نذكر هنا -أولًا- أقوال الناس في أسباب الاختلاف في القراءات، ومن ضمنها قول المستشرقين في ذلك، والرد عليه، ونذكر بعد ذلك السبب الأساسي في اختلاف القراءات.
ذكر بعض الناس أسبابًا متعددة في اختلاف القراءات؛ منها:
١- اختلاف قراءة النبي ﷺ:
فقد ورد أنه ﷺ لم يلتزم عند تعليمه القرآن للمسلمين لفظًا واحدًا، وتدل على ذلك أحاديث نزول القرآن الكريم على الأحرف السبعة؛ حيث صوَّب الرسول -ﷺ- قراءة كل من اختلف من الصحابة مع زميله، وقال كل واحد منهم أنه أخذها من الرسول ﷺ.
والقراءات المتواترة بكثرتها خير دليل على ذلك؛ حيث إنها رُويت بأسانيدها الصحيحة المتواترة إلى الرسول ﷺ.
٢- اختلاف تقرير النبي -ﷺ- لقراءة الصحابة:
[ ١٥٦ ]
حيث كان الرسول -ﷺ- مأمورًا بأن يقرئ كل قوم بلغتهم وما جرت عليه عادتهم، فالهذلي يقرأ: "عتى حين" بالعين بدل الحاء، والأسدي يقرأ: "تعلمون" و"تسود" بكسر التاء، والتميمي يهمز، والقرشي لا يهمز، فجعل الله لهم متسعًا في اللغات كتيسيره عليهم في الدين١.
٣- اختلاف النزول:
كان الرسول -ﷺ- يعرض القرآن على جبريل في كل رمضان، وتلقى الصحابة حروف كل عرض، فمنهم من قرأ على حرف، ومنهم من قرأ على حرف آخر، وقد اجتمعوا على عرضات أخيرة، فلم يقع الاختلاف إلا في أحرف قليلة، وألفاظ متقاربة، ولعل قصة اختلاف عمر وهشام -﵄- تدل على اختلاف النزول؛ حيث فيها: "كذلك أنزلت"؛ ولهذا اختلفت المصاحف العثمانية في أحرف قليلة، وقد فرقها الصحابة في المصاحف.
_________________
(١) ١ "القراءات القرآنية" للدكتور/ عبد الهادي الفضلي ص١٠٥، ١٠٦، نقلًا عن تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص٣٩، والظاهر أن إيراده لكلام ابن قتيبة لا يتناسب مع العنوان، فالعنوان يبين أن الرسول -ﷺ- لم يقرئهم؛ وإنما أقرَّ قراءاتهم اللغوية، وكلام ابن قتيبة صريح في أن الرسول -ﷺ- هو الذي أقرأ الكل على لغته ولهجته، وهذه هي الحقيقة، فالرسول -ﷺ- لم يعطِ أحدًا الحرية في أمر القراءة؛ بحيث يقرأ على لغته ولهجته كيفما شاء.
[ ١٥٧ ]
٤- اختلاف الرواية عن الصحابة:
ذلك أن الصحابة قد اختلف أخذهم للقرآن من فِيِّ الرسول -ﷺ- فمنهم من أخذ بحرف، ومنهم من أخذ بحرفين أو أكثر، كما أن قراء المصاحف العثمانية من الصحابة كانوا على علم بالقراءات المختلفة؛ ولذلك اختلف أخذ التابعين عنهم، وأخذ تابعي التابعين عن أساتذتهم من التابعين، وهلم جرًّا إلى أن وصل الأمر إلى الأئمة المشهورين الذين تخصصوا وانقطعوا للقراءات.
٥- اختلاف اللغات أو اللهجات:
ذهب إليه ابن قتيبة وأبو شامة، ويدل على قولهما ما رواه الضحاك عن ابن عباس ﵄: أن الله تعالى أنزل هذا القرآن بلغة كل حي من أحياء العرب١.
وتبناه بعض المعاصرين من تلامذة المستشرقين، والحق أن اختلاف اللغات أو اللهجات ليس هو في جميع القراءات؛ وإنما في بعضها٢.
يقول الدكتور/ عبد الهادي الفضلي:
وهذا النوع من الاختلاف داخل -فيما أرى-
_________________
(١) ١ عزاه الدكتور/ الفضلي إلى الأدب الجاهلي ص٩٥، انظر: "القراءات القرآنية" ص١٠٨. ٢ راجع ما ذكرناه في الرد على الشبهة الأولى.
