: قال الخطيب البغدادى (١): أجود أوقات الحفظ الأسحار، ثم نصف النهار، ثم الغداة، وحفظ الليل أنفع من حفظ النهار، ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع، وأجود أماكن الحفظ كل موضع بعد عن الملهيات (٢)، وليس الحفظ بمحمود بحضرة النبات والخضرة والأنهار وقوارع الطرق؛ لأنها تمنع خلو القلب.
وينبغى أن يصبر على حدة (٣) شيخه وسوء خلقه، ولا يصده (٤) ذلك عن ملازمته واعتقاد كماله (٥)، ويتأول لأفعاله (٦) التى ظاهرها الفساد تأويلات [حسنة] (٧) صحيحة.
وإذا جفاه الشيخ ابتدأ هو (٨) بالاعتذار (٩) وأظهر (١٠) الذنب له، والمعتب (١١) عليه، وقد قالوا: «من لم (١٢) يصبر [على] [جفاء شيخه] (١٣) وذل التعليم، بقى عمره فى عماية الجهل (١٤)، ومن [صبر] (١٥) عليه آل أمره إلى عز الآخرة والدنيا».
وعن أنس (١٦) - رضى الله تعالى عنه-: «ذللت طالبا فعززت مطلوبا».
_________________
(١) احتاج وعجز عن مؤنته، وفى الصحيحين عن أسامة بن زيدرضي الله عنهما- عن النبى ﷺ قال: «ما تركت بعدى فتنة هى أضرّ على الرّجال من النّساء» وفى صحيح مسلم عن أبى سعيد الخدرىرضي الله عنه- عن النبى ﷺ قال: «إنّ الدّنيا حلوة خضرة، وإنّ الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتّقوا الدّنيا، واتّقوا النّساء، فإنّ أوّل فتنة بنى إسرائيل كانت فى النّساء». وينبغى له أن يتواضع للعلم والمعلم، فبتواضعه يناله، وقد أمرنا بالتواضع مطلقا، فهنا أولى، وقد قالوا: العلم حرب للمتعالى، كالسيل حرب للمكان العالى، وينقاد لمعلمه، ويشاوره فى أموره، ويأتمر بأمره، كما ينقاد المريض لطبيب حاذق ناصح، وهذا أولى لتفاوت مرتبتهما، قالوا: ولا يأخذ العلم إلا ممن كملت أهليته، وظهرت ديانته، وتحققت معرفته، واشتهرت صيانته وسيادته؛ فقد قال ابن سيرين، ومالك، وخلائق من السلف: «هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم». ينظر المجموع (١/ ٦٥: ٧٠).
(٢) هو أحمد بن على بن ثابت البغدادى أبو بكر المعروف بالخطيب: أحد الحفاظ المؤرخين المقدمين. مولده فى «غزية» - بصيغة التصغير- منتصف الطريق بين الكوفة ومكة، ومنشأة ووفاته ببغداد. رحل إلى مكة وسمع بالبصرة والدينور والكوفة وغيرها. ينظر الأعلام (١/ ١٧٢) (٩٠٥).
(٣) فى ز: المنهيات.
(٤) فى ز، ص، م: جفوة.
(٥) فى د: ولا يمنعه.
(٦) فى ص: كلامه.
(٧) فى د: أفعاله.
(٨) سقط فى ز.
(٩) فى د: ابتدأه.
(١٠) فى د: بالأعذار.
(١١) فى د: وإظهار.
(١٢) فى م، ص: والعيب.
(١٣) فى ص: من لا.
(١٤) زيادة من م.
(١٥) فى د، ص: الجهالة.
(١٦) بياض فى ص.
(١٧) فى م: أبى ذر. وأنس هو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام الأنصارى النجارى، خدم النبى ﷺ عشر سنين. وذكر ابن سعد أنه شهد بدرا، له ألف ومائتا حديث وستة وثمانون حديثا. وروى عن طائفة من الصحابة. وعنه بنوه موسى والنضر وأبو بكر والحسن البصرى وثابت
[ ١ / ٤٣ ]
[وما أحسن قول القائل:
إنّ المعلّم والطّبيب، كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يكرما
فاصبر لدائك إن جهلت طبيبه واصبر لجهلك إن جفوت معلّما] (١)
وينبغى أن يغتنم التحصيل فى وقت الفراغ والشباب وقوة البدن ونباهة الخاطر وقلة الشواغل قبل عوارض البطالة وارتفاع المنزلة؛ فقد روى عن عمر [بن الخطاب] (٢) - رضى الله تعالى عنه-: «تفقهوا قبل أن تسوّدوا».
وقال الشافعى- رضى الله تعالى عنه-: «تفقه قبل أن ترأس، فإذا رأست فلا سبيل [لك] (٣) إلى التفقه».
وليكتب (٤) كل ما سمعه، ثم يواظب [على] حلقة الشيخ، ويعتنى بكل الدروس (٥)، فإن عجز اعتنى بالأهم، وينبغى أن يرشد رفقته وغيرهم إلى مواطن الاشتغال والفائدة، ويذكر لهم ما استفاده على جهة النصيحة والمذاكرة، وبإرشادهم يبارك له فى علمه (٦)، وتتأكد المسائل [معه] (٧) مع جزيل ثواب الله تعالى، ومن فعل ضد ذلك كان بضده.
