الحكم الرابع: الإخفاء
تعريفُهُ:
الإخفاء لغةً: السِّتر، يقال: أخفيت الكتاب أي سترته عن الأعين.
واصطلاحًا: النطق بالحرف بصفة بين الإظهار والإدغام عاريًا عن التشديد مع بقاء الغنة.
حروفُهُ:
حروف الإخفاء خمسة عشر حرفًا وهي الباقية من أحرف الهجاء بعد أحرف الإظهار والإدغام والإقلاب وقد جمعها الشيخ الجمزوري في أوائل هذا البيت:
صِفْ ذا ثَنَا كَمْ جَادَ شَخْصٌ قَدْ سَمَا دُمْ طَيِّبًا زِدْ في تُقًي ضَعْ ظَالِمًا
فإذا وقع حرف من هذه الأحرف الخمسة عشر بعد النون الساكنة من كلمة أو من كلمتين أو بعد التنوين وجب الإخفاء، ويسمى إخفاء حقيقيًّا؛ لتحقق الإخفاء فيهما أكثر من غيرهما، ولاتفاق العلماء على تسميته كذلك١.
سببُهُ:
اعلم أن سبب الإخفاء هو أن النون الساكنة والتنوين لم يقرب مخرجهما من مخرج الحروف المذكورة كقربه من مخرج حروف الإدغام فيدغما، ولم يبعد مخرجهما عن مخرج هذه الأحرف كبعده عن مخرج حروف الإظهار فيظهرا، فلما عُدم القرب الموجب للإدغام والبعد الموجب للإظهار أُعْطِيَا حكمًا متوسطًا بين الإظهار والإدغام وهو الإخفاء، وليعلم أنه لا عمل للسان حالة الإخفاء؛ لأن النون والتنوين يخرجان حينئذٍ من الخيشوم كما سيأتي.
_________________
(١) ١ انظر: "العميد في علم التجويد" ص٤٠.
[ ٦٦ ]
كيفيتُهُ:
وكيفية الإخفاء أن ينطق بالنون الساكنة والتنوين غير مظهرين إظهارًا محضًا، ولا مدغمين إدغامًا محضًا بل بحالة متوسطة بين الإظهار والإدغام، عاريين عن التشديد مع بقاء الغنة فيهما١.
وليحترز من إلصاق اللسان فوق الثنايا العليا عند إخفاء النون، وطريق٢ الخلاص من ذلك هو بُعْدُ اللسان قليلا عن الثنايا العليا عند النطق بالإخفاء.
والفرقُ بينَ الإخفاء والإدغامِ:
أولا: أن الإخفاء لا تشديد معه مطلقًا بخلاف الإدغام ففيه تشديد.
ثانيًا: أن إخفاء الحرف يكون عند غيره وأما إدغامه فيكون في غيره.
ثالثًا: أن الإخفاء يأتي من كلمة ومن كلمتين، وأما الإدغام فلا يكون إلا من كلمتين كما سبق.
مراتبُهُ:
اعلم أن حروف الإخفاء على ثلاث مراتب، والإخفاء على ثلاث مراتب أيضًا٣. أما مراتب حروف الإخفاء فهي:
١- أقربها مخرجًا إلى النون ثلاثة أحرف وهي: الطاء والدال والتاء.
٢- أبعدها مخرجًا من النون حرفان وهما: القاف والكاف.
٣- أوسطها عند الأحرف العشرة الباقية فهي متوسطة في القرب والبعد
_________________
(١) ١ من كتاب "أحكام القرآن الكريم" ص١٦٨. ٢ من كتاب "إتحاف فضلاء البشر" ص٣٣، بتصرف. ٣ من كتاب "نهاية القول المفيد في علم التجويد" ص١٢٥.
[ ٦٧ ]
وأما مراتب الإخفاء فهي ثلاثة أيضًا:
١- أعلاها عند الطاء والدال والتاء؛ لقرب مخرج النون من مخرج هذه الحروف فيكون الإخفاء قريبًا من الإدغام.
٢- أدناها عند القاف والكاف؛ لبعد مخرج النون عن مخرج هذين الحرفين فيكون الإخفاء قريبًا من الإظهار.
٣- أوسطها عند الأحرف العشرة الباقية؛ لعدم قربها منها جدًّا، ولا بعدها عنها جدًّا فيكون الإخفاء متوسطًا بينهما.