[ ١٥٨ ]
ضمن تقرير النبي -ﷺ- وإمضائه لقراءات المسلمين والملاحظ أن هذه الأسباب المذكورة يُرجع أصحابها القراءات على اختلافها إلى قراءة النبي -ﷺ- أو تقريره، وإلى أنها كانت تيسيرًا للأمة ورحمة بها١.
٦- عدم النقط والشكل واجتهاد القراء في هيكل الكلمات القرآنية:
ذهب إليه المستشرق جولد تسيهر٢، وتأثر به بعض المعاصرين من المنتسبين إلى الإسلام.
ولقد تصدَّى للرد على هؤلاء كثيرون؛ منهم:
١- محمد طاهر الكردي في: تاريخ القرآن.
٢- عبد الوهاب حمودة في: القراءات واللهجات.
٣- عبد الفتاح القاضي في: القراءات في نظر المستشرقين والملحدين.
وخلاصة تلك الردود:
أ- إن وجود القراءات المختلفة كان قبل نقط المصاحف وشكلها؛ بل قبل نسخ المصاحف العثمانية
_________________
(١) ١ القراءات القرآنية ص١٠٩، بتصرف. ٢ راجع كلام جولد تسيهر والرد عليه في كتاب "رسم المصحف" للدكتور/ عبد الفتاح شلبي ص١٧ وما بعدها.
[ ١٥٩ ]
ووجودها؛ حيث كان الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على حفظ المصاحف والسطور، وتدل عليه أحاديث المخاصمة بين بعض الصحابة في بعض القراءات١.
ب- اعتماد القراءات على النقل والرواية؛ ولذلك لم تقبل القراءات الموضوعة والمستنبطة من الرسم وهيكل الكلمات القرآنية، وأكبر دليل على ذلك أن القراء كلهم اتفقوا على نقل بعض الكلمات رغم مخالفتها لصريح الرسم؛ منها: كلمة "إيلافهم" في سورة "قريش" حيث أجمعت المصاحف على إثبات الياء في الموضع الأول رسمًا، فأثبتها القراء العشرة -ما عدا ابن عامر- قراءة، وأجمعت المصاحف على حذفها في الموضع الثاني رسمًا؛ ولكن أثبتها القراء العشرة -ما عدا أبا جعفر- قراءة؛ لثبوتها نقلًا ورواية٢.
_________________
(١) ١ راجع المبحث الرابع من الفصل الأول. ٢ ﴿لِإِيلافِ﴾: قرأ ابن عامر بالهمزة بعد اللام بدون ياء على وزن: لعلاف، وقرأ أبو جعفر بياء ساكنة بلا همز "لِيلاف"، والباقون بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة: "لإيلاف". أما كلمة ﴿إِيلافِهِمْ﴾: فقد قرأها أبو جعفر بهمزة مكسورة بلا ياء على رسمها: "إِلافهم"، والباقون بالهمزة وياء ساكنة بعدها "إيلافهم". راجع توجيه كل قراءة في الكلمتين في كتاب "إتحاف فضلاء البشر" ٢/ ٦٣١.
[ ١٦٠ ]
يقول الشيخ محمد بن الحاج فيما نقل عنه الصفاقسي في غيث النفع:
"لا يلزم موافقة التلاوة للرسم؛ لأن الرسم سُنة متبعة، قد توافقه التلاوة وقد لاتوافقه، انظر كيف كتبوا "وجايء"١ بالألف قبل الياء، و"لأ اذبحنه"٢، و"ولأ اوضعوا"٣ بألف بعد "لا"، ومثل هذا كثير، والقراءة بخلاف ما رُسِمَ"٤.
ويقول أبو شامة:
"والقراءة نقل، فما وافق منها ظاهر الخط كان أقوى، وليس اتباع الخط بمجرده واجبًا ما لم يعضده نقل"٥.
ج- تناقض جولد تسيهر فيما ادعاه أولًا، وفيما انتهى إليه آخِرًا، فقد ختم حديثه عن القراءات بما هدم به من نتائج، وما تمسك به من نظريات، بنقله قول علي -﵁- أنه قال عندما سئل عن تحويل آية من القرآن إلى معنى قصده: "إن
_________________
(١) ١ الزمر: ٦٩، والفجر: ٢٣. ٢ النمل: ٢١. ٣ التوبة: ٤٧. ٤ ص: ٢١٨. ٥ إبراز المعاني ص٤٠٦.