فإذا تكاملت أهليته واشتهرت فضيلته اشتغل بالتصنيف، وجد فى الجمع والتأليف، والله الموفق (٨).
وينبغى ألا يترك وظيفته لعروض (٩) مرض خفيف ونحوه مما يمكن معه الجمع بينهما، ولا يسأل تعنتا (١٠) وتعجيزا فلا يستحقّ جوابا، ومن أهم أحواله (١١) أن يحصّل الكتاب بشراء (١٢) أو غيره ولا يشتغل بنسخ كتاب أصلا، فإن آفاته ضياع الأوقات فى صناعة أجنبية
_________________
(١) البنانى وسليمان التيمى وخلق لا يحصون. مات سنة تسعين أو بعدها وقد جاوز المائة، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃. ينظر الخلاصة (١/ ١٠٥).
(٢) زيادة من ص.
(٣) زيادة من ص، د وهو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى العدوى أبو حفص المدنى، أحد فقهاء الصحابة، ثانى الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأول من سمى أمير المؤمنين شهد بدرا، والمشاهد إلا تبوك. وولى أمر الأمة بعد أبى بكر ﵄. وفتح فى أيامه عدة أمصار. أسلم بعد أربعين رجلا. عن ابن عمر مرفوعا: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه»، ولما دفن قال ابن مسعود: ذهب اليوم بتسعة أعشار العلم. استشهد فى آخر سنة ثلاث وعشرين، ودفن فى أول سنة أربع وعشرين، وهو ابن ثلاث وستين، وصلى عليه صهيب، ودفن فى الحجرة النبوية، ومناقبه جمة. ينظر الخلاصة (٢/ ٢٦٨).
(٤) زيادة من د.
(٥) فى د: ويكتب.
(٦) فى م، ز: الدرس.
(٧) فى م: يبارك له فى عمله.
(٨) سقطت فى ز.
(٩) فى ز: أعلم.
(١٠) فى ص: بعروض.
(١١) فى ص: عنتا.
(١٢) فى د، م، ز: حاله.
(١٣) فى ز: نثرا، وفى م: نشرا.
[ ١ / ٤٤ ]
عن تحصيل العلم، وركون النفس لها (١) أكثر من ركونها لتحصيله، وقد (٢) قال بعض أهل الفضل: «أود لو قطعت يد الطالب إذا نسخ، فأما شىء يسير فلا بأس به»، وكذا (٣) إذا دعاه إلى ذلك قلة ما بيده من الدنيا.
وينبغى ألا يمنع عارية كتاب لأهله؛ فقد (٤) ذمه (٥) السلف والخلف ذمّا كثيرا.
قال الزهرى (٦): «إياك وغلول الكتب» (٧) وهو حبسها عن أصحابها، وعن الفضيل (٨):
«ليس من أهل الورع ولا من أفعال (٩) الحكماء أن يأخذ سماع رجل وكتابه (١٠) فيحبسه عنه».
وقال رجل لأبى العتاهية (١١): أعرنى كتابك فقال: إنى أكره ذلك؛ فقال: أما علمت أن المكارم موصولة بالمكاره؟ فأعاره (١٢).
_________________
(١) فى ص: لهذا.
(٢) فى م، ز: به.
(٣) فى م: وكذلك.
(٤) فى د، ص: وقد.
(٥) فى م: قال.
(٦) فى د: الزبيرى. والزهرى هو محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب. من بنى زهرة، من قريش. تابعى من كبار الحفاظ والفقهاء. مدنى سكن الشام. هو أول من دون الأحاديث النبوية. ودون معها فقه الصحابة. قال أبو داود: جميع حديث الزهرى مائتان وألفا حديث. أخذ عن بعض الصحابة. وأخذ عنه مالك بن أنس وطبقته. توفى سنة ١٢٤ هـ. ينظر تهذيب التهذيب (٩/ ٤٤٥ - ٤٥١)، وتذكرة الحفاظ (١/ ١٠٢)، والوفيات (١/ ٤٥١)، والأعلام للزركلى (٧/ ٣١٧).
(٧) أخرجه الخطيب فى الجامع (١/ ٣٧٣).
(٨) هو الفضيل بن عياض بن مسعود التميمى اليربوعى، أبو على، شيخ الحرم المكى، من أكابر العباد الصلحاء كان ثقة فى الحديث، أخذ عنه خلق منهم: الإمام الشافعى. ولد فى سمرقند ونشأ بأبيورد ودخل الكوفة وأصله منها ثم سكن وتوفى بها. ينظر الأعلام (٥/ ١٥٣).
(٩) فى ز: فعال.
(١٠) فى م: أو كتابه.