نموذج من الأمثلة:
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٦٠. ٢ سورة الحجر: ٢٦. ٣ سورة القمر: ١٩. ٤ سورة الرعد: ٧. ٥ سورة البقرة: ٢٥٥. ٦ سورة ق: ٤٤. ٧ سورة الإنسان: ١٩. ٨ سورة القارعة: ٦. ٩ سورة التكوير: ٢١. ١٠ سورة الأعراف: ١٣٥. ١١ سورة البقرة: ١٨٤. ١٢ سورة الانفطار: ١١. ١٣ سورة طه: ٨٠. ١٤ سورة الحجرات: ٦. ١٥ سورة يوسف: ١٨. ١٦ سورة عبس: ٢٢. ١٧ سورة يوسف: ٩٩. ١٨ سورة المزمل: ١٥. ١٩ سورة الشعراء: ٢٢٧. ٢٠ سورة البقرة: ١٩١. ٢١ سورة البينة: ٣. ٢٢ سورة البقرة: ١٠٦. ٢٣ سورة المؤمنون: ١٢. ٢٤ سورة التحريم: ٥.
[ ٦٨ ]
وإلى حكم الإخفاء يشير الشيخ الجمزوري في التُّحْفَة بقوله:
والرَّابعُ الإخفاءُ عند الفَاضِلِ منَ الحروفِ واجِبٌ للفاضِلِ
في خمسةٍ من بَعْدِ عَشْرٍ رَمْزُهَا في كِلْمِ هذا البيتِ قدْ ضَمَّنْتُها
صِفْ ذا ثَنَا كَمْ جَادَ شَخْصٌ قدْ سَما دُمْ طيِّبًا زِدْ في تُقًى ضَعْ ظَالِما
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٢٢. ٢ سورة آل عمران: ٩٧. ٣ سورة الأنعام: ٩٩. ٤ سورة الأنبياء: ٦٣. ٥ سورة البقرة: ١٧٢. ٦ سورة الإنسان: ٢١. ٧ سورة الدُّخَان: ٣. ٨ سورة الشمس: ٩. ٩ سورة الكهف: ٤٠. ١٠ سورة النساء: ٧١. ١١ سورة يُوسُف: ٣٨. ١٢ سورة مريم: ٢٧. ١٣ سورة المائدة: ٩١. ١٤ سورة آل عمران: ١٢٠. ١٥ سورة النَّحل: ١٤. ١٦ سورة الواقعة: ٢٩. ١٧ سورة الغاشية: ٦. ١٨ سورة المؤمنون: ١٠٦. ١٩ سورة النمل: ١٤. ٢٠ سورة الكهف: ٨٧. ٢١ سورة سبأ: ١٨.
[ ٦٩ ]
كما أشار الشيخ إبراهيم على شحاتة صاحب كتاب "لآلئ البيان"١ إلى الأحكام الأربعة بقوله:
عند حروف الحلق أظهرنهما وعند يرملون أدغمنهما
من كلمتين مع غن دون رل ون مع يس بالإظهار حل
وعند باء ميما اقلبنهما وعند باقيهن أخفينهما
وقارب الإظهار عند أولى كم قر والإدغام دومًا تلوطى
ووسط صدق سما زاه ثنا ظل جليلا ضف شريفًا ذا فنًّا
_________________
(١) ١ كتاب "لآلئ البيان في تجويد القرآن" وهو من تأليف شيخي وأستاذي الذي درست عليه علم التجويد في معهد القراءات بالأزهر الشريف، فضيلة الشيخ إبراهيم علي شحاتة السمنودي -حفظه الله- ولقد كان ولا يزال من كبار العلماء الذين يشار إليهم بالبنان والعرفان في علم التجويد والقراءات، وله مؤلفات عديدة منها المطبوع: أ- لآلئ البيان في تجويد القرآن. ب- ملخص لآلئ البيان السابق ذكره. ج- حلُّ العسير من أوجهِ التَّكْبيرِ. د- اشترك في كتاب "تنقيح فتح الكريم في تحرير أوجه القرآن العظيم" مع شيوخنا الأفاضل: الشيخ عبد العزيز الزَّيَّات، والشيخ عامر السيد عثمان، وأما الكتب المحفوظة فهي كثيرة، أرجو من الله أن يوفقه إلى طبعها حتى يعمَّ بها النفع وقد بارك الله لشيخي الجليل في عمره فهو لا يزال على قيد الحياة أرجو من الله الكريم أن يمتعه بكامل الصحة والعافية وأن ينفع به المسلمين، إنه نعم المولى ونعم النصير.
[ ٧٠ ]