الهدية فامتنع منه (٧) جماعة من السلف والخلف، تورعا وخوفا من أن يكون بسبب القراءة.
وقال النووى﵀-: ولا يشين المقرئ طمع فى رفق يحصل له من بعض من يقرأ عليه، سواء كان الرفق مالا أو خدمة، وإن قل، ولو كان على صورة الهدية التى لولا قراءته [عليه] (٨) لما أهداها إليه.
_________________
(١) فى د، ز، ص: ووقف.
(٢) زاد فى د: انظر.
(٣) فى ص: والعلم.
(٤) فى ص: الحذاقة.
(٥) هو عبد الرحمن بن يوسف بن إبراهيم بن على، العلامة، نجم الدين، أبو القاسم، ويقال أبو محمد الأصفونى، ولد سنة سبع وسبعين وستمائة، قال الإسنوى: برع فى الفقه وغيره وكان صالحا سليم الصدر يتبرك به من يراه من أهل السنة والبدعة. اختصر الروضة. توفى بمنى فى ثانى عيد الأضحى سنة خمسين وسبعمائة. ينظر: طبقات الشافعية (٣/ ٢٩ - ٣٠).
(٦) زيادة من ص، د.
(٧) فى م: منها.
(٨) سقط فى م.
[ ١ / ٦٩ ]