(١١) فى م: من أصحاب أبى العتاهية. وهو إسماعيل بن القاسم بن سويد العينى، العنزى- من قبيلة عنزة- بالولاء، أبو إسحاق الشهير بأبى العتاهية: شاعر مكثر، سريع الخاطر، فى شعره إبداع. كان ينظم المائة والمائة والخمسين بيتا فى اليوم، حتى لم يكن للإحاطة بجميع شعره من سبيل. وهو يعد من مقدمى المولدين، من طبقة بشار وأبى نواس وأمثالهما. جمع الإمام يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمرى القرطبى ما وجد من زهدياته وشعره فى الحكمة والعظة، وما جرى مجرى الأمثال، فى مجلد، منه مخطوطة حديثة فى دار الكتب بمصر، اطلع عليها أحد الآباء اليسوعيين فنسخها ورتبها على الحروف وشرح بعض مفرداتها، وسماها «الأنوار الزاهية فى ديوان أبى العتاهية- ط» وكان يجيد القول فى الزهد والمديح وأكثر أنواع الشعر فى عصره. ولد فى «عين التمر» بقرب الكوفة، ونشأ فى الكوفة، وسكن بغداد. وكان فى بدء أمره يبيع الجرار فقيل له «الجرار» ثم اتصل بالخلفاء وعلت مكانته عندهم. وهجر الشعر مدة، فبلغ ذلك المهدى العباسى، فسجنه ثم أحضره إليه وهدده بالقتل أو يقول الشعر! فعاد إلى نظمه، فأطلقه. وأخباره كثيرة. توفى فى بغداد سنة ٢١١ هـ. ينظر الأعلام (١/ ٣٢١) والأغانى (٤/ ١) وتاريخ بغداد (٦/ ٢٥٠) ووفيات الأعيان (١/ ٧١).
(١٢) قال النووى فى المجموع (١/ ٧١): وقد جاء فى ذم الإبطاء برد الكتب المستعارة عن السلف أشياء كثيرة
[ ١ / ٤٥ ]
فهذه نبذة من الآداب لمن اشتغل بهذا (١) الطريق لا يستغنى عن تذكرها؛ لتكون معينة على تحصيل المرام والخروج إلى النور (٢) من الظلام، والله تعالى هو المنان ذو الجود والإكرام (٣).
_________________
(١) - نثرا ونظما، ورويناها فى كتاب الخطيب: الجامع لأخلاق الراوى والسامع منها عن الزهرى: إياك وغلول الكتب؛ وهو حبسها عن أصحابها، وعن الفضيل: ليس من أفعال أهل الورع ولا من أفعال الحكماء أن يأخذ سماع رجل وكتابه، فيحبسه عنه، ومن فعل ذلك فقد ظلم نفسه. وقال الخطيب: وبسبب حبسها امتنع غير واحد من إعارتها، ثم روى فى ذلك جملا عن السلف، وأنشد فيه أشياء كثيرة. والمختار استحباب الإعارة لمن لا ضرر عليه فى ذلك؛ لأنه إعانة على العلم مع ما فى مطلق العارية من الفضل، وروينا عن وكيع: أول بركة الحديث إعارة الكتب. وعن سفيان الثورى: من بخل بالعلم ابتلى بإحدى ثلاث: أن ينساه، أو يموت ولا ينتفع به، أو تذهب كتبه.
(٢) فى م، ص: بهذه.
(٣) فى م: والدخول فى النور.
(٤) اقتصر المصنف رحمه الله تعالى فى هذا الفصل على بيان ما يتعلق بطالب العلم من آداب. وإكمالا للفائدة نذكر فيما يلى ما يتعلق بالمعلم نفسه من آداب، وقد عقد النووى فى مقدمة المجموع بابا خاصّا بذلك جاء فيه ما نصه: هذا الباب واسع جدّا، وقد جمعت فيه نفائس كثيرة لا يحتمل هذا الكتاب عشرها، فأذكر فيه- إن شاء الله تعالى- نبذا منه، فمن آدابه: أدبه فى نفسه، وذلك فى أمور: منها أن يقصد بتعليمه وجه الله تعالى، ولا يقصد توصلا إلى غرض دنيوى: كتحصيل مال، أو جاه، أو شهرة، أو سمعة، أو تميز عن الأنداد، أو تكثر بالمشتغلين عليه، أو المختلفين إليه، أو نحو ذلك، ولا يشين علمه وتعليمه بشيء من الطمع فى رفق يحصل له من مشتغل عليه من خدمة، أو مال، أو نحوهما، وإن قل، ولو كان على صورة الهدية التى لولا اشتغاله عليه لما أهداها إليه. وقد صح عن الشافعى- رحمه الله تعالى- أنه قال: وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم على ألا ينسب إلى حرف منه وقال- رحمه الله تعالى-: ما ناظرت أحدا قط على الغلبة، وددت إذا ناظرت أحدا أن يظهر الحق على يديه وقال: ما كلمت أحدا قط إلا وددت أن يوفق، ويسدد، ويعان، ويكون عليه رعاية من الله وحفظ. وعن أبى يوسف- رحمه الله تعالى- قال: يا قوم أريدوا بعلمكم الله فإنى لم أجلس مجلسا قط أنوى فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم، ولم أجلس مجلسا قط أنوى فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى أفتضح. ومنها: