يقول بعض الناس: يجوز الاجتهاد في القراءات.
ولعل مستدلهم في ذلك فهمهم الخاطئ لأحاديث نزول القرآن الكريم بالأحرف السبعة؛ حيث يعتبرون ذلك إذنًا من الله -﷿- ورسوله -ﷺ- بقراءة القرآن الكريم، لكل على لغته ولهجته كيفما شاء، ولو لم تكن القراءة مأثورة.
ولذلك أجاز البعض القراءة بالقياس المقبول.
وهو حمل ما لم يروَ عن النبي -ﷺ- على ما رُوي عنه، في جواز القراءة به لعلة مشتركة بين
[ ١٥١ ]
الحرفين تسوغ ذلك، وذلك نحو قراءة "وحللنا" بدل "ووضعنا" في قوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ ١.
أو حمل ما له وجه ضعيف على ما له وجه قوي؛ كإظهار الميم المقلوبة من النون الساكنة أو التنوين، وترقيق الراء الساكنة قبل الكسرة والياء٢.
وما من شك في أن القول بذلك مردود على قائله؛ لأن القرآن لا يُؤخذ بالقياس أو الاجتهاد في ألفاظه، ومما ذكرنا من أقوال العلماء فيما سبق ومن بيت الإمام الشاطبي -﵀- كفاية في الرد على أمثال هؤلاء الجهلة الذين لا يقصدون من وراء مثل هذه الأقوال الساقطة إلا هدم أساس الإسلام عن علم أو عن جهل.
قال ابن مجاهد:
ولم أرَ أحدًا ممن أدركت من القراء وأهل العلم باللغة وأئمة العربية يرخصون لأحد في أن يقرأ بحرف لم يقرأ به أحد من الأئمة الماضين، وإن كان جائزًا في العربية؛ بل رأيتهم يشددون في ذلك، وينهون عنه، ويروون الكراهة له عمن تقدم من مشايخهم؛ لئلا يجسر على القول في القرآن بالرأي أهلُ الزيغ، وينسبون مَن فعله إلى البدعة والخروج عن
_________________
(١) ١ الانشراح: ٢. ٢ راجع: النشر ١/ ١٨.
[ ١٥٢ ]
الجماعة، ومفارقة أهل القبلة، ومخالفة الأمة١.
ويقول الباقلاني: "ولو قرأ قارئ مكان قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ "ووافى ربك" وما أشبه ذلك؛ لكان ممنوعًا بإجماع المسلمين"٢.
يقول بدر الدين الزركشي:
إن القراءات توقيفية وليست اختيارية وقد انعقد الإجماع على صحة قراءة هؤلاء الأئمة، وأنها سُنة متبعة، ولا مجال للاجتهاد فيها وإنما كان كذلك؛ لأن القراءة سُنة مروية عن النبي -ﷺ- ولا تكون القراءة بغير ما رُوي عنه٣.
ومن المعلوم أن القياس حجة شرعية -عند عدم وجود النص من الكتاب أو السنة أو الإجماع- ولكنها ظنية في ثبوتها، ولا يجوز الرجوع إليها باعتباره أصلًا مستقلًّا بنفسه، أو مصدرًا أساسيًّا إلا بدليل خاص من القرآن أو السنة أو العقل السليم، وليس في القرآن أو السنة ما يسوغ الرجوع إليها في القراءات.
والعقل هنا يمنع من القياس في القراءات؛ لأن
_________________
(١) ١ التبيان، للشيخ طاهر الجزائري ص١٢٠. ٢ نكت الانتصار ص١١٩. ٣ التبيان، للشيخ طاهر الجزائري ص١١٨.
[ ١٥٣ ]
قرآنية القرآن لا تثبت إلا بما ينهى ويوصل إلى اليقين، والقياس -هنا- لا يوصل إلى يقين١.
ولو كان للقياس اللغوي دور وتأثير في القراءة ما قرأ أبو عمرو -وهو أحد أعلام اللغة- "بارئْكم" بإسكان الهمزة، ولا قرأ مثلها: "يأمركم، يأمرهم، تأمرهم، ينصركم، يشعركم" كل ذلك بإسكان الراء المرفوعة عند غيره؛ إذ لا وجه لذلك عند أهل اللغة؛ ولذلك رد هذه الرواية سيبويه والمبرد وغيرهما.
وكذلك ما كان لابن عامر أن يقرأ "وكذلك زين لكثير من المشركين قتلُ أولدَهم شركائِهم"٢ بالفصل بالمفعول بين المضاف والمضاف إليه.
وما كان لأبي جعفر أن يقرأ: "ليُجزى قومًا بما كانوا يكسبون"٣ ببناء "يجزى" للمفعول ونصب "قومًا".
ولا لحمزة أن يقرأ: "واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ"٤ بخفض "الأرحام"؛ وذلك لأن كل هذه الأوجه يصعب على أهل اللغة أن يجدوا لأنفسهم فيها مخرجًا أو
_________________
(١) ١ راجع: "القراءات القرآنية" ص٩٥، ٩٦. ٢ الأنعام: ١٣٧. ٣ الجاثية: ١٤. ٤ النساء: ١.
[ ١٥٤ ]
تأويلًا١؛ ولكن لم يسغ للقراء النحويين أمثال: ابن العلاء والكسائي أن ينكروها لثبوتها سندًا ورواية.
الخلاصة:
إن القراءات منزَّلة من عند الله -﷿- ومصدرها وحي رباني، لا يجوز أخذها بالقياس أو الاجتهاد في ألفاظ القرآن الكريم، وهي وإن كانت تشتمل على اللغات واللهجات ولكن لا يجوز الأخذ ولا القراءة بلهجة أو بلغة إلا بأثر ورواية مسندة.
_________________
(١) ١ راجع مقال الدكتور/ القارئ في "الأحرف السبعة" في مجلة كلية القرآن الكريم ص١٣٨.
[ ١٥٥ ]