لقد تواتر عن رسول الله -﵌- أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فقد ثبت عن ابن عباس -﵄- أن رسول الله -﵌- قال: "أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويَزَيدُني حتى انتهى إلى سبعة أحرف" ١.
ومعنى "أستزيده" أي: أطلب من جبريل أن يطلب من الله -﷿- الزيادة عن الحرف تخفيفًا على الأمة ورحمة وتوسعة عليها، حتى انتهى إلى سبعة.
_________________
(١) ١ رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن، انظر: فتح الباري، "ج: ٩، ص٢٣" رقم٤٩٩١، كما رواه مسلم، في باب: أن القرآن على سبعة أحرف، واللفظ للبخاري.
[ ٢٥ ]
كما ثبت أن الْمِسْوَرَ بن مَخْرَمَة وعبد الرحمن بن عبدٍ القاري سمعا عمر بن الخطاب يقول: سمعتُ هشامَ بنَ حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله -﵌- فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله -﵌- فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلَّم، فلبَّبته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله -﵌- فقلتُ: كذبت فإن رسول الله -﵌- قد أقرأنيها على غير ما قرأت فانطلقت به أَقُوده إلى رسول الله -﵌- فقلت: إني سمعتُ هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله -﵌: "أرسله، اقرأ يا هشام"، فقرأ عليه القراءةَ التي سمعتُهُ يقرأ، فقال رسول الله -﵌: "كذلك أنزلت"، ثم قال: "اقرأ يا عمر"، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله -﵌: "كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعةِ أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه" ١.
وقد اختلفوا في المراد بالأحرف السبعة اختلافًا كثيرًا، والذي يرجحه المحققون من العلماء مذهبَ الإمامِ أبي الفضل الرازي وهو: أن المراد بهذه الأحرف الأوجه التي يقع بها التغاير والاختلاف، وهي لا تخرج عن سبعة:
الأول: اختلاف الأسماء في الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث مثل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ٢ قُرِئ لفظ "مسكين" هكذا بالإفراد، وقرئ "مساكين" بالجمع، ومثل قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ٣ وقُرِئ هكذا بالتثنية، وقرئ "إخْوتكم" بالجمع،
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف"، انظر: فتح الباري "ج: ٩، ص٢٣، ح ٤٩٩٢"، كما رواه مسلم بلفظ آخر في باب: بيان أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، ومعنى "أساوره": أقاتله وأواثبه، ومعنى "فلببته بردائه" أي جمعت عليه رداءه عند لَبَّتِه حتى لا يفلت مني، وفي هذا دليل على ما كانوا عليه من الشدة في المحافظة على القرآن كما سمعوه من الرسول ﷺ. ٢ سورة البقرة: آية ١٨٤. ٣ سورة الحجرات: آية ١٠.
[ ٢٦ ]
ومثل قوله تعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ ١ قُرِئ هكذا: بياء التذكير، وقُرِئ "تقبل" بتاء التأنيث.
الثاني: اختلاف تصريف الأفعال من ماضٍ ومضارع وأمر، نحو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ ٢، قُرِئ هكذا على أنه فعل ماضٍ، وقرئ "يَطَّوَّعْ" على أنه فعل مضارع مجزوم، وكذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ٣ قُرِئ هكذا على أنه فعل ماضٍ، وقرئ "قُلْ" على أنه فعل أمر.
الثالث: اختلاف وجوه الإعراب، نحو قوله تعالى: ﴿وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ ٤، قُرِئ بضم التاء ورفع اللام على أن "لا" نافية، وقرئ بفتح التاء وجزم اللام على أن "لا" ناهية.
الرابع: الاختلاف بالنقص والزيادة كقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٥ قُرِئ هكذا بإثبات "الواو" قبل "السين"، وقرئ بحذفها.
الخامس: الاختلاف بالتقديم والتأخير كقوله تعالى: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ ٦ وقُرِئ هكذا بتقديم "وقاتلوا" وتأخير "وقتلوا"، وقُرِئ بتقديم "وقتلوا" وتأخير "وقاتلوا".
السادس: الاختلاف بالإبدال أي جعل حرف مكان آخر، كقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ ٧ قُرِئ هكذا بتاء مفتوحة فباء ساكنة، وقرئ بتاءين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة "تَتْلُوا".
السابع: الاختلاف في اللهجات، كالفتح والإمالة، والإظهار والإدغام، والتسهيل والتحقيق، والتفخيم والترقيق، وكذا يدخل في هذا النوع الكلمات التي اختلفت فيها لغة القبائل نحو: "خُطُواتِ" تقرأ بتحريك الطاء بالضم، وتقرأ بتسكينها، ونحو: "بُِيوت" تقرأ بضم الباء وتقرأ بكسرها٨.
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٤٨. ٢ سورة البقرة: ١٨٤. ٣ سورة الأنبياء: ٤. ٤ سورة البقرة: ١٩٩. ٥ سورة آل عمران: ١٣٣. ٦ سورة آل عمران: ١٩٠. ٧ سورة يونس: ٣٠. ٨ انظر: كتاب "الوافي" للشيخ القاضي، ص٧.
[ ٢٧ ]