أن يتخلق بالمحاسن التى ورد الشرع بها، وحث عليها، والخلال الحميدة، والشيم المرضية التى أرشد إليها من التزهد فى الدنيا، والتقلل منها، وعدم المبالاة بفواتها، والسخاء، والجود، ومكارم الأخلاق، وطلاقة الوجه من غير خروج إلى حد الخلاعة، والحلم، والصبر، والتنزه عن دنىء الاكتساب، وملازمة الورع، والخشوع، والسكينة، والوقار، والتواضع، والخضوع، واجتناب الضحك والإكثار من المزاح، وملازمة الآداب الشرعية الظاهرة والخفية: كالتنظيف بإزالة الأوساخ، وتنظيف الإبط، وإزالة الروائح الكريهة، واجتناب الروائح المكروهة، وتسريح اللحية. ومنها: الحذر من الحسد، والرياء، والإعجاب، واحتقار الناس وإن كانوا دونه بدرجات، وهذه أدواء وأمراض يبتلى بها كثيرون من أصحاب الأنفس الخسيسات، وطريقه فى نفى الحسد أن يعلم أن حكمة الله- تعالى- اقتضت جعل هذا الفضل فى هذا الإنسان؛ فلا يعترض، ولا يكره ما اقتضته
[ ١ / ٤٦ ]
_________________
(١) الحكمة بذم الله [إياه] احترازا من المعاصى. وطريقه فى نفى الرياء: أن يعلم أن الخلق لا ينفعونه ولا يضرونه حقيقة؛ فلا يتشاغل بمراعاتهم فيتعب نفسه، ويضر دينه، ويحبط عمله، ويرتكب ما يجلب سخط الله، ويفوت رضاه. وطريقه فى نفى الإعجاب: أن يعلم أن العلم فضل من الله- تعالى- ومنة عارية فإن لله- تعالى- ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شىء عنده بأجل مسمى، فينبغى ألا يعجب بشيء لم يخترعه، وليس مالكا له، ولا على يقين من دوامه. وطريقه فى نفى الاحتقار: التأدب بما أدبنا الله تعالى، قال الله تعالى فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى [النجم: ٣٢]. وقال تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات: ١٣]، فربما كان هذا الذى يراه دونه أتقى لله- تعالى- وأطهر قلبا، وأخلص نية، وأزكى عملا، ثم إنه لا يعلم ماذا يختم له به، ففي الصحيح: «إنّ أحدكم يعمل بعمل أهل الجنّة » الحديث، نسأل الله العافية من كل داء. ومنها: استعماله أحاديث التسبيح، والتهليل، ونحوهما من الأذكار والدعوات وسائر الآداب الشرعيات. ومنها: دوام مراقبته لله تعالى فى علانيته وسره، محافظا على قراءة القرآن، ونوافل الصلوات، والصوم، وغيرها؛ معولا على الله- تعالى- فى كل أمره معتمدا عليه، مفوضا فى كل الأحوال أمره إليه. ومنها- وهو من أهمها-: ألا يذل العلم، ولا يذهب به إلى مكان ينتسب إلى من يتعلمه منه، وإن كان المتعلم كبير القدر، بل يصون العلم عن ذلك كما صانه السلف، وأخبارهم فى هذا كثيرة مشهورة مع الخلفاء وغيرهم. فإن دعت إليه ضرورة أو اقتضت مصلحة راجحة على مفسدة ابتذاله- رجونا أنه لا بأس به ما دامت الحالة هذه، وعلى هذا يحمل ما جاء عن بعض السلف فى هذا. ومنها: أنه إذا فعل فعلا صحيحا جائزا فى نفس الأمر، ولكن ظاهره أنه حرام أو مكروه، أو مخل بالمروءة، ونحو ذلك، فينبغى له أن يخبر أصحابه، ومن يراه يفعل ذلك بحقيقة ذلك الفعل؛ لينتفعوا؛ ولئلا يأثموا بظنهم الباطل؛ ولئلا ينفروا عنه، ويمتنع الانتفاع بعلمه، ومن هذا الحديث الصحيح: «إنها صفية». ومن آدابه فى درسه واشتغاله أنه ينبغى ألا يزال مجتهدا فى الاشتغال بالعلم قراءة وإقراء، ومطالعة وتعليقا، ومباحثة ومذاكرة وتصنيفا، ولا يستنكف من التعلم ممن هو دونه فى سن أو نسب أو شهرة أو دين، أو فى علم آخر، بل يحرص على الفائدة ممن كانت عنده، وإن كان دونه فى جميع هذا، ولا يستحى من السؤال عما لم يعلم. فقد روينا عن عمر وابنهرضي الله عنهما- قالا: من رق وجهه رق علمه. وعن مجاهد لا يتعلم العلم مستح ولا مستكبر. وفى الصحيح عن عائشةرضي الله عنها- قالت: نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن فى الدين. وقال سعيد بن جبير: لا يزال الرجل عالما ما تعلم، فإذا ترك العلم وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده فهو أجهل ما يكون. وينبغى ألا يمنعه ارتفاع منصبه وشهرته من استفادة ما لا يعرفه، فقد كان كثيرون من السلف يستفيدون من تلامذتهم ما ليس عندهم، وقد ثبت فى الصحيح رواية جماعة من الصحابة عن التابعين، وروى جماعات من التابعين عن تابعى التابعين، وهذا عمرو بن شعيب ليس تابعيا، وروى عنه أكثر من سبعين من التابعين. وثبت فى الصحيحين أنّ رسول الله ﷺ: قرأ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا [البينة: ١]، على أبى بن كعبرضي الله عنه- وقال: «أمرنى الله أن أقرأ عليك». فاستنبط العلماء من هذا فوائد، منها: بيان التواضع، وأن الفاضل لا يمتنع من القراءة
