ش: (بعد): ظرف مكان مبهم، وتعيّنه الإضافة، فإذا حذف مضافه منويّا (٧) بنى وضمّ توفية للمقتضى (٨)، والعامل فيه «أمّا» مقدرة (٩)؛ لنيابتها عن الفعل، والأصل: مهما يكن من شىء [ف] بعد الحمد والثناء، و«مهما» هنا مبتدأ، والاسمية لازمة للمبتدإ، و«يكن»: شرط، والفاء لازمة (١٠) له غالبا، فحين تضمنت «أما» معنى الابتداء والشرط لزمتها، ولصوق الاسم إقامة اللازم مقام الملزوم وإبقاء لأثره فى الجملة، و(الإنسان): مبتدأ، و(ليس) ومعمولاها: خبره، و(إلا بما يحفظه ويعرف) (١١): استثناء مفرغ.
وابتداء الناظمرضي الله عنه- المقصود ب «أما [بعد]» (١٢)، تيمّنا واقتداء بالنبى ﷺ؛ لأنه (١٣) كان يبتدئ بها خطبه (١٤)، وقد عقد البخارى لذلك بابا فى صحيحه (١٥)، وذكر فيه جملة أحاديث، قيل: وأول (١٦) من تكلم بها داود ﵇.
وقيل: يعرب بن قحطان.
وقيل: قسّ بن ساعدة.
_________________
(١) زيادة من ص، د.
(٢) فى ص: اتبع.
(٣) فى ص: والأصحاب.
(٤) فى ز: كقوله.
(٥) فى ص: وتصدق.
(٦) فى ص: قوله.
(٧) فى د: ونوى معناه.
(٨) فى د، ز: توفيرا لمقتضاه.
(٩) فى م: المقدرة.
(١٠) فى د، ز، ص: لازم.
(١١) فى د، ز: ويعرفه.
(١٢) سقط فى ص.
(١٣) فى ص: لأنها.
(١٤) فى د، ز: خطبته.
(١٥) انظر صحيح البخارى (٣/ ٦٥) كتاب الجمعة باب من قال فى الخطبة بعد الثناء أما بعد رواه عكرمة عن ابن عباس عن النبى ﷺ.
(١٦) فى م: أول.
[ ١ / ٩٣ ]
وقال بعض المفسرين: إنه فصل الخطاب الذى أوتيه داود.
والمحققون على أنه فصل (١) بين الحق والباطل، أى: أما بعد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ فهذه جملة فى فضل قارئ القرآن.
ثم مهد قبل ذلك قاعدة، وهى أن كل إنسان لا يفضل ويشرف إلا بما يحفظ ويعرف، ولا يكبر ولا ينجب إلا بمن (٢) يقارن (٣) ويصحب (٤)، ومن هذا قوله ﵊ (٥) «يحشر المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من (٦) يخالل» (٧)؛ ولذلك قال ﵊: «لو كنت متّخذا خليلا غير ربّى » الحديث (٨).
ومنه قول ابن حزم (٩):
عليك بأرباب الصّدور فمن غدا جليسا (١٠) لأرباب الصّدور تصدّرا
وإيّاك أن ترضى بصحبة (١١) ناقص فتنحطّ (١٢) قدرا من علاك وتحقرا
فرفع أبو من ثمّ خفض مزمّل يبيّن قولى مغريا (١٣) ومحذّرا
وفى الحديث: «الجليس الصّالح كصاحب المسك إن لم يصبك منه أصابك من ريحه،
_________________
(١) فى ص: قال والمحققون، وفى ز: أنه الفصل.
(٢) فى م: بما.
(٣) فى ص: يقارب.
(٤) فى ص: أو يصحب.
(٥) فى م: قول النبى ﷺ، وفى د: قوله ﷺ.
(٦) فى ص: إلى من.
(٧) أخرجه أحمد (٢/ ٣٠٣، ٣٣٤) وأبو داود (٢/ ٦٧٥) كتاب الأدب باب من يؤمر أن يجالس (٤٨٣٣) والترمذى (٤/ ١٨٧) كتاب الزهد (٢٣٧٨) وعبد بن حميد (١٤٣١) والخطيب فى تاريخه (٤/ ١١٥) عن أبى هريرة بلفظ: «الرجل على دين خليله » الحديث.
(٨) أخرجه البخارى (٧/ ٢١) كتاب فضائل الصحابة باب قول النبى ﷺ (٣٦٥٦) ومسلم (٤/ ١٨٥٤) كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أبى بكر (١/ ٢٣٨١) عن ابن مسعود بلفظ: «لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا » الحديث.
(٩) فى ص، د: بعض الفضلاء وهو ابن حزم. قلت: هو على بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهرى. أبو محمد. عالم الأندلس فى عصره. أصله من الفرس. أول من أسلم من أسلافه جدّ له كان يدعى يزيد مولى ليزيد بن أبى سفيان ﵁. كانت لابن حزم الوزارة وتدبير المملكة، فانصرف عنها إلى التأليف والعلم. كان فقيها حافظا يستنبط الأحكام من الكتاب والسنة على طريقة أهل الظاهر، بعيدا عن المصانعة حتى شبه لسانه بسيف الحجاج. طارده الملوك حتى توفى مبعدا عن بلده. كثير التآليف. مزقت بعض كتبه بسبب معاداة كثير من الفقهاء له. من تصانيفه: «المحلى» فى الفقه، و«الإحكام فى أصول الأحكام» فى أصول الفقه، و«طوق الحمامة» فى الأدب. توفى سنة ٤٥٦ هـ. ينظر: الأعلام للزركلى (٥/ ٥٩)، وابن حزم الأندلسى لسعيد الأفغانى، والمغرب فى حلى المغرب ص (٣٦٤).
(١٠) فى ز: مضافا.
(١١) فى ز: صحابة.
(١٢) فى ز: فينحط.
(١٣) فى م، ص: معربا.
[ ١ / ٩٤ ]
والجليس السّوء كصاحب الكير إن لم يصبك من سواده أصابك من دخانه» (١) أخرجه أبو داود.
وإذا كان الجليس له هذا التعدى وجب على كل عاقل فى وقتنا هذا أن يعتزل الناس ويتخذ الله جليسا والقرآن ذكرا؛ فقد ورد «أنا جليس من ذكرنى» (٢) «وأهل القرآن هم أهل الله وخاصّته» (٣).
وخاصة الملك: جلساؤه فى أغلب (٤) أحوالهم، فمن كان الحقّ جليسه فهو أنيسه؛ فلا بد أن ينال من مكارم خلقه [على] (٥) قدر زمان مجالسته، ومن جلس إلى (٦) قوم يذكرون الله فإن الله يدخله معهم فى رحمته؛ فإنهم القوم الذين لا يشقى [بهم] (٧) جليسهم، فكيف يشقى من كان الحق جليسه؟ وهذا على سبيل الاستطراد والله تعالى أعلم (٨).
ص: