وشرطه (٢) أن يكون [عالما] (٣) عاقلا [حرّا] (٤) مسلما مكلفا، ثقة مأمونا ضابطا، خاليا من أسباب الفسق ومسقطات المروءة، أما إذا كان مستورا فهو ظاهر العدالة ولم تعرف عدالته الباطنة فيحتمل أنه يضره كالشهادة. قال المصنف: والظاهر أنه لا يضره؛ لأن العدالة الباطنة تعتبر (٥) معرفتها على غير الحكام، ففي اشتراطها حرج على [غير] (٦) الطلبة والعوام.
ويجب عليه أن يخلص النية لله تعالى فى كل عمل يقربه إليه (٧)، وعلامة المخلص ما قاله ذو النون المصرى (٨) - رحمه الله تعالى-: أن (٩) يستوى عنده المدح والذم من العامة، ونسيان رؤية الأعمال فى الأعمال، واقتضاء (١٠) ثواب الأعمال فى الآخرة.
وليحذر كل الحذر من الرياء والحسد والحقد واحتقار غيره وإن كان دونه، والعجب، وقلّ من يسلم منها، فقد روى عن الكسائى أنه قال: صليت بالرشيد (١١) فأعجبتنى قراءتى،
_________________
(١) فى م، د: شروط.
(٢) فى م، ز: شرطه.
(٣) زيادة من ص.
(٤) سقط فى د.
(٥) فى م، ص، د: تعسر. والعدل من الناس: هو المرضى قوله وحكمه، ورجل عدل: بين العدل، والعدالة وصف بالمصدر معناه: ذو عدل. والعدل يطلق على الواحد والاثنين والجمع، يجوز أن يطابق فى التثنية والجمع فيقال: عدلان، وعدول، وفى المؤنثة: عدلة. والعدالة: صفة توجب مراعاتها الاحتراز عما يخل بالمروءة عادة فى الظاهر. والعدل فى اصطلاح الفقهاء: من تكون حسناته غالبة على سيئاته. وهو ذو المروءة غير المتهم.
(٦) سقط فى م.
(٧) فى د: إلى الله تعالى، وفى م، ص: إلى الله.
(٨) هو ثوبان بن إبراهيم الإخميمى المصرى، أبو الفياض، أو أبو الفيض: أحد الزهاد العباد المشهورين، من أهل مصر. نوبى الأصل من الموالى. كانت له فصاحة وحكمة وشعر. وهو أول من تكلم بمصر فى ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية فأنكر عليه عبد الله بن عبد الحكم. واتهمه المتوكل العباسى بالزندقة، فاستحضره إليه وسمع كلامه، ثم أطلقه، فعاد إلى مصر. وتوفى بجيزتها سنة ٢٤٥ هـ. ينظر الأعلام (٢/ ١٠٢) ووفيات الأعيان (١/ ١٠١) وميزان الاعتدال (١/ ٣٣١) وتاريخ بغداد (٨/ ٣٩٣).
(٩) فى م: أنه.
(١٠) فى د: واقتضائه.
(١١) هو هارون الرشيد بن محمد المهدى بن المنصور العباسى، أبو جعفر: خامس خلفاء الدولة العباسية فى العراق، وأشهرهم. ولد بالرى، لما كان أبوه أميرا عليها وعلى خراسان. ونشأ فى دار الخلافة ببغداد. وولاه أبوه غزو الروم فى القسطنطينية، فصالحته الملكة إيرينى وافتدت منه مملكتها بسبعين
[ ١ / ٥٤ ]
فغلطت فى آية ما أخطأ فيها صبى قط، [أردت أن] (١) أقول: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١] فقلت (٢): «لعلهم يرجعين» قال: فو الله ما اجترأ هارون أن يقول لى أخطأت، ولكنه (٣) لما سلمت قال: يا كسائى أى لغة هذه؟ قلت: يا أمير المؤمنين: قد يعثر الجواد قال: أمّا فنعم.
ومن هذا ما قاله الشيخ محيى الدين النواوى (٤) - رحمه الله تعالى-: وليحذر من كراهة قراءة أصحابه على غيره ممن ينتفع به، وهذه مصيبة يبتلى (٥) بها بعض المعلمين الجاهلين، وهى دلالة بينة من صاحبها على سوء نيته وفساد طويته، بل هى حجة قاطعة على عدم إرادته وجه الله تعالى، وإلا لماكره ذلك وقال لنفسه: أنا أردت (٦) الطاعة وقد حصلت.
ويجب عليه قبل أن ينصب [نفسه] (٧) للاشتغال فى القراءة (٨) أن يعلم من الفقه ما يصلح به أمر دينه، وتندب (٩) الزيادة، حتى يرشد جماعته (١٠) فى وقوع أشياء من أمر دينهم.
ويعلم من الأصول [قدر] (١١) ما يدفع به شبهة طاعن فى قراءة (١٢).