[ ١ / ٤٧ ]
_________________
(١) على المفضول، وينبغى أن تكون ملازمة الاشتغال بالعلم هى مطلوبه ورأس ماله فلا يشتغل بغيره، فإن اضطر إلى غيره فى وقت، فعل ذلك الغير بعد تحصيل وظيفته من العلم. وينبغى أن يعتنى بالتصنيف إذا تأهل له، فبه يطلع على حقائق العلم ودقائقه، ويثبت معه؛ لأنه يضطره إلى كثرة التفتيش والمطالعة، والتحقيق والمراجعة، والاطلاع على مختلف كلام الأئمة، ومتفقه وواضحه من مشكله، وصحيحه من ضعيفه، وجزله من ركيكه، وما لا اعتراض عليه من غيره، وبه يتصف المحقق بصفة المجتهد. وليحذر كل الحذر أن يشرع فى تصنيف ما لم يتأهل له، فإن ذلك يضره فى دينه وعلمه وعرضه، وليحذر أيضا من إخراج تصنيفه من يده إلا بعد تهذيبه، وترداد نظره فيه وتكريره، وليحرص على إيضاح العبارة وإيجازها، فلا يوضح إيضاحا ينتهى إلى الركاكة، ولا يوجز إيجازا يفضى إلى المحق والاستغلاق، وينبغى أن يكون اعتناؤه من التصنيف بما لم يسبق إليه أكثر. والمراد بهذا ألا يكون هناك مصنف يغنى عن مصنفه فى جميع أساليبه، فإن أغنى عن بعضها فليصنف من جنسه ما يزيد زيادات يحتفل بها، مع ضم ما فاته من الأساليب. وليكن تصنيفه فيما يعم الانتفاع به، ويكثر الاحتياج إليه، وليعتن بعلم المذهب، فإنه من أعظم الأنواع نفعا، وبه يتسلط المتمكن على المعظم من باقى العلوم. ومن آدابه وآداب تعليمه: اعلم أن التعليم هو الأصل الذى به قوام الدين، وبه يؤمن امّحاق العلم، فهو من أهم أمور الدين، وأعظم العبادات، وآكد فروض الكفايات. قال الله- تعالى-: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران: ١٨٧]، وقال- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا الآية [البقرة: ١٥٩]. وفى الصحيح من طرق: أن النبى ﷺ قال: «ليبلّغ الشّاهد منكم الغائب»، والأحاديث بمعناه كثيرة، والإجماع منعقد عليه. ويجب على المعلم أن يقصد بتعليمه وجه الله تعالى لما سبق، وألا يجعله وسيلة إلى غرض دنيوى، فيستحضر المعلم فى ذهنه كون التعليم آكد العبادات؛ لكون ذلك حاثا له على تصحيح النية، ومحرضا له على صيانته من مكدراته ومن مكروهاته؛ مخافة فوات هذا الفضل العظيم، والخير الجسيم. قالوا: وينبغى ألا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية، فإنه يرجى له حسن النية، وربما عسر فى كثير من المبتدئين بالاشتغال تصحيح النية لضعف نفوسهم، وقلة أنسهم بموجبات تصحيحها، فالامتناع من تعليمهم يؤدى إلى تفويت كثير من العلم مع أنه يرجى ببركة العلم تصحيحها إذا أنس بالعلم. وقد قالوا: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله، معناه: كانت عاقبته أن صار لله، وينبغى أن يؤدب المتعلم على التدريج بالآداب السنية، والشيم المرضية، ورياضة نفسه بالآداب والدقائق الخفية، ويعوده الصيانة فى جميع أموره الكامنة والجلية. فأول ذلك: أن يحرضه بأقواله وأحواله المتكررات على الإخلاص والصدق وحسن النيات، ومراقبة الله- تعالى- فى جميع اللحظات، وأن يكون دائما على ذلك حتى الممات، ويعرفه أن بذلك تنفتح عليه أبواب المعارف، وينشرح صدره وتنفجر من قلبه ينابيع الحكم واللطائف، ويبارك له فى حاله وعلمه، ويوفق للإصابة فى قوله وفعله وحكمه، ويزهده فى الدنيا، ويصرفه عن التعلق بها، والركون إليها، والاغترار بها، ويذكره أنها فانية، والآخرة آتية باقية، والتأهب للباقى، والإعراض عن الفانى هو طريق الحازمين، ودأب عباد الله الصالحين.
