المراحل التي مرت بها القراءات:
وهنا نوجز بعض تلك المراحل:
١- نشأت القراءة بتعليم جبريل للرسول -ﷺ- قال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ ١.
وفي حديث عائشة -﵂- في بداية نزول الوحي: فقال: اقرأ، فقلت: "ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد " الحديث٢.
هكذا علَّمه جبريل القرآن الكريم بأحرفه المختلفة وقراءاته المتعددة.
٢- ثم أمره الله تعالى بتعليمه وإقرائه للمسلمين: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾ ٣، ﴿وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ ٤. فكان الرسول -ﷺ- يقرئ صحابته بما أقرأه جبريل ﵇.
وقد ورد عن عثمان وابن مسعود وأبيّ -﵃-
_________________
(١) ١ النجم: ٥. ٢ صحيح البخاري: باب كيف كان بدء الوحي إلى النبي ﷺ ١/ ٣، برقم: ٣. ٣ المائدة: ٦٧. ٤ الإسراء: ١٠٦.
[ ٣٢ ]
أن رسول اللهﷺ- كان يقرئهم العشر الآيات، فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، فيعلمهم القرآن والعلم والعمل جميعًا١، فربما أقرأ صحابيًّا آخر بحرف آخر، فكان كل واحد منهم يقرأ كما تعلم من الرسول صلى الله عليه وسلم٢.
٣- أمر النبي -ﷺالصحابة أن يقرئ بعضهم البعض، ومن الأمثلة لذلك قصة إسلام عمر﵁- فكان الخباب بن الأرت يتردد على فاطمة بنت الخطاب وزوجها يعلمهما القرآن.
بل كان الرسول -ﷺ- يرسل بعثات تعليمية إلى خارج مكة؛ فقد ورد في البخاري أن مصعب بن عمير وابن أم مكتوم هما أول من نزل بالمدينة فجعلا يقرآن الناس القرآن الكريم، ثم جاء عمار وبلال.
ولما فتحت مكة ترك الرسول -ﷺ- معاذ بن جبل فيها للتعليم.
وكان الرجل إذا هاجر إلى المدينة دفعه النبي -صلى
_________________
(١) ١ انظر: الوجيز في فضائل الكتاب العزيز للقرطبي ص١٣٧، تحقيق د/ علاء الدين رضا. ٢ راجع: الإبانة لمكي بن أبي طالب ص:٣٥-٣٨، بتحقيق: د/ محيي الدين رمضان.
[ ٣٣ ]
الله عليه وسلم- إلى رجل من الحفظة ليعلمه القرآن١.
وهكذا تكونت جماعة من الصحابة، عرفت بـ"القراء"، والتسمية بهذا اللقب تعطينا صورة جلية عن مدى انتشار القراءة في هذه المرحلة، وقد قتل في غزوة بئر معونة سبعون رجلًا من شبان الأنصار يسمون بالقراء، وكانت غزوة بئر معونة على رأس ٣٦ أو ٣٨ شهرًا من الهجرة٢.
لقد تصدَّى كثير من الصحابة لحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب في حياة الرسول -ﷺ- ومن أشهرهم:
الخلفاء الأربعة، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وأبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري وغيرهم ﵃.
وهؤلاء هم الذين دارت أسانيد قراءات الأئمة العشرة عليهم٣.
وكانت قراءة الصحابة تختلف: فمنهم من أخذ بحرف، ومنهم من أخذ بحرفين أو أكثر، ومن هنا بدأت وجوه القراءة المختلفة تأخذ طريقها في الرواية ومسارها في النقل، وكان
_________________
(١) ١ راجع: تاريخ القرآن للزنجاني ص٨٥-٨٧. ٢ انظر: شذارت الذهب ١/ ١١، والبخاري، المغازي، رقم: ٣٨٦٠-٣٨٦٥. ٢ راجع: الوجيز في فضائل الكتاب العزيز للقرطبي ص١٧٧ وما بعدها، والإتقان للسيوطي ١/ ٢٢٢-٢٢٨.
[ ٣٤ ]
شيوع ظاهرة اختلاف القراءات منذ عهد الرسول -ﷺ- بعد الهجرة، كمايدل على ذلك اختلاف عمر وهشام بن حكيم، واختلاف أبي بن كعب مع بعض الصحابة، وكذلك ابن مسعود مع غيره من الصحابة.
