من المعلوم من الدين بالضرورة أن القرآن وحي رباني، أوحاه الله -﷿- إلى الرسول -ﷺ- بواسطة جبريل الأمين -﵇- قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ١.
ومهمة جبريل -﵇- تعليمه للرسول -ﷺ- وإنزاله عليه، ومهمة الرسول -ﷺ- تبليغه للناس بأمر من الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ٢، ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣.
وليس للرسول -ﷺ- أن يغير حرفًا مكان حرف، أو كلمة مكان كلمة أخرى، وهذا أمر مجمع عليه في الأمة الإسلامية٤.
أ- الأدلة من القرآن الكريم:
هناك العديد من الآيات القرآنية تدل دلالة واضحة على أن الرسول -ﷺ- ليس له تبديل الكلمات أو الحروف القرآنية.
قال تعالى:
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ
_________________
(١) ١ الشعراء: ١٩٢-١٩٥. ٢ المائدة: ٦٧. ٣ الحجر: ٩٤. ٤ انظر: "مراتب الإجماع" لابن حزم ص١٧٣.
[ ١٤٧ ]
يَوْمٍ عَظِيمٍ، قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ ٣.
وإذا كانت القراءات جزءًا من القرآن الكريم، فهي كذلك من عند الله ﷿، ومنزلة وحيًا منه ﵎.
وإذا كان الرسول -ﷺ- لا يستطيع أن يغير كلمة بكلمة أو حرفًا بحرف، فغيره من باب أولى.
ب- الأدلة من السنة:
أحاديث نزول القرآن الكريم على الأحرف السبعة تدل دلالة واضحة على أن القراءات منزلة من الله ﷿، وليس للرسول - ﷺ- فيها سوى التبليغ، وتدل تلك الأحاديث على أن الصحابة -﵃- تلقوها من الرسول -ﷺ- ثم تلقاها عنهم التابعون
_________________
(١) ١ يونس: ١٥، ١٦. ٢ الحاقة: ٤٤-٤٧. ٣ النجم: ٣-٥.
[ ١٤٨ ]
ومن بعدهم حتى وصلت إلينا متواترة جيلًا بعد جيل١.
وقد ذكر ابن الجزري في النشر أثر عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت -﵄- وفيه: "القراءة سُنة يأخذها الآخِر عن الأول، فاقرءوا كما علمتموه"٢.
وذكر ابن مجاهد أحاديث تحذر الابتداع في القراءة؛ منها:
١- عن ابن مسعود: ﵁- قال: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم"٣.
٢- وعن علي -﵁- قال: "إن رسول الله -ﷺ- يأمركم أن تقرءوا القرآن كما علمتم"٤.
ج- أقوال العلماء:
قال ابن الجزري: "وكل ما صح عن النبي -ﷺ- من ذلك فقد وجب قبوله وأن كله منزل من عند الله؛ إذ كل قراءة منها مع الأخرى بمنزلة الآية مع الآية، يجب الإيمان بها كلها "٥.
_________________
(١) ١ راجع أحاديث نزول القرآن الكريم على الأحرف السبعة في المبحث الرابع من الفصل الأول. ٢ النشر ١/ ١٧، وانظر: "السبعة" لابن مجاهد ص٤٩-٥٢، فقد خرج الأثر بطرق متعددة عن: عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وعروة بن الزبير، ومحمد بن المنكدر، وعمر بن عبد العزيز، وعامر الشعبي. ٣ السبعة ص٤٦. ٤ المرجع السابق. ٥ النشر ١/ ٥١.
[ ١٤٩ ]
وقال:
"وبهذا افترق اختلاف القراء من اختلاف الفقهاء، فإن اختلاف القراء كله حق وصواب نزل من عند الله، وهو كلام لا شك فيه، واختلاف الفقهاء اختلاف اجتهادي، والحق في نفس الأمر فيه واحد، فكل مذهب بالنسبة إلى الآخر صواب يحتمل الخطأ، وكل قراءة بالنسبة إلى الأخرى حق وصواب في نفس الأمر، ونقطع بذلك ونؤمن به "١.
وأقوال العلماء في اشتراط التواتر لقبول القراءات برهان قاطع على أن القراءات من الله ﷿.
يقول الإمام أبو عمرو الداني:
"وأئمة القراءة لا تعتمد في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية؛ بل على الأثبت في الأثر، والأصلح في النقل، والرواية إذا ثبتت عندهم لا يردها قياس عربية، ولا فُشُو لغة؛ لأن القرآن سُنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها"٢.
وعلى ضوء تلك الآيات والأحاديث والآثار وأقوال العلماء منع العلماء القراءة بالقياس المطلق؛ وهو الذي ليس له أصل في
_________________
(١) ١ المرجع السابق ١/ ٥٢. ٢ النشر لابن الجزري ١/ ١٠، ١١، نقلًا عن جامع البيان للداني.
[ ١٥٠ ]
القراءة يرجع إليه، ولا ركن وثيق في الأداء يعتمد عليه١.
ولهذا قال الإمام الشاطبي ﵀:
وما لقياس في القراءة مدخل فدونك ما فيه الرضا متكفلا٢
ومن ثَمَّ قال غير واحد من أئمة القراء: لولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قد قُرئ به لقرأت حرف كذا كذا، وحرف كذا كذا٣.
_________________
(١) ١ النشر ١/ ١٧. ٢ متن الشاطبية، البيت رقم: ٣٥٤. ٣ راجع "السبعة" لابن مجاهد ص٤٨، والنشر ١/ ١٧.
[ ١٥١ ]