[ ١ / ٤٨ ]
_________________
(١) وينبغى أن يرغبه فى العلم ويذكره بفضائله وفضائل العلماء، وأنهم ورثة الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ولا رتبة فى الوجوه أعلى من هذه. وينبغى أن يحنو عليه ويعتنى بمصالحه كاعتنائه بمصالح نفسه وولده، ويجريه مجرى ولده فى الشفقة عليه، والاهتمام بمصالحه، والصبر على جفائه وسوء أدبه، ويعذره فى سوء أدب، وجفوة تعرض منه فى بعض الأحيان، فإن الإنسان معرض للنقائص. وينبغى أن يحب له ما يحب لنفسه من الخير، ويكره له ما يكرهه لنفسه من الشر؛ ففي الصحيحين: «لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه». وعن ابن عباسرضي الله عنهما- قال: أكرم الناس على، جليسى الذى يتخطى الناس، حتى يجلس إلى، لو استطعت ألا يقع الذباب على وجهه لفعلت وفى رواية: إن الذباب يقع عليه فيؤذينى. وينبغى أن يكون سمحا يبذل ما حصله من العلم سهلا بإلقائه إلى مبتغيه، متلطفا فى إفادته طالبيه، مع رفق ونصيحة وإرشاد إلى المهمات، وتحريض على حفظ ما يبذله لهم من الفوائد النفيسات، ولا يدخر عنهم من أنواع العلم شيئا يحتاجون إليه إذا كان الطالب أهلا لذلك، ولا يلقى إليه شيئا لم يتأهل له؛ لئلا يفسد عليه حاله، فلو سأله المتعلم عن ذلك لم يجبه، ويعرفه أن ذلك يضره ولا ينفعه، وأنه لم يمنعه ذلك شحا، بل شفقة ولطفا. وينبغى ألا يتعظم على المتعلمين، بل يلين لهم ويتواضع، فقد أمر بالتواضع لآحاد الناس، قال الله- تعالى-: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر: ٨٨]، وعن عياض بن حماررضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ «إنّ الله أوحى إلى أن تواضعوا». رواه مسلم، وعن أبى هريرةرضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلّا عزّا، وما تواضع أحد لله إلّا رفعه الله». رواه مسلم. فهذا فى التواضع لمطلق الناس، فكيف بهؤلاء الذين هم كأولاده مع ما هم عليه من الملازمة لطلب العلم، ومع ما لهم عليه من حق الصحبة، وترددهم إليه، واعتمادهم عليه؟ وفى الحديث عن النبى ﷺ «لينوا لمن تعلمون ولمن تتعلّمون منه». وعن الفضيل ابن عياض﵀-: إن الله﷿- يحب العالم المتواضع، ويبغض العالم الجبار، ومن تواضع لله- تعالى- ورثه الحكمة. وينبغى أن يكون حريصا على تعليمهم، مهتما به مؤثرا له على حوائج نفسه ومصالحه ما لم تكن ضرورة، ويرحب بهم عند إقبالهم إليه، لحديث أبى سعيد السابق، ويظهر لهم البشر وطلاقة الوجه، ويحسن إليهم بعلمه وماله وجاهه بحسب التيسير، ولا يخاطب الفاضل منهم باسمه بل بكنيته ونحوها؛ ففي الحديث عن عائشةرضي الله عنها-: «كان رسول الله ﷺ يكنّى أصحابه إكراما لهم وتسنية لأمورهم». وينبغى أن يتفقدهم، ويسأل عمن غاب منهم. وينبغى أن يكون باذلا وسعه فى تفهيمهم، وتقريب الفائدة إلى أذهانهم، حريصا على هدايتهم، ويفهم كل واحد بحسب فهمه وحفظه فلا يعطيه ما لا يحتمله، ولا يقصر به عما يحتمله بلا مشقة، ويخاطب كل واحد على قدر درجته، وبحسب فهمه وهمته، فيكتفى بالإشارة لمن يفهمها فهما محققا، ويوضح العبارة لغيره، ويكررها لمن لا يحفظها إلا بتكرار، ويذكر الأحكام موضحة بالأمثلة من غير دليل لمن لا يحفظ له الدليل، فإن جهل دليل بعضها ذكره له، ويذكر الدلائل لمحتملها، ويذكر: هذا ما يبنى، على هذه المسألة وما يشبهها، وحكمه حكمها وما يقاربها، وهو مخالف لها، ويذكر الفرق بينهما، ويذكر ما يرد عليها وجوابه إن أمكنه. ويبين الدليل الضعيف؛ لئلا يغتر به فيقول: استدلوا بكذا، وهو ضعيف لكذا، ويبين الدليل المعتمد ليعتمد،
[ ١ / ٤٩ ]