[ ١٦١ ]
القرآن لا يهاج١ اليوم ولا يحول".
وبقوله: "لا اعتراف بصح قراءة، ولا تدخل قراءة في دائرة التعبير القرآني المعجز المتحدي لكل محاولات التقليد إلا إذا أمكن أن تستند إلى حجج من الرواية موثوق بها".
وبأقواله الأخرى التي تنص على أنه لا رأي للمسلمين في القراءة بعد النبي -ﷺ- ولا عمل إلا بما ثبت عنه -ﷺ- ولا قبول إلا لما قرأ به
فثبت بذلك كله أن الاختلاف في القراءات لم يكن بسبب الرسم أو عدم نقط المصاحف وشكلها؛ بل يرجع ذلك إلى النقل والرواية.
د- إن الاختلافات بين المصاحف العثمانية من حيث الرسم قليلة:
فالاختلاف بين مصحفي الكوفة والبصرة كان في خمسة أحرف.
وبين مصحفي المدينة والعراق في "١٢" حرفًا.
_________________
(١) ١ هاج الشيء: ثار، من الهيجاء بمعنى: الحرب، واقرأ قول علي -﵁- في تفسير القرطبي ١٧/ ٢٠٨: "وفي القراءات الشاذة لابن خالويه: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ قرأها علي بن أبي طالب بالعين على المنبر، فقيل له: أفلا نغيره في المصحف؟ قال: ما ينبغي للقرآن أن يهاج" أي: لا يغير. انظر هامش كتاب "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص٣٧، بتحقيق السيد أحمد صقر.
[ ١٦٢ ]
وبين مصحفي الشام والعراق في نحو أربعين حرفًا.
أما القراءات فكثيرة لا حصر لها١.
هـ- اختلاف مرسوم المصاحف قام على أساس اختلاف القراءات المروية عن النبي -ﷺ- ومعنى هذا: أن القراءات واختلافها لم يتولد على أساس اختلاف مرسوم المصاحف٢.
الخلاصة:
إن أسباب اختلاف القراءات ترجع إلى سببين رئيسين -كما ذهب إليه الدكتور/ عبد الهادي الفضلي٣- وهما:
١- تعدد النزول:
ويدخل فيه قراءة النبي -ﷺ- وبعض تقريره، والكثير من المروي عن الصحابة.
٢- تعدد اللهجات:
ويدخل فيه القليل من فعل النبي -ﷺ- والكثير من تقريره.
_________________
(١) ١ راجع: كتاب"نكت الانتصار" للباقلاني، باب ذكر الحروف التي اختلف فيها أهل الشام وأهل المدينة وأهل العراق ص٣٨٩-٣٩٥، وكتاب "في رحاب القرآن الكريم" للدكتور/ محمد سالم محيصن ١/ ٤٠٧-٤١٧. ٢ من كتاب "القراءات القرآنية" ص١٠٤-١٠٦، باختصار وتصرف. ٣ القراءات القرآنية ص١١٦.
[ ١٦٣ ]
والذي أراه هنا ويظهر لي -والله أعلم- أن سبب اختلاف القراءات واحد لا يتعدد، وهو الذي عُنون بـ"نزول القرآن على الأحرف السبعة"؛ ولكن هذا السبب يتوقف في وجوده على سبب آخر؛ وهو وجود اللغات واللهجات المختلفة، فيندرج في ذلك كل الخلافات القرآنية، سواء كانت لسبب قراءة النبي -صلى الله عليه سلم- أو تقريره أو بسبب تعدد النزول، أما اختلاف الرواية عن الصحابة فهو يتوقف على تلقيهم من الرسول -ﷺ- أو قراءتهم عليه.
ثم قبل ما رُوي بالتواتر، أو الاستفاضة، وحُكم على ما دون ذلك بالشذوذ.
وليس معنى تقرير النبي -ﷺ- لقراءة الصحابة أنه -ﷺ- كان يقرر قراءة كل صحابي يقرأها حسب لغته ولهجته باجتهاد منه دون التلقي؛ وذلك لأن القرآن كله -بأحرفه المختلفة- وحي منزَّل من الله -﷿- لا قياس فيه ولا اجتهاد.
[ ١٦٤ ]