_________________
(١) ألف دينار تبعث بها إلى خزانة الخليفة فى كل عام. وبويع بالخلافة بعد وفاة أخيه الهادى سنة ١٧٠ هـ فقام بأعبائها، وازدهرت الدولة فى أيامه. وكان الرشيد عالما بالأدب وأخبار العرب والحديث والفقه، فصيحا، له شعر أورد صاحب «الديارات» نماذج منه، وله محاضرات مع علماء عصره، شجاعا كثير الغزوات، يلقب بجبار بنى العباس، حازما كريما متواضعا، يحج سنة ويغزو سنة، لم ير خليفة أجود منه، ولم يجتمع على باب خليفة ما اجتمع على بابه من العلماء والشعراء والكتاب والندماء. وكان يطوف أكثر الليالى متنكرا. قال ابن دحية: وفى أيامه كملت الخلافة بكرمه وعدله وتواضعه وزيارته العلماء فى ديارهم. وهو أول خليفة لعب بالكرة والصولجان. له وقائع كثيرة مع ملوك الروم، ولم تزل جزيتهم تحمل إليه من القسطنطينية طول حياته. وهو صاحب وقعة البرامكة، وهم من أصل فارسى، وكانوا قد استولوا على شئون الدولة، فقلق من تحكمهم، فأوقع بهم فى ليلة واحدة. وأخباره كثيرة جدّا. ولايته ٢٣ سنة وشهران وأيام. توفى فى «سناباذ» من قرى طوس، وبها قبره. ينظر الأعلام (٨/ ٦٢) والبداية والنهاية (١٠/ ٢١٣) والذهب المسبوك للمقريزى (٤٧ - ٥٨).
(٢) سقط فى د.
(٣) فى م: قلت.
(٤) فى ص: ولكن.
(٥) هو يحيى بن شرف بن مرى بن حسن، النووى (أو النواوى) أبو زكريا، محيى الدين. من أهل نوى من قرى حوران جنوبى دمشق. علامة فى الفقه الشافعى والحديث واللغة، تعلم فى دمشق، وأقام بها زمنا. من تصانيفه: «المجموع شرح المهذب» لم يكمله، و«روضة الطالبين»، و«المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج». ينظر طبقات الشافعية للسبكى (٥/ ١٦٥)، والأعلام للزركلى (٩/ ١٨٥)، والنجوم الزاهرة (٧/ ٢٧٨).
(٦) فى د: ابتلى.
(٧) فى م: إنا أردنا.
(٨) سقطت فى ص.
(٩) فى د: بالقراءة.
(١٠) فى م: وينبغى.
(١١) فى م: جماعة.
(١٢) سقطت فى د.
(١٣) فى م: قراءته.
[ ١ / ٥٥ ]
ومن النحو والصرف طرفا لتوجيه ما يحتاج إليه، بل هما أهم ما يحتاج إليه المقرئ، وإلا فخطؤه أكثر من إصابته، وما أحسن قول الإمام الحصرى (١) فيه:
لقد يدّعى علم القراءات (٢) معشر وباعهم فى النّحو أقصر من شبر
فإن قيل ما إعراب هذا ووجهه رأيت طويل الباع يقصر عن فتر (٣)
ويعلم من التفسير واللغة (٤) طرفا صالحا.
وأما معرفة الناسخ والمنسوخ فمن لوازم (٥) المجتهدين فلا يلزم المقرئ، خلافا للجعبرى (٦) ويلزمه حفظ كتاب يشتمل على القراءة التى يقرأ بها، وإلا داخله (٧) الوهم والغلط فى الأشياء (٨)، وإن قرأ بكتاب وهو غير حافظ فلا بد أن يكون ذاكرا كيفية (٩) تلاوته به حال تلقيه من شيخه، فإن شك فليسأل رفيقه أو غيره ممن قرأ بذلك الكتاب حتى يتحقق، وإلا فلينبه على ذلك فى الإجازة، فأما (١٠) من نسى أو ترك فلا يقرأ عليه إلا لضرورة، مثل أن ينفرد بسند عال أو طريق لا يوجد (١١) عند غيره، فحينئذ إن كان القارئ
_________________
(١) هو على بن عبد الغنى أبو الحسن الفهرى القيروانى الحصرى أستاذ ماهر أديب حاذق صاحب القصيدة الرائية فى قراءة نافع. قرأ على عبد العزيز بن محمد صاحب ابن سفيان وعلى أبى على بن حمدون الجلولى والشيخ أبى بكر القصرى تلا عليه السبع تسعين ختمة، قرأ عليه أبو داود سليمان بن يحيى المعافرى وروى عنه أبو القاسم بن الصواف قصيدته وأقرأ الناس بسبتة وغيرها، توفى بطنجة سنة ثمان وستين وأربعمائة، قال ابن خلكان وهو ابن خالة أبى إسحاق إبراهيم الحصرى صاحب زهر الآداب ومن نظمه القصيدة المشهورة: يا ليل الصب متى غده أقيام الساعة موعده رقد السمار فأرّقه أسف للبين يردده ينظر: غاية النهاية (١/ ٥٥٠).
(٢) فى م، ص: القراءة.
(٣) فى م: طوال.
(٤) فى ص، د: من اللغة والتفسير.
(٥) فى م: علوم.