_________________
(١) ويبين له ما يتعلق بها من الأصول والأمثال والأشعار واللغات، وينبههم على غلط من غلط فيها من المصنفين، فيقول مثلا: هذا هو الصواب، وأما ما ذكره فلان فغلط أو فضعيف، قاصدا النصيحة؛ لئلا يغتر به، لا لتنقص للمصنف ويبين له جملا من أسماء المشهورين من الصحابة- رضى الله عن جميعهم- فمن بعدهم من العلماء الأخيار، وأنسابهم وكناهم، وأعصارهم، وطرف حكاياتهم ونوادرهم، وضبط المشكل من أنسابهم وصفاتهم، وتمييز المشتبه من ذلك، وجملا من الألفاظ اللغوية والعرفية المتكررة، ضابطا لمشكلها وخفى معانيها، فيقول: هى مفتوحة، أو مضمومة، أو مكسورة، مخففة أو مشددة مهموزة أو لا، عربية، أو عجمية، أو معربة، وهى التى أصلها عجمى وتكلمت بها العرب، مصروفة أو غيرها، مشتقة أم لا، مشتركة أم لا، مترادفة أم لا، وأن المهموز والمشدد يخففان أم لا، وأن فيها لغة أخرى أم لا. ويبين ما ينضبط من قواعد التصريف، كقولنا: ما كان على فعل بفتح الفاء وكسر العين فمضارعه: يفعل- بفتح العين- إلا أحرفا جاء فيهن الفتح والكسر من الصحيح والمعتل، فالصحيح دون عشرة أحرف، كنعم وبئس وحسب، والمعتل: ك «وتر ووبق وورم وورى الزند»، وغيرهن. وأن ما كان من الأسماء والأفعال على فعل- بكسر العين- جاز فيه أيضا إسكانها مع فتح الفاء وكسرها، فإن كان الثانى أو الثالث حرف حلق جاز فيه وجه رابع فعل بكسر الفاء والعين. وإذا وقعت مسألة غريبة لطيفة، أو مما يسأل عنها فى المعاياة، نبهه عليها، وعرفه حالها فى كل ذلك، ويكون تعليمه إياهم كل ذلك تدريجا شيئا فشيئا، لتجتمع لهم مع طول الزمان جمل كثيرات. وينبغى أن يحرضهم على الاشتغال فى كل وقت، ويطالبهم فى أوقات بإعادة محفوظاتهم، ويسألهم عما ذكره لهم من المهمات، فمن وجده حافظا مراعيا له أكرمه وأثنى عليه، وأشاع ذلك، ما لم يخف فساد حاله بإعجاب ونحوه، ومن وجده مقصرا عنفه إلا أن يخاف تنفيره، ويعيده له حتى يحفظه حفظا راسخا، وينصفهم فى البحث فيعترف بفائدة يقولها بعضهم وإن كان صغيرا، ولا يحسد أحدا منهم لكثرة تحصيله، فالحسد حرام للأجانب، وهنا أشد، فإنه بمنزلة الوالد، وفضيلته يعود إلى معلمه منها نصيب وافر، فإنه مربيه، وله فى تعليمه وتخريجه فى الآخرة الثواب الجزيل، وفى الدنيا الدعاء المستمر والثناء الجميل. وينبغى أن يقدم فى تعليمهم إذا ازدحموا الأسبق فالأسبق؛ لا يقدمه فى أكثر من درس إلا برضا الباقين، وإذا ذكر لهم درسا تحرى تفهيمهم بأيسر الطرق، ويذكره مترسلا مبينا واضحا، ويكرر ما يشكل من معانيه وألفاظه، إلا إذا وثق بأن جميع الحاضرين يفهمون بدون ذلك، وإذا لم يصل البيان إلا بالتصريح بعبارة يستحى فى العادة من ذكرها فليذكرها بصريح اسمها، ولا يمنعه الحياء ومراعاة الآداب من ذلك، فإن إيضاحها أهم من ذلك. وإنما تستحب الكناية فى مثل هذا إذا علم بها المقصود علما جليا، وعلى هذا التفصيل يحمل ما ورد فى الأحاديث من التصريح فى وقت، والكناية فى وقت، ويؤخر ما ينبغى تأخيره، ويقدم ما ينبغى تقديمه، ويقف فى موضع الوقف، ويصل فى موضع الوصل. وإذا وصل موضع الدرس صلى ركعتين، فإن كان مسجدا تأكد الحث على الصلاة، ويقعد مستقبلا القبلة على طهارة، متربعا إن شاء، وإن شاء محتبيا، وغير ذلك، ويجلس بوقار، وثيابه نظيفة بيض، ولا يعتنى بفاخر الثياب، ولا يقتصر على خلق ينسب صاحبه إلى قلة المروءة، ويحسن خلقه مع جلسائه، ويوقر فاضلهم بعلم أو سن أو شرف أو صلاح ونحو ذلك، ويتلطف
[ ١ / ٥٠ ]
