قال الشيخ تقي الدين: قرأت بها على ابن فارس، وقرأ على الكندي، وقرأ على الخطيب والمحوّلي، وقرأ على العباس الموصلي، وقرأ على الشريف أبي القاسم الزيدي، وقرأ على أبي بكر النقّاش، وقرأ على أبي الحارث محمد بن أحمد الرّقّي على السّوسي.
قال المحوّلي: وقرأت بها على أبي القاسم بن السّيبي، وقرأ على أبي بكر محمد بن مظفّر الدّينوري، وقرأ على أبي علي الحسين بن محمد بن
[ ٨٠ ]
حمدان بن حبش، وقرأ على أبي عمران موسى بن جرير (١) الرّقّي، وقرأ على السوسي، وقرأ على اليزيدي، وقرأ على أبي عمرو.
إنما قيل اليزيدي؛ لأنه كان يصحب يزيد بن منصور الحميري (٢)، وكان يعلم أولاده فنسب إليه، وكان اليزيدي عالما بالقراءة، حاكما في الرواية، نظارا في العربية، ممن يقتدى به في النحو والشعر، معروفا بالثقة في نقله، مشهورا في وقته وعصره، قد روى الشعر وقاله، ولد سنة ثمان وعشرين ومائة، في أيام مروان بن محمد، وتوفي سنة مائتين واثنتين، وله من العمر أربع وسبعون سنة/.
أما أبو عمرو فهو من الطبقة الرابعة من التابعين بالبصرة، لقي أنس بن مالك، وروى عنه حديثا واحدا، ولم يذكره من ذكر هذا، وروى عنه حديثا رواه الأصمعي عن أنس بن مالك: «أن النبي ﷺ كان له خرقة يتنشف بها عند الوضوء» (٣)، وروى أبو عمرو الحديث عن الحسن البصري، ومحمد بن
_________________
(١) في الأصل: (حسين)، وسيأتي صحيحا (ص/ ١٣٣، ١٣٥، ١٣٦، ١٥٨، ١٩٥)، وانظر: «غاية النهاية» (٢/ ٣١٧).
(٢) أي: خال الخليفة المهدي. انظر: «معرفة القراء الكبار» (ص/ ١٥١).
(٣) أخرجه من حديث عائشة ﵂: الترمذي (٥٣)، والحاكم (١/ ١٥٤)، والبيهقي (١/ ١٨٥)، وضعف هذا الحديث من أجل أبي معاذ. قال الترمذي: حديث عائشة ليس بالقائم، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء، وأبو معاذ يقولون هو: سليمان بن أرقم، وهو ضعيف عند أهل الحديث. وتبع البيهقيّ الترمذيّ في ذلك وقال: أبو معاذ هذا هو سليمان بن أرقم، وهو متروك. وقال الحاكم: أبو معاذ هذا هو الفضل بن ميسرة بصري، روى عنه يحيى بن سعيد وأثنى عليه. وأقره الذهبي. وأخرجه البيهقي (١/ ١٨٥)، من طريق أبي عمرو بن العلاء عن أنس بن مالك عن أبي بكر الصديق، وقال: إسناده غير قوي. وقال أيضا: وإنما رواه أبو عمرو بن العلاء عن إياس بن جعفر أن رجلا حدثه: «أن النبي ﷺ كان له خرقة أو منديل، فكان إذا توضأ مسح بها وجهه ويديه». وقال: هذا هو المحفوظ من حديث عبد الوارث. ثم روى بإسناده عن أبي معمر عبد الله بن عمرو، قال: سألت عبد الوارث عن حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس: «أن النبي ﷺ كان له منديل أو خرقة فإذا توضأ مسح وجهه» فقال: كان في قطينة، فأخذه ابن علية فلست أرويه.-
[ ٨١ ]
سيرين، وأبي سلمة، ونافع مولى ابن عمر، وعكرمة، ويحيى بن عبيد الزهري، وإبراهيم التميمي، ومجاهد بن جبر، وإسماعيل بن أبي خالد، وابن شهاب الزهري، وعطاء بن أبي رباح، وفرقد السبخي، وأبي الزبير محمد بن مسلم، وسعيد المقبري، وعبد الملك بن عمير، وعبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق، وعبيد الله بن الوليد ﵃.