(٦) هو إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل بن أبى العباس العلامة الأستاذ أبو محمد الربعى الجعبرى السلفى بفتحتين نسبة إلى طريقة السلف محقق حاذق ثقة كبير، شرح الشاطبية والرائية وألف التصانيف فى أنواع العلوم، ولد سنة أربعين وستمائة أو قبلها تقريبا بربض قلعة جعبر، وقرأ للسبعة على أبى الحسن على الوجوهى صاحب الفخر الموصلى وللعشرة على المنتجب حسين بن حسن التكريتى صاحب ابن كدى بكتاب در الأفكار ومن ثم لم تقع له بالتلاوة عن كل من العشر إلا رواية واحدة، وروى القراءات بالإجازة عن الشريف الداعى وروى الشاطبية بالإجازة عن عبد الله ابن إبراهيم بن محمود الجزرى، واستوطن بلد الخليل عليه أفضل الصلاة والسلام حتى توفى فى ثالث عشر من شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. ينظر: غاية النهاية (١/ ٢١).
(٧) فى ص: دخله.
(٨) فى ص، م، ز: أشياء.
(٩) فى د: لكيفية.
(١٠) فى ص: وأما.
(١١) فى م: لا توجد.
[ ١ / ٥٦ ]
عليه ذاكرا عالما بما يقرأ عليه جاز الأخذ عنه وإلا حرم.
وليحذر الإقراء بما يحسن رأيا أو وجها أو لغة دون رواية، ولقد أوضح ابن مجاهد (١) غاية الإيضاح حيث قال: لا تغتر بكل مقرئ؛ إذ الناس طبقات، فمنهم من حفظ الآية والآيتين والسورة والسورتين ولا علم له غير ذلك، فلا تؤخذ (٢) عنه القراءة (٣)، ولا تنقل (٤) عنه الرواية، ومنهم من حفظ الروايات ولم يعلم معانيها ولا استنباطها من لغات (٥) العرب [ونحوها] (٦)، فلا يؤخذ عنه؛ لأنه ربما يصحف، ومنهم من علم العربية ولا يتبع المشايخ والأثر فلا تنقل (٧) عنه الرواية، ومنهم من فهم التلاوة وعلم الرواية وأخذ حظّا من الدراية من النحو واللغة فتؤخذ (٨) عنه الرواية ويقصد للقراءة، وليس الشرط أن يجتمع فيه جميع العلوم؛ إذ الشريعة واسعة والعمر قصير. انتهى [مختصرا] (٩).
ويتأكد فى حقه تحصيل طرف صالح من أحوال الرجال والأسانيد، وهو من أهم ما يحتاج إليه، وقد وهم كثير لذلك فأسقطوا رجالا وسمّوا آخرين بغير أسمائهم وصحفوا أسماء رجال.
ويتأكد أيضا ألا يخلى نفسه من الخلال (١٠) الحميدة: من التقلل من الدنيا والزهد فيها، وعدم المبالاة بها وبأهلها، والسخاء والصبر والحلم ومكارم الأخلاق، وطلاقة الوجه، لكن لا يخرج إلى حد الخلاعة، وملازمة الورع والسكينة والتواضع.
_________________
(١) هو أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التميمى الحافظ الأستاذ أبو بكر بن مجاهد البغدادى شيخ الصنعة وأول من سبع السبعة، ولد سنة خمس وأربعين ومائتين بسوق العطش ببغداد، قرأ على عبد الرحمن بن عبدوس عشرين ختمة وعلى قنبل المكى وعبد الله بن كثير المؤدب صاحب أبى أيوب الخياط صاحب اليزيدى، وروى الحروف سماعا عن إسحاق بن أحمد الخزاعى ومحمد ابن عبد الرحيم الأصفهانى ومحمد بن إسحاق أبى ربيعة ومحمد بن يحيى الكسائى الصغير وأحمد ابن يحيى بن ثعلب وموسى بن إسحاق الأنصارى وأحمد بن فرح ومحمد بن الفرج الحرانى. وبعد صيته واشتهر أمره، وفاق نظراءه مع الدين والحفظ والخير ولا أعلم أحدا من شيوخ القراءات أكثر تلاميذ منه ولا بلغنا ازدحام الطلبة على أحد كازدحامهم عليه حكى ابن الأخرم أنه وصل إلى بغداد فرأى فى حلقة ابن مجاهد نحوا من ثلاثمائة مصدر، وقال على بن عمر المقرئ: كان ابن مجاهد له فى حلقته أربعة وثمانون خليفة يأخذون على الناس، توفى يوم الأربعاء وقت الظهر فى العشرين من شعبان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة رحمه الله تعالى. ينظر: غاية النهاية (١/ ١٣٩، ١٤٠، ١٤٢).
(٢) فى ز: فلا يؤخذ.
(٣) فى ص: القراءة عنه.
(٤) فى ز: ولا ينقل.
(٥) فى م: لغة.
(٦) سقط فى م.
(٧) فى ز: فلا ينقل.
(٨) فى م، ز: فيؤخذ.
(٩) زيادة من د، وسقط فى م.
(١٠) فى م، د: الخصال.
[ ١ / ٥٧ ]