تتجلى أهمية الترتيل من قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ ١ حيث أضافه الله تعالى إلى نفسه تبارك اسمه.
كما تتأكد أهميته من قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ حيث أمر الله تعالى نبيه -ﷺ- بالعمل به.
وهنا تزداد أهميته؛ حيث إن الله تعالى لم يقتصر على الأمر بالفعل؛ بل أكده بالمصدر "ترتيلا"؛ وذلك اهتمامًا به وتعظيمًا له؛ ليكون ذلك عونًا على تدبر القرآن وتفهمه.
_________________
(١) ١ الفرقان: ٣٢.
[ ١٨٧ ]
وقد وضح مفهوم هذه الآية في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ ١.
ومعنى كلمة "مكث": الترسل والتمهل في التلاوة والترتيل؛ بحيث يعطِي القارئُ القراءةَ حقَّها من ترتيلها وتبيين حروفها، ومستحقها من تحسين الحروف وتطييب التلاوة بالصوت الحسن ما أمكن.
ويشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ ٢.
فحق التلاوة: ترتيل الكلمات وتجويد الحروف وفهم المعاني والعمل بمقتضاها.
ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ ٣.
ففيه نهي عن العجلة والسرعة في القراءة؛ مخافة أن يؤديَ ذلك إلى اللحن في التلاوة، وعدم إعطاء الحروف حقوقها ومستحقاتها، فيكون فيه مخالفة الأمر بـ"الترتيل".
كما وضح ذلك بتوضيح أكثر في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ، فَإِذَا
_________________
(١) ١ الإسراء: ١٠٦. ٢ البقرة: ١٢١. ٣ طه: ١١٤.
[ ١٨٨ ]
قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ﴾ ١.
ففيه تنبيه على عدم العجلة في القراءة، وإشارة إلى كيفية تعلم القرآن من جبريل وتلقيه منه.
وهذا ما أكَّد عليه جمهور العلماء من أن القرآن لا يؤخذ إلا بالتلقي والمشافهة.
وقد حثَّ الرسول -ﷺ- على تلاوة القرآن بالكيفية المنزلة بقوله: "إن الله يحب أن يُقرأ القرآن غضًّا كما أُنزل" ٢.
وبقوله ﷺ: "من سره أن يقرأ القرآن غضًّا كما أنزل فليقرأه بقراءة ابن أم عبد" ٣.
ومعلوم -باليقين- أن تلاوة الرسول -ﷺ- كانت مرتلة، وهذا وإن كان لا يحتاج في إثباته إلى نص ما دام ثبت أمر الله تعالى لنبيه بـ"الترتيل"؛ حيث لا يتصور من رسول الله ألا يمتثل أمر الله، ومع ذلك فهناك آثار صحيحة تثبت ذلك؛ منها:
_________________
(١) ١ القيامة: ١٦-١٨. ٢ رواه ابن خزيمة في صحيحه من رواية زيد بن ثابت. انظر: كنز العمال للمتقي، رقم: ٣٠٦٩، وجمع الجوامع للسيوطي، رقم: ٥٢٢٥. ٣ رواه أحمد ١/ ٧، ٢٦، ٣٨، ٤٤٥، ٤٥٤، وابن ماجه في المقدمة ١/ ٤٩ برقم ١٣٨، وأخرجه الترمذي والنسائي من حديث أبي معاوية، وصححه الدارقطني، والطيالسي في مسنده، انظر: منحة المعبود ٢/ ٤، برقم: ١٨٩٣، وصحيح ابن خزيمة ٢/ ١٨٧، برقم: ١١٥٦.
[ ١٨٩ ]
١- ما رُوي عن أم سلمة -﵂- أنها نعتت قراءة الرسول -ﷺ- مفسرة حرفًا حرفًا١.
٢- وعنها -﵂- قالت: كان رسول الله -ﷺ- يقطِّع قراءته، يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم يقف، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم يقف ٢.
٣- وعن عائشة -﵂- قالت: "كان رسول الله -ﷺ- يقرأ السورة حتى تكون أطول من أطول منها"٣.
٤- وعن أنس -﵁- وقد سُئل عن قراءة الرسول -ﷺ- فقال: "كانت مدًّا، ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يمد بباسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم"٤.
_________________
(١) ١ رواه أبو داود ٢/ ٧٤، برقم: ١٤٦٦، والترمذي ٨/ ١٢٣، برقم: ٢٩٢٤، والنسائي ٢/ ١٨١، برقم: ١٠٢٢، وأحمد ٢/ ٢٩٤، ٣٠٠، والحاكم في المستدرك ١/ ٣١٠، وقال: صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي. ٢ أخرجه أحمد ٦/ ٣٠٢، والترمذي ٨/ ١٢٦، برقم: ٢٩٢٨، وأبو داود ٤/ ٣٧، برقم: ٤٠٠١، وصححه الدارقطني ١/ ١١٨. قال ابن الجزري: وهو حديث حسن، وسنده صحيح، النشر ١/ ٢٢٦. ٣ راجع: النشر ١/ ٢٠٨، والسنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٤٠، ٣١٢. ٤ رواه البخاري في فضائل القرآن، باب مد القراءة ٨/ ٧٠٩، برقم: ٥٠٤٦، وأبو داود ٢/ ٧٣، برقم: ١٤٦٥، والنسائي ٢/ ١٧٩، برقم: ١٠١٤، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٣٣.
[ ١٩٠ ]
٥- وعن حفصة -﵂- قالت: ما رأيت رسول اللهﷺ- يصلي في سبحته جالسًا، حتى إذا كان قبل موته بعام فكان يصلي في سبحته جالسًا، فيقرأ السورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها١.
فهذه الآثار وأمثالها تثبت ترتيل الرسول -ﷺ- لكتاب الله على الكيفية المتلقاة من جبريل -﵇- الذي تلقاها من الله ﵎.
ولذلك نرى عبد الله بن مسعود -﵁- يُسمي الإسراع بالتلاوة هذًّا كهذِّ الشعر ونثرًا كنثر الدقل٢.
ومن فضائل الترتيل أنه: "يقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارتقِ، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها" ٣.
_________________
(١) ١ مسلم ١/ ٥٠٧، برقم: ٧٣٣، صحيح ابن خزيمة، باب الترتيل في القراءة ٢/ ٢٣٨، برقم: ١٢٤٢. ٢ مسلم، باب ترتيل القراءة واجتناب الهذ ١/ ٥٦٣، برقم: ٨٢٢، وأبو داود، باب تحزيب القرآن ٢/ ٥٦، برقم: ١٣٩٦، والنسائي ٢/ ١٧٥، برقم: ١٠٠٥، والطيالسي في مسنده، انظر: منحة المعبود ١/ ٩٣، برقم: ٤٠٦. ٣ أبو داود ٢/ ٧٣، برقم: ١٤٦٤، والترمذي ٨/ ١١٦، برقم: ٢٩١٥، وابن ماجه ٢/ ١٢٤٢، برقم: ٣٧٨٠، وأحمد ٢/ ١٩٢، ٤٧١، ٣/ ٤٠.
[ ١٩١ ]