وقدر أبي عمرو في العلم عظيم، وخطبه فيه خطب جسيم، وكان في وقته نورا مستعصما به من الشبهات، وصدرا يقتدى به في ضبط الحديث والقراءات، قد نقل عنه الحديث واللغة والنحو والشعر والحكمة والمعاني النحوية في القراءات، بأثبت ما يكون من حسان، وأعذب ما يسمع من لسان، ولولا مخافة الإطالة لذكرت كثيرا من محاسنه ﵁ وعنا به.
قرأ فيما (١) اشتهر عنه على أبي الحجاج مجاهد بن جبر (٢)، وسعيد بن جبير، وقرآ معا على عبد الله بن عباس، وقرأ ابن عباس على أبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وقرآ على رسول الله ﷺ، وقرأ أبو عمرو ﵀ على الأئمة المكيين أبي صفوان حميد بن قيس الأعرج، وأبي معبد عبد الله/ بن كثير، ومحمد بن عبد الرحمن بن محيصن السّهمي، وقرأ هؤلاء على مجاهد بن جبر.
قال الأصمعي: قلت لأبي عمرو: أقرأت على ابن كثير، قال: نعم ختمت على ابن كثير بعد ما ختمت على مجاهد، وكان ابن كثير أعلم باللغة من مجاهد.
_________________
(١) - قال البيهقي: وهذا لو رواه عبد الوارث عن عبد العزيز عن أنس لكان إسنادا صحيحا، إلا أنه امتنع من روايته، ويحتمل أنه كان عنده بالإسناد الأول، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٢٩): سمعت أبي ذكر حديثا رواه عبد الوارث عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس: «أن النبي ﷺ كانت له خرقة يتمسح بها» فقال: إني رأيت في بعض الروايات عن عبد العزيز: أنه كان لأنس بن مالك خرقة. وموقوف أشبه، ولا يحتمل أن يكون مسندا. انظر: «السنن الكبرى» (١/ ١٨٥ - ١٨٦)، و«تلخيص الحبير» (١/ ٩٩).
(٢) في الأصل: «فيها».
(٣) في الأصل: (جبير)، وسيورد المؤلف ترجمة مجاهد (ص/ ٨٣).
[ ٨٢ ]
قلت: فلم يفرق بين القراءتين؟
قال: لم يكن بينهما كبير، إلا أني ربما سألت ابن كثير عن الشيء فيقول لي: هو جائز، والذي أختاره غيره.
قال الأصمعي: يعني من قراءة مجاهد.
وقرأ أيضا على أئمة أهل المدينة يزيد بن رومان، وشيبة بن نصاح بن سرجس (١)، وأبي جعفر يزيد بن القعقاع عن قراءتهم على ابن عباس وأبي هريرة، فمادة قراءته من أهل الحجاز؛ لأنه عليهم قرأ، ومنهم نقل.
وقرأ أيضا على يحيى بن يعمر، وقرأ على أبي الأسود الدّؤلي، وقرأ على علي بن أبي طالب، وقرأ على رسول الله ﷺ.
وقرأ أيضا على عكرمة، وعلى الحسن البصري، وقرأ عليه الحسن أيضا حين تصدر للإقراء، فأقرأ من كل قراءة بأحسنها، وبما تختار العرب، وبما بلغه من لغة النبي ﷺ.
فأما مجاهد بن جبر فهو أبو الحجاج مولى عبد الله بن السائب المخزومي.
قال مجاهد: وفي قيس بن السائب نزل: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ (٢) فأفطر وأطعم كل يوم مسكينا.
وقرأ مجاهد على ابن عباس، وعلى علي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعلى أبيّ بن كعب ﵃ أجمعين.
ومات مجاهد بن جبر بمكة وهو ساجد، سنة ثلاث ومائة في أيام يزيد بن عبد الملك، وله ثلاث وثمانون سنة/.
_________________
(١) في الأصل: (حرحس)، والمثبت من «معرفة القراء الكبار» (ص/ ٧٩)، و«غاية النهاية» (١/ ٣٢٩).
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٨٤.
[ ٨٣ ]