لما كانت تلاوة القرآن الكريم تلاوة مجودة أمرًا واجبًا وجوبًا عينيًّا على كل من يريد أن يقرأ شيئًا من القرآن الكريم، إذن فيصبح اللحن فيه حرامًا، والتحريف فيه إثمًا.
وعلى هذا ينبغي لقارئ القرآن الكريم أن يعرف اللحن ليتجنبه.
معنى اللَّحنِ:
اللحن هو الخطأ والميل عن الصواب وفيه معان أخرى غير مقصودة هنا.
أقسام اللحن:
ينقسم اللحن إلى قسمين:
١- جلي ٢- خفي
القسم الأول: الْجَلِيُّ:
وهو خطأ يطرأ على اللفظ فيَخِلُّ بمبنى الكلمة سواء أخلَّ بمعناها أم لا، وسمي جليًّا؛ لأنه يخل إخلالا ظاهرًا يشترك في معرفته علماء القراءة وعامة الناس.
مثال الذي يخل بالمعنى: كسر التاء في قوله تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وكذلك ضمها.
ومثال الذي لا يخل بالمعنى ضم الْهَاءِ في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ .
وحكم هذا القسم: حرام بالإجماع لا سيما إن تعمده القارئ أو تساهل فيه.
القسم الثاني: الْخَفِيُّ:
وهو خطأ يطرأ على اللفظ فيَخِلُّ بعُرْف القراءة، ولا يخل بالمبنى وسمي خفيًّا؛
[ ٤١ ]
لأنه يختص بمعرفته العالم بأحكام التجويد فقط، ويخفى على عامة الناس.
مثال ذلك: ترك الإظهار أو الإدغام أو الإخفاء، وبالجملة ترك أحكام التجويد في أثناء القراءة.
وحكم هذا القسم:
التحريم على الراجح إن تعمده القارئ أو تساهل فيه، وقيل بالكراهة١ وقد خصه بعضهم بعدم ضبط مقادير المدود بالنقص أو الزيادة أو عدم المساواة بينها، وقلة المهارة في تحقيق الصفات، وتطبيق الأحكام كزيادة التكرير في الراءات وتطنين النونات وتغليظ اللامات في غير محل التغليظ ونحو ذلك٢.
وإلى هذا كله يشير العلامة المحقق الشيخ إبراهيم علي شحاتة السمنودي بقوله٣.
اللحنُ قسمانِ جليٌّ وخفي كلٌّ حرامٌ معْ خلافٍ في الخفي
أما الجليُّ فهْوَ مبنىً غُيِّرا ثمَّ الخفيُّ ما على الوصْفِ طَرَا
وواجبٌ شرعًا تجنُّبُ الجَلِيّ وواجبُ صناعةٍ تركُ الخفيّ
ولقد أعجبني في هذا المقام قول الإمام ابن الجزري في النَّشْر:
"والناس في ذلك بين محسن مأجور، ومسيء آثم أو معذور؛ فمن قدر على تصحيح كلام الله -تعالى- باللفظ الصحيح، العربي الفصيح، وعدل إلى اللفظ الفاسد العجمي أو النبطي، استغناء بنفسه، واستبدادًا واتكالا على ما ألف من حفظه، واستكبارًا عن الرجوع إلى عالم يوقفه على صحيح لفظه؛ فإنه مقصِّرٌ بلا شك، وآثم بلا ريب، وغاشٌ بلا مِرْيَة، فقد ثبت عن أبي رقية تميم بن أوس الدَّاري -﵁- أن النبي -﵌- قال: "الدينُ النصيحةُ"، قلنا لمن؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" رواه مسلم. أما من كان
_________________
(١) ١ انظر: العميد في أحكام التجويد، ص٩. ٢ من كتاب "قواعد التجويد" للدكتور: عبد العزيز القاري: ص٢٨. ٣ انظر: كتاب "موازين الأداء في التجويد والوقف والابتداء" مخطوط.
[ ٤٢ ]
لا يطاوعه لسانه، أو لا يجد من يهديه إلى الصواب فإن الله لا يكلِّف نفسًا إلا وُسْعَها". انتهى كلام ابن الجزري بتصرف.
والواقع أن المسلم يجب عليه أن يبذل الجهد؛ لكي يقرأ القرآن الكريم قراءة صحيحة خالية من اللحن أو التحريف؛ حتى ينال رضا ربه، ويكون من الملائكة المقربين؛ فلقد ثبت عن السيدة عائشة -﵂- أنها قالت: قال رسول الله -﵌: "الماهرُ بالقرآنِ مع السَّفرةِ الكرامِ البررةِ، والذي يقرأُ القرآنَ ويَتَتَعْتَعُ فيه وهو عليه شاقٌ له أجرانِ". رواه مسلم وقد سبقت الإشارة إليه.
[ ٤٣ ]