_________________
(١) بالباقين، ويرفع مجلس الفضلاء، ويكرمهم بالقيام لهم على سبيل الاحترام، وقد ينكر القيام من لا تحقيق عنده، وقد جمعت جزءا فيه الترخيص فيه ودلائله، والجواب عما يوهم كراهته. وينبغى أن يصون يديه عن العبث، وعينيه عن تفريق النظر بلا حاجة، ويلتفت إلى الحاضرين التفاتا قصدا بحسب الحاجة للخطاب، ويجلس فى موضع يبرز فيه وجهه لكلهم، ويقدم على الدرس تلاوة ما تيسر من القرآن، ثم يبسمل، ويحمد الله تعالى، ويصلى ويسلم على النبى ﷺ وعلى آله ثم يدعو للعلماء الماضين ومشايخه، ووالديه، والحاضرين، وسائر المسلمين، ويقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، اللهم إنى أعوذ بك من أن أضلّ أو أضلّ أو أزلّ أو أزلّ أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل على ولا يذكر الدرس وبه ما يزعجه كمرض، أو جوع، أو مدافعة الحدث، أو شدة فرح وغم ولا يطول مجلسه تطويلا يملهم أو يمنعهم فهم بعض الدرس أو ضبطه؛ لأن المقصود إفادتهم وضبطهم، فإذا صاروا إلى هذه الحالة فاته المقصود. وليكن مجلسه واسعا ولا يرفع صوته زيادة على الحاجة، ولا يخفضه خفضا يمنع بعضهم كمال فهمه، ويصون مجلسه من اللغط، والحاضرين عن سوء الأدب فى المباحثة، وإذا ظهر من أحدهم شىء من مبادئ ذلك تلطف فى دفعه قبل انتشاره، ويذكرهم أن اجتماعنا ينبغى أن يكون لله تعالى، فلا يليق بنا المنافسة والمشاحنة، بل شأننا الرفق والصفاء، واستفادة بعضنا من بعض، واجتماع قلوبنا على ظهور الحق، وحصول الفائدة. وإذا سأل سائل عن أعجوبة فلا يسخرون منه، وإذا سئل عن شىء لا يعرفه، أو عرض فى الدرس ما لا يعرفه، فليقل: لا أعرفه أو لا أتحققه، ولا يستنكف عن ذلك، فمن علم العالم أن يقول فيما لا يعلم: لا أعلم، أو الله أعلم، فقد قال ابن مسعودرضي الله عنه-: يأيها الناس، من علم شيئا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، قال الله تعالى لنبيه ﷺ: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص: ٨٦]، رواه البخارى، وقال عمر بن الخطابرضي الله عنه-: نهينا عن التكلف. رواه البخارى وقالوا: ينبغى للعالم أن يورث أصحابه لا أدرى. معناه: يكثر منها، وليعلم أن معتقد المحققين أن قول العالم: لا أدرى لا يضع منزلته، بل هو دليل على عظم محله، وتقواه، وكمال معرفته؛ لأن المتمكن لا يضره عدم معرفته مسائل معدودة، بل يستدل بقوله: لا أدرى على تقواه، وأنه لا يجازف فى فتواه، وإنما يمتنع من: لا أدرى من قل علمه، وقصرت معرفته، وضعفت تقواه؛ لأنه يخاف لقصوره أن يسقط من أعين الحاضرين، وهو جهالة منه، فإنه بإقدامه على الجواب فيما لا يعلمه يبوء بالإثم العظيم، ولا يرفعه ذلك عما عرف له من القصور، بل يستدل به على قصوره؛ لأنا إذا رأينا المحققين يقولون فى كثير من الأوقات: لا أدرى، وهذا القاصر لا يقولها أبدا علمنا أنهم يتورعون لعلمهم وتقواهم، وأنه يجازف لجهله، وقلة دينه، فوقع فيما فر منه، واتصف بما احترز منه، لفساد نيته وسوء طويته، وفى الصحيح عن رسول الله ﷺ: «المتشبّع بما لم يعط كلابس ثوبى زور». فصل: وينبغى للمعلم أن يطرح على أصحابه ما يراه من مستفاد المسائل، ويختبر بذلك أفهامهم ويظهر فضل الفاضل، ويثنى عليه بذلك، ترغيبا له وللباقين فى الاشتغال والفكر فى العلم، وليتدربوا بذلك ويعتادوه، ولا يعنف من غلط منهم فى كل ذلك إلا أن يرى تعنيفه مصلحة له، وإذا فرغ من تعليمهم أو إلقاء درس عليهم أمرهم بإعادته، ليرسخ حفظهم له، فإن أشكل عليهم منه شىء ما، عاودوا الشيخ فى إيضاحه. فصل: ومن أهم ما يؤمر به ألا يتأذى ممن يقرأ عليه إذا قرأ على غيره، وهذه مصيبة يبتلى بها
[ ١ / ٥١ ]
_________________
(١) جهلة المعلمين لغباوتهم، وفساد نيتهم، وهو من الدلائل الصريحة على عدم إرادتهم بالتعليم وجه الله تعالى الكريم، وقد قدمنا عن علىرضي الله عنه- الإغلاظ فى ذلك، والتأكيد فى التحذير منه. وهذا إذا كان المعلم الآخر أهلا، فإن كان فاسقا أو مبتدعا أو كثير الغلط ونحو ذلك، فليحذر من الاغترار به. وبالله التوفيق. ينظر: المجموع (١/ ٥٤).
[ ١ / ٥٢ ]