٤- انتشر الصحابة في الأمصار، وتفرقوا فيها، وبدءوا يُقْرِئون الناس القرآن حسبما تلقوه من الرسول -ﷺ- ومن ثَمَّ اختلف النقل في التابعين وفي تلاميذهم، فكثرت القراءات وظهر الشذوذ فيها، وكثر النزاع بين المسلمين فيها، حتى بلغ ذلك عثمان -﵁- فأمر بجمع المصاحف وكتابتها برسم يحتمل أكثر وأغلب الأوجه الصحيحة المتواترة، وأرسلها إلى المدن المشهورة مع إرسال مقرئ مع كل مصحف توافق قراءته أهل ذلك المصر في الأغلب والأكثر، وحمل الناس على تلك المصاحف وأمر بإلغاء بقية الأوجه التي لا يحتملها رسم مصحف ذلك القطر.
وقد أقبل الناس على تلك المصاحف وتلقوها من مقرئيها، فكان في كل مصر قراء من التابعين، ومن أشهرهم:
في المدينة:
معاذ بن الحارث القارئ، سعيد بن المسيب، عروة بن الزبير، عمر بن عبد العزيز، عطاء بن يسار، عبد الرحمن الأعرج، ابن شهاب الزهري، زيد بن أسلم، وغيرهم.
[ ٣٥ ]
وفي مكة:
مجاهد بن جبر، طاوس بن كيسان، عطاء بن أبي رباح، عكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم.
وفي الكوفة:
عمرو بن شرحبيل، علقمة بن قيس، مسروق بن الأجدع، أبو عبد الرحمن السلمي، الأسود النخعي، زر بن حبيش، إبراهيم النخعي، وغيرهم.
في البصرة:
الحسن البصري، محمد بن سيرين، قتادة بن دعامة السدوسي، نصر بن عاصم، يحيى بن يعمر، وغيرهم.
في الشام:
المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، خليفة بن سعد صاحب أبي الدرداء، وغيرهم١.
وكان ذلك في النصف الثاني من القرن الأول، والنصف الأول من القرن الثاني.
٥- وبعدما كثر أهل البدع والأهواء، وبدءوا يقرءون بقراءات لا أصل لها -كما نُقل عن بعض المعتزلة والروافض- تجرد قوم للقراءة والأخذ، واعتنوا بضبط القراءة أتم
_________________
(١) ١ راجع: النشر في القراءات العشر ١/ ٨، ومفتاح السعادة لطاش كبرى زاده ٢/ ١٤-٢٢.
[ ٣٦ ]
عناية؛ حتى صاروا أئمة يُقتدى بهم في ذلك ويرحل إليهم ويؤخذ عنهم، وأجمع أهل بلدهم على تلقي قراءتهم بالقبول، ولم يختلف عليهم فيها اثنان، ولتصديهم للقراءة نُسبت إليهم١.
قال ابن الجزري: ونعتقد أن معنى إضافة كل حرف من حروف الاختلاف إلى من أضيف إليه من الصحابة وغيرهم إنما هو من حيث إنه كان أضبط له وأكثر قراءة وإقراءً به وملازمة له وميلًا إليه لا غير ذلك، وكذلك إضافة الحروف والقراءات إلى أئمة القراءة ورواتهم المراد بها: أن ذلك القارئ وذلك الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة حسبما قرأ به فآثره على غيره، وداوَم عليه ولزمه، حتى اشتهر وعُرف به، وقصد فيه، وأخذ عنه؛ فلذلك أضيف إليه دون غيره من القراء، وهذه الإضافة إضافة اختيار وداوم ولزوم، لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد٢.
فكان بالمدينة:
أبو جعفر يزيد بن القعقاع، شيبة بن نصاح، نافع بن أبي نعيم، وغيرهم.
وبمكة:
عبد الله بن كثير، حميد بن قيس الأعرج، محمد بن
_________________
(١) ١ النشر ١/ ٨. ٢ النشر ١/ ٥٢، وراجع للمعرفة: الاختيار ومفهومه ص٢٨٧.
[ ٣٧ ]
محيصن، وغيرهم.
وبالكوفة:
يحيى بن وثاب، عاصم بن أبي النجود، سليمان بن مهران الأعمش، حمزة بن حبيب الزيات، علي بن حمزة الكسائي، وغيرهم.
وبالبصرة:
عبد الله بن أبي إسحاق، أبو عمرو بن العلاء، عاصم الجحدري، يعقوب الحضرمي، وغيرهم.
وبالشام:
عبد الله بن عامر اليحصبي، عطية بن قيس الكلابي، يحيى الذماري، شريح بن يزيد الحضرمي، وغيرهم١.
وتَخصص أمثال هؤلاء القراء في القراءات وفَّر المادة لوضع علم القراءات وتدوينه والتأليف فيه.
_________________
(١) ١ راجع: النشر ١/ ٨، ٩، ومفتاح السعادة لطاش كبرى زاده ٢/ ٢٢، ٢٣.
[ ٣٨ ]